في الحادية عشرة من عمرها، كان من المفترض أن تنشغل آيات الأخرس بواجباتها المدرسية، وبألعابها الصغيرة، وبالأحلام البسيطة التي تراود الأطفال في مثل سنها، كان يجب أن يكون أكبر همومها امتحانا دراسيا أو لعبة فقدتها بين أصدقائها، لكن الحياة اختارت لها طريقا آخر امتلأ بالألم والخوف والمستشفيات والتقارير الطبية، حتى أصبحت طفولتها رهينة لمعركة يومية لا تعرف متى تنتهي.
تجلس آيات بهدوء يفوق عمرها بكثير، تحمل في ملامحها الصغيرة إرهاق سنوات طويلة من المرض، عيناها لا تزالان تحتفظان ببريق الطفولة، لكن خلف ذلك البريق تختبئ حكاية موجعة لطفلة لم تعرف من طفولتها سوى الانتظار، انتظار موعد طبي جديد، أو نتيجة فحص، أو بارقة أمل تخبرها أن الغد قد يكون أقل ألما من اليوم.
آيات الأخرس
منذ سنوات، بدأت رحلة آيات مع المرض، لم تكن تعلم أن جسدها الصغير يخوض معركة صعبة مع حالة مرضية معقدة تعرف بالمثانة العصبية، وهي مشكلة أثرت بشكل مباشر على قدرتها على التبول بصورة طبيعية، ومع مرور الوقت، تحول الأمر إلى معاناة يومية قاسية، إذ أصبحت تعاني من احتباس البول بشكل متكرر، وما يصاحبه من آلام مرهقة والتهابات بولية مزمنة لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد.
لم يكن الألم الجسدي وحده ما يثقل كاهل الطفلة، فكل زيارة إلى الطبيب كانت تحمل معها قلقا جديدا، وكل فحص طبي كان يفتح بابا آخر من المخاوف، ومع استمرار المرض وانهيار المستشفيات داخل غزة بسبب الحرب الإسرائيلية، بدأ البول يرتد إلى الحالبين والكليتين، لتدخل آيات مرحلة أكثر خطورة من رحلتها العلاجية.
معاناة آيات الأخرس
أظهرت الفحوصات أن الارتجاع البولي وصل إلى الدرجة الثالثة في الجهة اليسرى، ما تسبب في توسع الكلية اليسرى وتعريضها لخطر التدهور التدريجي، ومنذ ذلك الحين، أصبحت كلمة "الكلى" مصدر خوف دائم للأسرة، فكل يوم يمر دون علاج مناسب قد يعني فقدان جزء من وظائفها، وكل تأخير قد يحمل معه ضررا يصعب إصلاحه لاحقا، لكن هذه ليست المعركة الصحية الوحيدة التي خاضتها آيات في حياتها القصيرة.

التقرير الطبي للطفلة آيات الأخرس
منذ ولادتها، واجهت الطفلة تحديا آخر عندما اكتشف الأطباء وجود ثقب في قلبها في عمر كان يفترض أن تكون فيه بين أحضان أمها فقط، وجدت نفسها في مواجهة غرف العمليات والأجهزة الطبية، وخضعت لعملية جراحية دقيقة لعلاج المشكلة، لتنجو منها، لكنها خرجت من تلك التجربة محملة ببداية رحلة طويلة مع المعاناة الصحية.
كبرت آيات، لكن المرض كبر معها أيضا، وفي الوقت الذي كان الأطفال من حولها يخططون لرحلاتهم المدرسية أو يحتفلون بأعياد ميلادهم، كانت هي تتنقل بين العيادات الطبية والمستشفيات، تعلمت أسماء أمراض معقدة قبل أن تتعلم الكثير من الأشياء التي تناسب عمرها، وحفظت تفاصيل التحاليل والأدوية والتعليمات الطبية أكثر مما حفظت قصص الأطفال وحكاياتهم.
اليوم، يقف الأطباء داخل القطاع أمام حالة آيات بقلق متزايد، فالتقارير الطبية تحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد الكليتين بشكل مباشر، ومع كل التهاب جديد، ومع كل يوم يتأخر فيه العلاج، تتراجع فرص الحفاظ على وظائف الكلى بصورة كاملة، ولهذا أكد الفريق الطبي الخاص بحالتها، بضرورة إخضاعها لعلاج تخصصي متقدم، يتضمن إجراء تحفيز العصب الظنبوبي الخلفي، وهو علاج قد يساعد على تحسين وظيفة المثانة والحد من التدهور المستمر الذي يهدد الكليتين، لكن هذا النوع من العلاج يحتاج إلى إمكانات طبية متخصصة لا تتوافر في الظروف الحالية التي يعيشها القطاع بسبب الحرب.
أمام هذا الواقع، لم يعد طلب السفر للعلاج مجرد خيار طبي، بل أصبح ضرورة إنسانية عاجلة، فآيات الأخرس لا تحتاج إلى رحلة أو فرصة أفضل للحياة فحسب، بل تحتاج إلى فرصة للنجاة نفسها، وأن تصل إلى مكان يمكنه أن يمنحها العلاج قبل أن يفوت الأوان.

التحويلة الطبية لآيات الأخرس
ورغم كل ما مرت به، لا تزال الطفلة تحتفظ بأحلام بسيطة تشبه أحلام أي طفلة في عمرها، تحلم بأن تذهب إلى المدرسة دون ألم، وتنام ليلة كاملة دون أن توقظها المعاناة، وتستيقظ يوما دون زيارة لطبيب أو موعد لفحص جديد، تحلم بأن تعيش طفولة عادية، تلك الطفولة التي تبدو بالنسبة لكثيرين أمرا بديهيا، لكنها بالنسبة لآيات حلم كبير وبعيد، وفي كل يوم يمر، تواصل معركتها الصامتة، تقاوم المرض بإرادة طفلة صغيرة وقلب أنهكته التجارب مبكرا.
وتتحدث والدة الطفلة آيات الأخرس وهي تستعيد رحلة طويلة من المعاناة لم تعرف خلالها سوى الانتظار والقلق، قائلة إن ابنتها لم تعرف يوما معنى الطفولة الطبيعية، فحياتها تحولت إلى سلسلة من المواعيد الطبية والآلام المتواصلة التي تزداد يوما بعد آخر.
وتروي والدة آيات تفاصيل الحالة الصحية المعقدة لابنتها، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، قائلة: "تعاني آيات من ارتجاع البول، وقد أخبرنا الأطباء أن حالتها صعبة وتستلزم تدخلا جراحيا، بل إن بعضهم أشار إلى حاجتها لاستئصال الحالب نتيجة المضاعفات التي تعاني منها، وللأسف، لا تتوافر في غزة الإمكانات الطبية اللازمة لعلاج حالتها بشكل كامل، حيث تتلقى العلاج حاليا في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، إلا أن الأطباء أكدوا أن علاجها يتطلب السفر إلى الخارج للحصول على الرعاية الطبية المناسبة".
وتضيف الأم أن ابنتها حصلت على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع منذ أكثر من عام ونصف العام، لكنها لم تتمكن من السفر حتى الآن، قائلة: "ننتظر منذ عام ونصف العام، وحالة آيات تتدهور يوما بعد يوم، إنها تتألم كثيرا، وفي أحيان كثيرة تعجز عن النوم من شدة الألم، أشاهد ابنتي تضعف أمام عيني يوما بعد آخر، ولا أملك القدرة على مساعدتها".
الأم تفقد ابنها سعيد بسبب المرض
لكن مأساة الأم لا تقتصر على معاناة آيات وحدها، إذ فقدت قبل عامين طفلها الصغير سعيد، الذي كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف السنة، بعد رحلة مؤلمة من المرض وانتظار العلاج، وتستعيد تلك الذكريات القاسية: "فقدت ابني سعيد قبل عامين، أصيب بالتهاب كبدي حاد، وكان بحاجة ماسة إلى السفر بشكل عاجل لإجراء عملية زراعة كبد، سعيت بكل ما أملك وطرقت جميع الأبواب طلبا للمساعدة، لكنني لم أجد من يقف إلى جانبي، ولم يتمكن ابني من السفر للعلاج، كنت أراه يذبل أمامي يوما بعد يوم حتى فقدته. لقد توفي سعيد لأنه لم يحصل على فرصة العلاج التي كان يحتاجها".

الشهيد سعيد الأخرس شقيق آيات
وتؤكد الأم أن أكثر ما يخيفها اليوم هو تكرار المأساة نفسها مع ابنتها آيات، مضيفة: "لا أخشى على نفسي بقدر خوفي من أن أفقد ابنتي كما فقدت شقيقها، كلما تذكرت سعيد ازداد خوفي على آيات، فالوقت يمضي وحالتها الصحية لا تحتمل مزيداً من التأخير".

الشهيد سعيد الأخرس
حياة صعبة داخل الخيام
ولا تقتصر معاناة الأسرة على المرض فحسب، بل تمتد إلى الظروف المعيشية القاسية التي تعيشها داخل خيمة نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مضيفة: "الحياة في غزة أصبحت شديدة القسوة، نقضي ساعات طويلة في انتظار الحصول على المياه، وساعات أخرى في طوابير الطعام من أجل تأمين لقمة العيش، أما الخيمة فتكاد تتحول إلى فرن من شدة الحرارة، ولا توجد أي وسيلة تخفف عنا هذا الواقع الصعب".
وتتابع: "آيات تعاني أيضا من مرض في القلب، ولا تستطيع تحمل هذه الظروف القاسية، فالحرارة المرتفعة داخل الخيام ترهقها، كما يؤثر عليها الدخان والغبار بشكل كبير، وحتى النوم أصبح معاناة يومية بالنسبة لها، يضاف إلى ذلك انتشار الحشرات والقوارض داخل الخيام، وهو ما يجعل الحياة أكثر صعوبة، خاصة لطفلة مريضة تحتاج إلى رعاية صحية خاصة".
وتقول الأم: "كل ما أتمناه هو أن تتمكن آيات من السفر لتلقي العلاج قبل أن يتكرر معها ما حدث لشقيقها سعيد، أريد فقط أن أراها تتعافى وتعيش طفولتها مثل سائر الأطفال، ابنتي لا تطلب شيئا مستحيلا، بل تطلب حقها في العلاج وفرصة للحياة قبل فوات الأوان".