هيثم الحاج على

طه حسين ومستقبل الهوية المصرية

السبت، 27 يونيو 2026 02:55 م


اثنان وتسعون عاما مرت على إصدار عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين كتابه العمدة مستقبل الثقافة في مصر عام 1938، وهو الكتاب الذي تلقفته الأوساط الثقافية والتعليمية منذ إصداره باعتباره مانيفستو لإصلاح المناهج، أو خطة إجرائية لتطوير التعليم ومجانية المعرفة، وربما قرأه البعض انطلاقا من العنوان فاعتبره كتاب في التخطيط للفعل الثقافي، غير أن القراءة العميقة لهذا النص التأسيسي بعد عقود من صدوره، تكشف عن حقيقة مغايرة تماما؛ فالكتاب في جوهره ولحمته ليس مصنفا في التربية أو دليلاً للسياسات الثقافية، لكنه في الأساس أطروحة فكرية وسياسية مبكرة في المسألة الأكثر تعقيدا: مسألة الهوية المصرية.

الحديث المستفيض لطه حسين عن المدارس، والجامعات، وترجمة الآداب الكلاسيكية، وتطوير لغة الخطاب، لم يكن دافعه مجرد الشغف بالتحصيل العلمي فحسب لكنه كان بحثا معرفيا واعيا عن الأدوات التي يمكن من خلالها صياغة الشخصية المصرية الحديثة وتثبيت أركانها.

لقد أدرك العميد مبكرا أن التعليم والثقافة ليسا غايتين في ذاتهما، وإنما هما الوسيلتان السياديتان اللتان تصنعان الوعي القومي، وتعيدان تعريف الذات في لحظة تاريخية فارقة كانت تمر بها مصر بعد معاهدة 1936 والاستقلال الاسمي عن الاحتلال البريطاني.

إن المشكلات والاشتباكات المعرفية التي فجرها الكتاب منذ فصوله الأولى، وجلبت عليه عواصف من النقد والهجوم، كانت مشكلات تتعلق بتحديد عناصر ومكونات الهوية المصرية أساسا، فحين طرح طه حسين سؤاله الفلسفي الصادم: "هل العقل المصري شرقي أم غربي؟"، لم يكن يهدف إلى الانسلاخ من المحيط العربي أو الإسلامي كما روج خصومه، لقد كان يحاول تفكيك عناصر الشخصية المصرية جغرافيا وتاريخيا وسيكولوجيا، كما أراد التأكيد على أن الهوية المصرية مركبة بطبيعتها، ولها امتداد أصيل في حوض البحر الأبيض المتوسط جعلها تتأثر وتؤثر في حضارات العالم القديم والحديث، وأن محاولة اختزال هذه الهوية في بعد واحد هو إفقار لمنبعها الخصيب.

من هنا تكتسب أطروحات الكتاب حيوية مدهشة في واقعنا الراهن، فالأزمات الثقافية والتعليمية التي نناقشها اليوم ليست سوى امتداد لتلك الأسئلة التأسيسية التي لم تحسم بعد بشكل نهائي في الوعي الجمعي، فعندما يطالب طه حسين بتعليم ينمي التفكير النقدي ويرفض التلقين، فهو يطالب ببناء مواطن يمتلك مناعة فكرية تحميه من التبعية والاستلاب، مواطن قادر على حماية هويته الوطنية من الاختراق، وهي القضية التي باتت اليوم في قمة أولوياتنا.

إننا نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة مستقبل الثقافة في مصر بوصفه وثيقة وطنية لبناء الدولة الحداثية، والوعي بأن أي إصلاح حقيقي للتعليم أو تطوير للمؤسسة الثقافية لن يؤتي ثماره ما لم ينطلق من رؤية واضحة ومحددة لعناصر هويتنا، رؤية تجمع بين الأصالة التاريخية والقدرة على مجابهة شروط العصر، وتدرك أن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن كيان الأمة وصورتها أمام العالم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة