بين "شاشة" باردة أسرت العقول، و"لمّة" دافئة أسعدت القلوب، تكمن حكاية زمن لم يكن مثلياً، لكنه كان نقياً.
نعود بالذاكرة إلى أيام زمان، حين كانت التفاصيل الصغيرة تصنع بهجة عريضة، وكانت الحياة تمشي على مهل، بلا صخب الأجهزة ولا ركض خلف سراب المظاهر.
في ذلك الزمن الجميل، كانت البيوت تُبنى بالطوب والمحبة، والأبواب مواربة لا تغلقها الهواجس، كان "شاي العصاري" طقساً مقدساً، تلتف حوله العائلة لا لتبادل الرسائل الإلكترونية، بل لتبادل الضحكات الحية والهموم المشتركة.
لم نكن بحاجة إلى "فلاتر" لتجميل صورنا، لأن الوجوه كانت مشرقة براحة البال، ولم نكن نبحث عن "إعجابات" افتراضية، فالقبول كان يتدفق من عيون الجيران والخلان.
يا لها من مفارقة؛ تضاعفت في عصرنا وسائل الاتصال، وتراجعت سبل التواصل! تباعدت الأجساد وإن تقاربت المسافات عبر الشاشات.
في الماضي، كانت ضحكة الجار تصل إلى سابع جار، وكان طَبق "العزومة" يدور بين البيوت ليعود محملاً بـ "الود" قبل الطعام.
كانت الشوارع ملاعبنا، والتراب شاهداً على طفولة بريئة لم تلوثها الألعاب الرقمية، ولم تأسرها العزلة الإجبارية، كنا نملك القليل ونشعر بالكثير، واليوم نملك الكثير ونفتقد الأثير.
إن بهجة زمان لم تكن نابعة من رفاهية العيش، بل من غنى النفوس، كانت "اللمة" تكفي، وكلمة "الخير" تدوي، و"البركة" تحل في الرزق القليل.
كنا نستمع لأم كلثوم في المذياع الخشبي وكأننا نملك الدنيا، واليوم تزدحم قوائمنا الموسيقية ونشعر بالضمأ الروحي.
نحن لا نحن إلى حوائط وأبنية، بل نحن إلى أنفسنا في ذلك الوقت؛ إلى بساطة عمقت الروابط، وإلى عادات صانت المودة.
فهل تسرقنا التكنولوجيا تماماً، أم أن في قلوبنا طاقة من نور تعيد إلينا بعضاً من ذاك الدفء المفقود؟ ستبقى أيام زمان ملاذاً نلوذ به كلما أرهقنا زحام الحاضر، لتذكرنا دائماً بأن البهجة الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى، بل تُصنع من أبسط الأشياء.