عاد ملف جماعة الإخوان إلى صدارة المشهد السياسي والأمني في أوروبا، مع تصاعد التحذيرات الرسمية من أنشطة التنظيم وشبكاته العابرة للحدود، وسط مؤشرات متزايدة على تبني عدد من الدول الأوروبية سياسات أكثر تشدداً في التعامل مع الجماعة والكيانات المرتبطة بها.
وشهدت الأيام الأخيرة تطورات متزامنة في كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، عكست تحولاً ملحوظاً في النظرة الأوروبية تجاه جماعة الإخوان، التي باتت تُعامل في العديد من الأوساط السياسية والأمنية باعتبارها تحدياً يرتبط بالأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي، وليس مجرد تيار ذي طابع ديني أو سياسي.
وفي ألمانيا، تصاعدت التحذيرات الأمنية بعد تأكيدات من مسؤولين أمنيين بشأن وجود مخاوف متزايدة من محاولات الجماعة التغلغل داخل بعض المؤسسات والأطر السياسية والاجتماعية، عبر شبكات ومنظمات تعمل تحت مظلات مدنية ودينية متعددة. وتواصل أجهزة الأمن الألمانية مراقبة أنشطة التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، في ظل قناعة متنامية بأن خطورة هذه التنظيمات لا تقتصر على التهديدات المباشرة، بل تمتد إلى بناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الأوروبية.
أما في فرنسا، فقد واصلت السلطات نهجها الحازم تجاه الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي، بعدما دعمت المؤسسات القضائية إجراءات تستهدف الحد من الأنشطة التي تُشتبه في ارتباطها بشبكات الإخوان، في إطار سياسة فرنسية أوسع تهدف إلى مواجهة ما تصفه باريس بمحاولات تقويض قيم الجمهورية والعلمانية عبر كيانات ذات أبعاد أيديولوجية وتنظيمية.
ويرى مراقبون أن التشدد الأوروبي المتزايد تجاه جماعة الإخوان يعكس إدراكاً متنامياً لطبيعة الاستراتيجيات التي تعتمدها الجماعة في توسيع نفوذها داخل المجتمعات الغربية، من خلال استغلال الأطر المدنية والدينية والاجتماعية لبناء شبكات تأثير ممتدة، وهو ما دفع عدداً من الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه التنظيم، ووضع ملف أنشطته ضمن أولويات الأمن القومي ومواجهة الإرهاب
وأكد إبراهيم ربيع، الخبير في شئون الجماعات الإرهابية أن تصاعد الإجراءات الأوروبية تجاه جماعة الإخوان خلال الفترة الأخيرة يعكس إدراكاً متزايداً لدى الحكومات الغربية لطبيعة المخاطر التي تمثلها الجماعة وشبكاتها العابرة للحدود، مشيراً إلى أن التحركات التي تشهدها دول مثل ألمانيا وفرنسا تؤكد فشل محاولات الإخوان في تقديم أنفسهم ككيانات مدنية أو دعوية بعيدة عن الأهداف السياسية والتنظيمية.
وأوضح إبراهيم ربيع، في تصريحات خاصة، أن جماعة الإخوان اعتمدت على مدار عقود على استراتيجية "التمكين الناعم" داخل المجتمعات الأوروبية، عبر تأسيس جمعيات ومؤسسات ومنظمات تعمل كواجهات لنشر الفكر الإخواني وبناء شبكات نفوذ داخل المؤسسات والمجتمعات الغربية، لافتاً إلى أن الأجهزة الأمنية الأوروبية باتت أكثر وعياً بهذه الآليات وأكثر قدرة على رصدها ومواجهتها.
وأضاف أن التحذيرات الصادرة عن المؤسسات الأمنية في عدد من الدول الأوروبية تعكس تحولاً نوعياً في التعامل مع ملف الإخوان، حيث لم يعد يُنظر إلى الجماعة باعتبارها مجرد تنظيم سياسي أو ديني، وإنما كشبكة أيديولوجية تسعى إلى اختراق المجتمعات وإعادة تشكيلها وفق أجندات تتعارض مع قيم الدولة الوطنية ومبادئ الاندماج المجتمعي.
وأشار خبير شؤون الجماعات الإرهابية إلى أن استمرار التضييق الأوروبي على أنشطة الإخوان يمثل ضربة قوية لمشروعات التنظيم الدولية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الإجراءات الرقابية والقانونية ضد الكيانات المرتبطة بالجماعة، في ظل تنامي القناعة الأوروبية بخطورة تمددها الفكري والتنظيمي.