محمود عبد الراضى

شاشات باردة وحكايات دافئة

الأحد، 28 يونيو 2026 09:05 ص


بين زفير الشتاء الذي يطرق النوافذ، وحنين القلوب لدفء غاب خلف جدران الحداثة، هناك حكاية يرويها الزمان عن تبدل ملامح السمر.

بالأمس غير البعيد، كان الشتاء فصلاً تلتئم فيه العائلة لا لتتقي البرد بملابس الصوف، بل لتحتمي ببعضها من صقيع العزلة، كانت "مدفأة الشتاء" أشبه بمغناطيس إنساني، يتحلق حولها الصغار والكبار، تتوهج في عيونهم ألسنة اللهب، بينما تشتعل في قلوبهم نيران الشغف لقصص الجد والجدة.

في ذلك الزمن الجميل، كان "صندوق الدنيا" ساحراً عجيباً، يطوف به راوٍ يبيع الأحلام في حوارينا، يلتف حوله الأطفال ليروا عبر كوة صغيرة عوالم من الأساطير وصوراً تتحرك ببطء شديد، لكنها كانت تمنح الخيال أجنحة للتحليق.

كانت الحكاية طقساً جماعياً، تُروى بنبرة صوت تارة تنخفض لترسم الغموض، وتارة ترتفع لتعلن انتصار البطل، فينسج الحاضرون من الكلمات صوراً وألواناً لا تحدها شاشة.

دارت عقارب الساعات المتسارعة، وانتقلنا من عصر "صندوق الدنيا" العفوي إلى زمن "الشاشات الذكية" الاصطناعي، تحولت تلك الشاشات من نافذة نطل منها على العالم، إلى جدران عازلة تفصلنا عمن يجلسون بجوارنا، تلاشت المدفأة وتفرق الجمع، وصار لكل فرد في العائلة "صندوقه الخاص" المضيء، المنعزل فيه عن محيطه.

لقد تبدلت التكنولوجيا فوهبتنا "الاتصال" وسلبتنا "التواصل"، أصبحنا نملك آلاف الأصدقاء الافتراضيين، ونفتقد جلسة جيرة حقيقية.

الشاشات اليوم تعرض ملايين الحكايات بجودة فائقة الألوان، لكنها حكايات باردة، تفتقر لدفء الأنفاس ورائحة الشاي المطهو على الفحم، ولمسة اليد التي تطبطب على كتف الصغير في نهاية القصة لتطمئنه أن الخير ينتصر دائماً.

هذا المقال ليس رثاءً للحاضر، بل هو دعوة لاستعادة الروح في عصر الآلة، إننا بحاجة، ولو لليلة شتوية واحدة، أن نغلق شاشاتنا الذكية، ونوقد مدفأة الحوار، لنعيد لصندوق الدنيا الحقيقي بهجته، ذاك الصندوق الكامن في ذاكرة كبارنا، والمليء بحكايات لا تموت، تجمع الأجيال وتدفئ القلوب بأبسط الكلمات وأعمق المشاعر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة