كيف يمكن لتسعين دقيقة أن تفعل كل هذا فينا فى الناس والجمهور وتحرك عشرات الآلاف فى مصر بكل محافظاتها، وفى كندا وأمريكا، ويشاركنا العراقيون فرحتنا، ومن القدس لغزة ومن الضفة للأردن، ننسى الكثير من التناقضات ونعيش لحظات فرح غير مسبوقة بعد مباراة مصر ونيوزيلندا، عشنا ومعنا جمهور عريض فى كل أركان الكرة الأرضية مشاعر لم نختبرها منذ عام 1934، ويتسع الحلم مع الجمهور لينتقل إلى ما بعد دور الـ32، وربما دور الـ16، كل هذا فى تسعين دقيقة يركض فيها اللاعبون خلف كرة، يتنافسون وفيها يصنعون الهوية ويرفعون الأعلام ويصدحون بالأغانى، كرة القدم تملك قدرة فريدة على توحيد الجمهور فى لحظات الفرح، وتعكس التنافسية الإنسانية فى أبهى صورها، بالرغم مما أصاب اللعبة الأكثر شعبية من تسليع ورسملة، حولت اللاعبين إلى آلات، لإنتاج المال، يخافون من شيخوخة وهم فى عز الشباب، وكما يقول جاليانو «الاحتراف يحول اللاعبين إلى أدوات، ويجعلهم يعيشون الرعب من شيخوخة تبدأ فى الثلاثين»، وهو جدل ثار بعد أن أطلق صلاح تصريحا بأنه ضحى بشبابه، بينما لا يزال فى الثالثة الثلاثين.
نعود إلى مونديال 2026، حيث حقق منتخب مصر فوزا ثلاثيا على نيوزيلندا، يؤهله للصعود إلى دور الـ32، وهو متقدم المجموعة، ويلتقى إيران السبت المقبل، خلفه جمهور ظل يحتفل فى كل أركان الأرض طوال الأيام التى تلت الفوز، وهو أمر يضع مسؤولية ضخمة على عاتق فريق حسام حسن، الذى يحصل على فرصة انتظرها كثيرون لعقود، ومعه فريق يحتاج كله إلى فرحة، مثلما جمهور مصر ينتظر فرحة كبيرة تنسيه الكثير من السوابق، ومعروف أنه من الممكن أن تسلب المشجع أى حاجة حدثت قبل عقدين تقريبا، وقد عبر فيلم «واحد صفر» بعبقرية عن القضية، اختفت الصراعات والمشاحنات والصفقات، لحظات الفوز لم تنته لكنها تأجلت.
المونديال أكبر مهرجان ثقافى وسياسى على وجه الأرض تستعرض فيه الدول قوتها الناعمة وقدرتها التنظيمية أمام ما يقارب مليارى مشاهد، تذوب الفوارق العرقية والدينية لصالح الروح الرياضية، وإن كان لا يخلو أحيانا من الحسابات السياسية، وما زلت أتذكر فى عام 2010 عندما طرحت سؤالا: ماذا كان سيحدث إذا كان فريق مصر صعد إلى المونديال؟، ربما كانت أشياء تغيرت، الآن صعدنا وتقدمنا خطوات عما سبق فى روسيا، ورأينا فوزا ينسى معه المصريون أنفسهم ويرقصون ويحتفلون ويصرخون، وبعض التعصب مطلوب بدرجة ما فى الكرة، لأنه يعطيها طعمها المختلف عن شوربة الخضار، لكن زيادة الألتراسية تحول الكرة إلى حرب، توقع بين الشعوب وتفسد علاقات الأخوة، هذه المرة هناك آمال كبيرة مختزنة من عقود، وأحلام أن تصعد مصر إلى ما فوق الـ32 وربما أكبر، ليحقق اللاعبون حلما للجمهور ولأنفسهم، كل المحترفين من صلاح وزملائه ومعهم حسام فى حاجة إلى هذا الفوز الذى يعيد رسم خرائط الفرح ويضاعف من فرص المحترفين والفريق كله، حلم يجدد فى نفوس المصريين الرغبة فى التواجد بين كبار العالم وإثبات الهوية الكروية المصرية بشكل يتجاوز المحلية الضيقة التى لم تعد تحمل ملامح اعتدال، بل وتحمل صراعات ربما يكون الفوز للمنتخب إحدى علامات تجاوزها.
كل هذا فى تسعين دقيقة، تحمل فى بطنها كل هذا الفرح والأحلام، والكنوز، حتى لهؤلاء الذين لا تجذبهم الكرة المحلية بمشكلاتها المزمنة، بينما ينتظرون المونديال خاصة مع أمل يجدده أداء وفرص هذا العام الفاصل، بما يختزنه الزمن الذى لا يتعدى 90 دقيقة.