فى الذكرى الـ13 لثورة 30 يونيو.. رئيس اتحاد العمال يكشف فى حوار لـ"اليوم السابع" كواليس 60 دقيقة جمعت وفد النقابات مع مرسى بالاتحادية..نام أثناء عرض مطالب العمال واستيقظ ليطلب مؤتمرا تحت رعايته لاستغلالنا سياسا

السبت، 27 يونيو 2026 01:30 م
فى الذكرى الـ13 لثورة 30 يونيو.. رئيس اتحاد العمال يكشف فى حوار لـ"اليوم السابع" كواليس 60 دقيقة جمعت وفد النقابات مع مرسى بالاتحادية..نام أثناء عرض مطالب العمال واستيقظ ليطلب مؤتمرا تحت رعايته لاستغلالنا سياسا عبد المنعم الجمل رئيس اتحاد العمال والزميلة آية دعبس

حوار آية دعبس - تصوير كريم عبد العزيز

-  الإخوان حطموا بوابة اتحاد العمال في محاولة لاقتحامه وأطلقوا الخرطوش على نوافذه.. والنقابيون صدوا هجماتهم بصناديق خشبية من فوق السطح..

- 45 مليون جنيه نهبت من الخزائن لصرف 600 جنيه أسبوعيا لشباب مقابل النزول في مظاهرات الإخوان ودعم الاعتصامات..

-  محاولات السيطرة على الحركة العمالية بدأت بخديعة قانونية حولت قرار بطلان انتخابات لجان نقابية إلى حل للاتحاد.. ولجنة من الإخوان والشيوعيين والحقوقيين تقاسمت مقاعده بالمحاصصة..

-  رصدنا مخططا لتعطيل حركة الإنتاج في أكبر المصانع في القطاعات كثيفة العمالة مثل السيراميك والأدوية والغذاء..

بالتزامن مع الذكرى ال13 لـ ثورة 30 يونيو، كشف عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، كواليس الصراع الذي شهده التنظيم النقابي خلال الفترة من 2011 إلى 2013، موضحا كيف واجه الاتحاد محاولات التفكيك التي بدأت بقرار حل مجلس إدارته وتجميد نشاط سبع نقابات عامة، مشيرا إلى أن تلك المرحلة شهدت سعي بعض التيارات السياسية للسيطرة على مفاصل الحركة العمالية، مؤكدا أن تماسك العمال وإصرارهم على حماية المنشآت الصناعية واستمرار الإنتاج كان الركيزة الأساسية في التصدي لتلك التدخلات.

وأشار رئيس اتحاد العمال، في حوار خاص ل"اليوم السابع"، عن رصد تبديد نحو 45 مليون جنيه من موارد الاتحاد في أوجه صرف غير نقابية، مما تسبب في تعثر مشروعات كبرى مثل الجامعة التكنولوجية، واعتبر الجمل أن الجمعية العمومية المنعقدة في 2013 كانت الخطوة التصحيحية الفاصلة التي استعاد بها التنظيم النقابى العمالى شرعيته وقراره المستقل بعد أحداث يونيو 2013، مشددا على أهمية توثيق هذه الوقائع لحماية ذاكرة الحركة العمالية المصرية كشريك أصيل في استقرار الدولة.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.23 AM (1)
عبد المنعم الجمل رئيس اتحاد العمال والزميلة آية دعبس

• إلى نص الحوار:

-  متى بدأت أولى محاولات سيطرة الجماعة وحلفائها على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر؟

بعد ثورة يناير، والحقيقة أن الملامح الأولى لمحاولات السيطرة على اتحاد العمال لم تكن مقتصرة على جماعة الإخوان وحدها، بل صدمنا بتحالفات واسعة ضمت أحزابا ومراكز حقوقية وشخصيات كنا نحسبهم أصحاب رؤية، لكنهم أظهروا عداء مطلقا وغير موضوعي للتنظيم النقابي الرسمي.

البداية كانت عبر خديعة قانونية، حيث تم إيهام مجلس الوزراء آنذاك بوجود حكم قضائي واجب النفاذ يقضي بحل الاتحاد ونقاباته العامة، وهو التوجه الذي قاده وروج له المسؤول عن وزارة العمل في ذلك الوقت، رغم أن الحقيقة القانونية كانت مغايرة تماما، فالأحكام كانت تخص بطلان انتخابات لجان نقابية فرعية وتم تنفيذها بالفعل عبر التعويض المالي وانتهت عند هذا الحد، ولا يمكن قانونا سحبها على كيان الاتحاد أو النقابات العامة.

وعقب قرار حل اتحاد العمال، شكلت لجنة لإدارة كانت خليطا من الإخوان والشيوعيين وبعض الحقوقيين، وأغلبهم لا يربطهم أي رابط بالتنظيم النقابي، وقد اجتمعت تيارات متناقضة أيديولوجيا يساريون وشيوعيون وحقوقيون مع الإخوان المسلمين للسيطرة على الاتحاد، وتم اعتماد مبدأ المحاصصة الحزبية، فكانت لكل فصيل حصة محددة من المقاعد؛ فمثلا كان لخالد علي حصة، ولدار الخدمات النقابية حصة، وللإخوان حصة الأسد، وتم توزيع "هيئة المكتب" كغنائم سياسية؛ فأصبح يسري بيومي (إخوان) أمينا للصندوق، وعبد الفتاح خطاب (حليف لهم) أمينا عاما، بل وصل الأمر لتعيين عناصر لا علاقة لها بالعمل النقابي، وبعض هؤلاء الأعضاء كانوا قد خاضوا انتخابات في شركاتهم ورسبوا فيها، ومع ذلك تم تصعيدهم بقرارات إدارية لقيادة لجان تدير نقابات عامة بالمخالفة لكل الأعراف النقابية.

واستهدف قرار الحل في هذا التوقيت سبع نقابات في المرحلة الأولى هم:"البناء والأخشاب، والبترول، والمرافق، والصناعات الغذائية، والنقل البري، والغزل والنسيج، والتعليم"، لضرب رؤوس التنظيم وشل حركته والسيطرة على ملاءته المالية، والتخلص من قيادات نقابية قوية مثل حسين مجاور رئيس الاتحاد ومحمد مرسي أمين عام الاتحاد، وإسماعيل فهمي بنقابة البترول وأمين صندوق الاتحاد آنذاك، والسيطرة على مقدرات تلك النقابات.

ورغم اتهامات التبعية التي روج لها الخصوم لتبرير التفكيك، إلا أن الواقع يثبت قوتنا التفاوضية؛ ففي مفاوضات قانون التأمينات الاجتماعية مع الحكومة قبل يناير، قدمنا 32 ملحوظة جوهرية واستجابت الدولة ل 27 منها وتعديل صياغة البقية، مما يؤكد أننا كنا دائما كيانا مفاوضا صلبا يحمي حقوق عماله.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.21 AM (3)
عبد المنعم الجمل رئيس اتحاد العمال

- كيف كان موقف الاتحاد والقواعد العمالية من أحداث 25 يناير وتأمين المنشآت؟

العمال قاموا بدور بطولي؛ فبينما كانت القيادات المفروضة تحاول السيطرة على المكاتب، كان العمال في المناطق الصناعية الكبرى مثل "حلوان" يشكلون دروعا بشرية لحماية مصانعهم من التسلل والتخريب والسرقة، وأصرت القيادات النقابية الشرعية على التواجد الميداني لضمان استمرار الإنتاج.

وهذا يؤكد أن الاتحاد ينحاز دائما لأمن الوطن؛ لذا حرصنا على التنسيق مع مؤسسات الدولة، ونظمنا مؤتمرا حاشدا لدعم الجيش والشرطة رغم محاولات الإخوان لتخريبه، إيمانا منا بأن أمن الوطن والإنتاج لا ينفصلان.

-  كيف تقيم دور "النقابات المستقلة" والمطالبات بحل الاتحاد وتوزيع ممتلكاته؟

أول تحرك قانوني ضد الاتحاد جاء من "دار الخدمات النقابية"، للمطالبة بحل الاتحاد وتوزيع ممتلكاته على كيانات ادعوا أنها تمثل الملايين، لكن الواقع كشف أنها كانت مجرد "تنظيمات ورقية" تفتقر للتواجد الفعلي داخل المصانع، ما أبقى الاتحاد صامدا هو ارتباطه الوثيق بالقواعد العمالية التي رفضت هذه الكيانات الوهمية، وتمسكت بالتنظيم الرسمي كشريك أصيل في استقرار الدولة المصرية.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.21 AM
عبد المنعم الجمل

-  تعرض مقر اتحاد العمال لمحاولة اقتحام؛ كيف كانت كواليس هذه الواقعة؟

الهجوم على المبنى لم يكن واقعة واحدة، بل تكرر عدة مرات وبشكل شرس للغاية، حيث كان الهدف الرئيسي للمهاجمين هو السيطرة على المقر وفرض قرار الحل بالقوة، ووصل الأمر إلى قيامهم بتحطيم البوابة الرئيسية للاتحاد في محاولة لاقتحام المكاتب الإدارية والوصول إلى مكتب رئيس الاتحاد.

وقد كان يتحصن بالداخل، بمبادرة من مجموعة من الموظفين العاملين بالاتحاد وعددا من النقابيين الذين رفضوا إخلاء أماكنهم، ولأننا لم نكن نملك أي وسيلة للدفاع عن أنفسنا، فقد استعنا بأدوات بدائية مخزنة فوق سطح المبنى، وهي "صناديق المشروبات الغازية"، حيث قمنا بنقلها واستخدامها لإلقائها من فوق السطح ومن النوافذ لصد العناصر التي كانت تحاول تسلق الجدران أو الدخول من المداخل التي حطموها.

وفي المقابل، كانت المجموعات المهاجمة تتمركز في وضعية هجومية أسفل الكوبري المواجه للمبنى، وكانوا يطلقون طلقات الخرطوش بكثافة ومباشرة على الأبواب والشبابيك لإرهابنا وإجبارنا على فتح المداخل، لكننا اتخذنا استراتيجية دفاعية تعتمد على التواجد في الأدوار العليا، وقمنا بتوزيع النقابيين على جميع النوافذ المطلة على الشارع، فكان كل زميل مسؤولا عن رصد زاوية معينة، وهو ما منحنا مظلة حماية جيدة مكنتنا من كشف تحركاتهم وإحباط محاولاتهم المباغتة.

لقد كانت مواجهات صعبة جدا في ظل حالة من الفوضى الأمنية التي كانت تمر بها البلاد، ولكن استبسال أبناء الاتحاد وإرادتهم القوية في الدفاع عن كيانهم هي التي منعت سقوط المبنى في قبضة تلك التحالفات الحزبية وعناصر الجماعة الإرهابية التي كانت تسعى للسيطرة على مقدرات العمال.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.22 AM (3)
رئيس اتحاد العمال

-  متى بدأت أولى خطوات إبعاد العناصر غير النقابية عن الاتحاد؟

نقطة التحول الرئيسية كانت في سبتمبر 2013، حيث قررنا عقد جمعية عمومية طارئة في قرية الأحلام بالساحل الشمالي، وبصفتها السلطة العليا للتنظيم النقابي، اتخذت الجمعية قرارا تاريخيا بإعادة تشكيل مجلس إدارة الاتحاد وتطهيره من بقايا الإخوان والتيارات المتحالفة معهم بعد أحداث يونيو 2013 بستة أشهر، كان هذا التحرك ضرورة لاستعادة استقلالية القرار النقابي، وبالفعل تم تصعيد قيادات نقابية حقيقية لإدارة المشهد.

-  كنت ضمن وفد الاتحاد الذي التقى الرئيس الأسبق محمد مرسي في قصر الاتحادية.. ما تفاصيل هذا اللقاء؟

هذا اللقاء كان في شهر رمضان، واستمر لحوالي ساعة، وجاء بناء على طلب متكرر من جانبهم، حيث كانت مؤسسة الرئاسة تسعى لترتيب مقابلة مع قيادات الاتحاد، والحقيقة أن هدفهم لم يكن الاستماع لمشاكل العمال، بل كان تسويقا سياسيا بحت؛ حيث كان مرسي يرغب في أن ينظم الاتحاد مؤتمرا عماليا كبيرا تحت رعايته الشخصية ليظهر للرأي العام أن الحركة العمالية تدعمه وتؤيده، ورغم تحفظنا الشديد ورفضنا الضمني لوجود الجماعة، إلا أننا قررنا الذهاب للمواجهة وعرض الحقائق.

كانت هناك كواليس وملاحظات رصدتها بدقة منذ لحظة وطأت أقدامنا القصر، وأبرزها عقلية الاستحواذ التي كانت تسيطر عليهم؛ فبينما كنت أدخل القصر وبرفقتي القيادي الإخواني صلاح نعمان، أبدى انبهاره الشديد بمخملية المكان وفخامته وقال لي بزهو لافت: "يااه.. والله العظيم، إيه ده؟ القصر ده رائع، حقيقة كان لحسني مبارك الحق في ألا يرغب في الرحيل عنه!'، ثم أتبعها بجملة كشفت الكثير عما يدور في عقولهم حين قال: "بص يا عم عبد المنعم.. أنتم -يقصد الكيانات والنظم السابقة- كنتم تأخذون هذا القصر إيجارا، أما نحن فقد أخذناه تمليكا!'، هذه الكلمات لخصت نيتهم في السيطرة المطلقة على مقدرات الدولة واعتبارها غنيمة للجماعة.

أما داخل قاعة الاجتماع، جلس مرسي خلف مكتبه ورصصنا نحن الكراسي أمامه، وبدأ الدكتور أحمد عبد الظاهر رئيس الاتحاد آنذاك، يتحدث بقوة وبصوته الجهوري المعروف عن التحديات التي تواجه القطاعات العمالية، وبينما كان عبد الظاهر في قمة حماسه، فوجئنا بمرسي دخل في نوم عميق تماما وهو يمسك بالقلم في يده! لدرجة أنني ملت على صلاح نعمان وقلت له بصوت خفيض: "الراجل بتاعكم نام"، فصدم وقال لي بصوت مرتعش: "يا نهار أسود دي فضيحة.. والنبي تسكت"، كان واضحا أنه مجهد أو غير مهتم بما يطرح، فبمجرد أن استيقظ لم يناقش أي مطلب عمالي، بل ظل يكرر جملة واحدة: أنا عايز أعمل مؤتمر عمالي تحت رعايتي، وكأننا لم نتحدث في أي شأن يخص العمال.

وفي نهاية اللقاء، أدركنا أنهم يريدون استغلال وجودنا إعلاميا، فطلبوا التقاط صورة جماعية مع محمد مرسى، وهنا اتخذت قرارا بالاتفاق مع الدكتور أحمد عبد الظاهر بالرفض القاطع للمشاركة في هذا الأمر؛ فبمجرد خروجنا من القاعة، هرب الدكتور عبد الظاهر من اتجاه، وهربت أنا من اتجاه آخر داخل أروقة القصر حتى وصلنا للباب الخارجي وركبنا سياراتنا بسرعة وغادرنا.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.23 AM (2)
عبد المنعم الجمل رئيس اتحاد العمال والزميلة آية دعبس

-  ماذا حدث خلال احتفالية عيد العمال بـ "قصر القبة" في عهد مرسي؟

المشهد في قصر القبة كان يعكس بوضوح كيف كانت تدار الدولة؛ فبينما كنا نمر عبر إجراءات الدخول الرسمية التي تبدأ بالأمن ثم الحرس الجمهوري، فوجئنا عند بوابة التفتيش الأخيرة بأن من يقوم بالتدقيق وتفتيش القيادات النقابية والشخصيات العامة ليسوا رجال أمن الدولة، بل عناصر ترتدي شعار حزب الحرية والعدالة.. وحين حاول أحدهم تفتيشي، نفضت يده عني بشدة وقلت له: "أنت من؟ وبأي صفة تفتشنا هنا؟"، وهو موقف اتخذه الكثير من الزملاء رفضا لتغول الحزب.

وعندما حان وقت صلاة المغرب، أبلغنا المنظمون بأنه لا يجب أن يصلي أحد الآن، قائلين: محدش يصلي عشان الريس هيصلي معانا جماعة.. إلا أننا رفضنا هذا الانتظار، وقمنا بفرش السجاد في حديقة القصر وأدينا صلاة المغرب في وقتها.. وبعدما انتهينا، جاء إلينا بعض المنظمين وسألونا بذهول: "أنتم صليتوا؟"، فأجبناهم بنعم، فاقترحوا علينا أ نصلى مرة ثانية جماعة خلف الرئيس، فقولنا لهم: "لأ.. إحنا بنصلي صلاة واحدة، ومش هنصلي مرة تانية.

-  كيف كان اتحاد العمال يدار في ظل وجود لجنة مفروضة إداريا عليه؟

كنا ندير شؤون الاتحاد من "خارج الأسوار"؛ حيث كنا نعقد اجتماعاتنا السرية على المقاهي وفي مقرات نقابات بعيدة مثل "النسيج" و"الزراعة" وفي منطقة فيصل، بعيدا عن أعين اللجنة التي كانت تدير الاتحاد إداريا، كنا نخطط لإفشال قراراتهم غير المنطقية، ونعمل على زيادة الوعي بين العمال بضرورة حماية المصانع من محاولات التعطيل المتعمد للإنتاج التي كانت تستهدف قطاعات كثيفة العمالة مثل السيراميك والأدوية والصناعات الغذائية.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.22 AM (2)
رئيس اتحاد العمال

-  مثلت مسيرات "الزي الأزرق" علامة في حراك يونيو 2013؛ كيف تمت إدارة كواليس هذه المسيرات؟

كان للعمال هدف واحد وواضح وهو ضرورة التخلص من حكم جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أنعكس على أن من تواجد في ميدان التحرير والميادين كافة قبل وبعد 30 يونيو لم يكونوا أعضاء في أحزاب سياسية، بل كانوا عمالا حقيقيين تضرروا بشدة من الأوضاع السيئة التي سببت مشاكل ضخمة داخل المصانع، وهو ما ولد لديهم وعيا مبكرا بضرورة التحرك.

أما عن كواليس التنسيق لمسيرات الزي الأزرق، فقد كانت تدار من خلال منظومة تواصل دقيقة؛ حيث لم تكن لدينا في ذلك الوقت إمكانيات لوجستية ضخمة للتحرك الميداني الواسع، فاعتمنا بشكل أساسي على التواصل التليفوني والربط بين رؤوس اللجان النقابية في كافة المنشآت، علما بأن كل من شارك في هذه المسيرات خلال تلك المرحلة كان يصرف على تحركاته من جيبه الخاص، فلم تكن النقابات العامة تمول هذه المسيرات، ولم يطلب عامل واحد مليما، بل كان الدافع هو الرغبة الوطنية الخالصة في التغيير.

ولم يقتصر التنسيق على القاهرة فقط، بل امتد ليشمل كافة محافظات مصر؛ حيث جاب أعضاء الاتحاد والقيادات النقابية المحافظات من المنصورة والزقازيق إلى أسيوط والصعيد، وعقدنا ملتقيات عمالية حاشدة لتوعية العمال بأهمية المشاركة، خاصة في مرحلة الدستور لاحقا، لأن الجماعة كانت تراهن على أن الناس لن تنزل الميادين، أو أنها ستنزل لتقول 'لا'، فكان هدفنا هو إثبات وجود المصريين على الأرض.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.22 AM (1)
رئيس اتحاد العمال في حوار مع اليوم السابع

-  لقد أشرت إلى أن الاتحاد عانى لاحقا من "عثرة مالية" حادة؛ فهل تم رصد وقائع محددة لتبديد أموال العمال خلال فترة سيطرة الإخوان وحلفاؤهم على مقدرات الاتحاد؟

بكل أسف، نعم، وهذا أحد أخطر الملفات التي واجهتنا؛ فخلال العام الذي سيطرت فيه تلك اللجنة على الاتحاد، تم رصد تبديد ممنهج لمبلغ ضخم وصل إلى 45 مليون جنيه من أموال العمال والاشتراكات، وهذا المبلغ في ذلك التوقيت (عام 2012) كان يمثل سيولة نقدية ضخمة، وهذا المبلغ تم صرفه بالكامل في أوجه لا علاقة لها بالعمل النقابي أو الدفاع عن حقوق العمال، بل تم استخدامه كتمويل سياسي لدعم تحركات الجماعة الإرهابية وحلفائها.

حيث كانت اللجنة تقوم بتجميع مجموعات من الشباب -ليسوا عمالا- داخل مقر الاتحاد، ويتم صرف مبالغ مالية لهم بصفة أسبوعية تتراوح ما بين 500 و600 جنيه للفرد الواحد، مقابل خروجهم في مظاهرات واعتصامات سياسية ورفع شعارات معينة تخدم أجندة الجماعة، لقد تم استنزاف السيولة النقدية التي كانت متوفرة في خزائن وصناديق الاتحاد بالكامل في ذلك الوقت، وهو ما تسبب في فجوة تمويلية وعثرة مالية كبيرة أثرت بالسلب على قدرة الاتحاد لاحقا في أداء مهامه وتطوير مؤسساته، حيث وجدنا الخزائن 'خاوية' بعد إزاحتهم."

لقد تسبب هذا الاستنزاف المتعمد في عثرة مالية حادة للاتحاد؛ فنحن لم نجد عند استردادنا للاتحاد سوى خزائن خاوية، مما أعاقنا لسنوات عن القيام بأعمال الصيانة والتطوير الضرورية للمؤسسات التابعة للاتحاد، مثل الجامعة العمالية والمؤسسة الثقافية.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.23 AM
 
- هل رصدتم محاولات من قبل عناصر الجماعة لتعطيل قطاعات إنتاجية بعينها خلال تلك الفترة؟

نعم، رصدنا تحركات ممنهجة وخطيرة جدا في هذا الصدد، وكانت هذه المحاولات جزءا من مخطط أوسع لضرب ركائز الدولة المصرية من خلال شل حركة الإنتاج، واستمرت هذه التحركات بوتيرة حادة ومستمرة حتى ما بعد أحداث 30 يونيو و3 يوليو، في محاولة يائسة منهم لاستعادة السيطرة أو إحداث حالة من الفوضى الاقتصادية الشاملة.

وتركزت هذه المحاولات بشكل أساسي في القطاعات كثيفة العمالة، لأن أي 'شعلة نار' في مصنع يضم آلاف العمال كفيلة بإحداث هزة اقتصادية واجتماعية كبرى؛ ومن أبرز القطاعات التي رصدنا فيها هذه المحاولات الممنهجة كانت قطاعات السيراميك، والصناعات الغذائية، وقطاع الأدوية، وهي جميعا قطاعات حيوية تمس الاحتياجات اليومية المباشرة للمواطنين، وكان الهدف من ورائها تحويل القلاع الصناعية من قاطرات للتنمية إلى بؤر للاضطراب.

وكانت الخطة تعتمد على دفع أفراد بعينهم داخل هذه المصانع لافتعال أزمات ومطالب تعجيزية تهدف في النهاية إلى جر العمال لمسار يخرج عن الإطار النقابي الشرعي، والوصول لإضرابات تؤدي بالتبعية إلى غلق المنشأة وتشريد العمال وضياع لقمة عيشهم، وذلك بغرض إحراج الدولة وإظهارها في موقف العاجز عن حماية الاستقرار الصناعي وتأمين مصادر رزق المواطنين، ودون أي اكتراث من جانبهم بالعواقب المستقبلية لتدمير هذه الكيانات.

وأمام هذا المخطط، أدركنا في الاتحاد واللجان النقابية أن المواجهة الحقيقية يجب أن ترتكز على الوعي وليس؛ لذا نزلنا للقواعد العمالية في هذه القطاعات المحرضة وواجهنا هؤلاء الأفراد بالحقائق، حيث كنا نوضح للعامل البسيط أن من يدفعك لتعطيل الإنتاج لا يريد مصلحتك، بل يريد هدم المصنع الذي هو مصدر رزقك الوحيد، وأن ضياع الإنتاج يعني ضياع مستقبل أسرتك بالكامل، وبالفعل كان وعي العامل المصري هو الصخرة التي تحطمت عليها هذه المخططات التدميرية.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.23 AM (1)

- كيف ولدت فكرة "جبهة الدفاع عن عمال مصر" ؟

الجبهة كانت حالة عفوية ومنظمة في آن واحد، نابعة من شعور نقابيين وموظفين وكوادر مخلصة داخل الاتحاد بأن هذا الكيان التاريخي يتعرض لعملية انهيار وتدمير ممنهج، كنا نرى الاتحاد يسلب من أبنائه، فقررنا التحرك لحمايته.

وكنا نعقد اجتماعاتنا بشكل سري وشبه يومي في أماكن بعيدة عن أعين 'اللجنة المعينة'؛ أحيانا في مقرات نقابية فرعية، وأحيانا في أماكن عامة، بل وكنا نجتمع في الأدوار السفلى "البدروم" في مبنى الاتحاد بعيدا عن مكاتب الإدارة المفروضة علينا، للتخطيط لكيفية استعادة الاتحاد وتطهيره.

وكان من بيننا قامات نقابية وطنية لها باع طويل، مثل الراحل عبد الرحمن خير -رحمه الله- الذي كان له دور عظيم، ومحمد رزق، وقيادات واعية من نقابة الحديد والصلب بحلوان، ومجموعة من الكوادر التي كانت تمتلك رصيدا لدى القواعد العمالية، وركزنا على ثلاثة محاور: الأول هو رفع الوعي بين العمال بحقيقة ما يحدث، والثاني هو حث النقابات العامة واللجان على الصمود وعدم الاستسلام للقرارات الإدارية التعسفية، والثالث هو إصدار بيانات توضيحية للرأي العام لبيان أن ما يحدث هو طمس لهوية التنظيم النقابي الرسمي وليس إصلاحا كما كانوا يدعون.

- هل كان هناك تنسيق مع القوى السياسية المدنية مثل "جبهة الإنقاذ" في ذلك الوقت؟

نعم، التنسيق كان واسع النطاق؛ لأننا كنا ندرك أن معركة العمال هي جزء من معركة الوطن الكبرى ضد محاولات "أخونة" مفاصل الدولة بالكامل، وتواصلنا بشكل مباشر مع جبهة الإنقاذ الوطني والأحزاب المدنية، كما فتحنا قنوات اتصال مع شخصيات عامة وكيانات اقتصادية، مثل أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية، حيث كنا نجتمع في اتحاد الصناعات وغيرها من الأماكن لتنسيق المواقف.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.21 AM (1)

-  هل لعب الاتحاد دورا في دعم الدولة المصرية خارجيا خلال تلك الفترة المضطربة؟

بالطبع، فالدبلوماسية النقابية كانت ذراعا للدولة؛ حيث أسسنا اتحاد دول حوض النيل للتقارب مع الأشقاء في إفريقيا، وتحديدا في ملف المياه وإثيوبيا، وكنا نتكفل بمصاريف الوفود ودعمهم تقنيا لربطهم بالدولة المصرية، إيمانا منا بأن النقابيين في إفريقيا هم وقود السياسة وقادة المستقبل في بلادهم.

-  بعد أن استعرضت هذه المحطات من تاريخ الاتحاد.. ما هو الدرس الأهم الذي استخلصته من تلك التجربة؟

الدرس الأهم هو أن وعي العامل المصري وارتباطه الوثيق بمؤسسات دولته كان الصخرة التي تحطمت عليها كل مخططات الهدم والأخونة؛ فقد أثبتت الأيام أن العامل هو خط الدفاع الأول عن القلاع الصناعية واستقرار الدولة، وأن أي محاولة لفصل العمال عن تنظيمهم الرسمي هي محاولة لإضعاف الجبهة الداخلية للوطن.

كما أثبتت التجربة أهمية الحفاظ على قوة واستقلالية الاتحاد العام لنقابات عمال مصر باعتبارها ضرورة وطنية، لأن استمرار عجلة الإنتاج في دورانها هو الضمانة الوحيدة لحماية لقمة عيش العامل ومستقبل وطنه.

WhatsApp Image 2026-06-24 at 10.03.22 AM (3)

- انطلاقا من مسيرات "الزي الأزرق" وصولا إلى لحظة الحسم في يوليو 2013.. كيف تقيم دور التكامل بين الإرادة الشعبية ووانحياز الرئيس عبد الفتاح السيسى لمطالب المصريين؟

الحقيقة أن ما حدث في 30 يونيو كان تلاحما تاريخيا بين ثلاثة أضلاع؛ الشعب الذي رفض طمس هويته، والعمال الذين كانوا وقود الحراك في الميادين لحماية قلاعهم الصناعية، والمؤسسة العسكرية التي أثبتت أنها الدرع الحامي لهذه الإرادة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، بانحيازه الواضح والصريح لنداء الشعب في لحظة فارقة، لم ينقذ الدولة من الفوضى فحسب، بل أعاد للعمال والمنتجين الطمأنينة بأن هناك دولة مؤسسات قوية تقف خلفهم.

هذا الانحياز كان هو الضمانة التي منعت انزلاق البلاد نحو نفق مظلم كان سيؤدي حتما إلى انهيار الاقتصاد وتوقف الماكينات، ولولا هذا التكامل بين وعي الشعب وجسارة القرار لدى القيادة العامة للقوات المسلحة آنذاك، لما استطعنا اليوم التحدث عن خطط تطوير أو استرداد لأصول الاتحاد، فالبناء لا يكتمل إلا في وطن آمن ومستقر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة