على مدار السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، لم تتوقف محاولات الإخوان الإرهابية لاستهداف الدولة المصرية، إلا أن أدوات المواجهة اختلفت بتغير الظروف، فبعد أن نجحت الدولة في دحر الإرهاب المسلح وتفكيك بنيته التنظيمية وملاحقة عناصره المتطرفة، انتقلت الجماعة إلى نمط جديد من الاستهداف يعتمد على الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإعلامية التابعة لها في الخارج، فيما بات يعرف بـ"الإرهاب الرقمي"، الذي يركز بشكل أساسي على نشر الشائعات الاقتصادية وبث رسائل الإحباط والتشكيك في قدرة الدولة على إدارة الملفات الاقتصادية والتنموية.
استغلال الأزمات العالمية
وتعتمد الجماعة في هذا المسار على استغلال أي أزمة عالمية أو تحد اقتصادي يواجه الدولة المصرية، لتقديمه بصورة مضخمة أو مشوهة، بهدف إثارة القلق بين المواطنين وإضعاف الثقة في المؤسسات الاقتصادية، وتعمل المنصات التابعة لها، التي تدار من الخارج، على إعادة تدوير الشائعات بشكل يومي، سواء فيما يتعلق بأسعار السلع أو سعر صرف العملة أو المشروعات القومية أو أوضاع الاستثمار، في محاولة لصناعة حالة من التشاؤم وفقدان الثقة لدى الرأي العام.

الإخوان
ولا تعد هذه الأساليب جديدة على الجماعة، حيث يكشف الرجوع إلى أرشيف الأحداث منذ ثورة 30 يونيو أن الإخوان اعتمدوا النهج ذاته في التعامل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية، فخلال الأيام التي أعقبت خروج ملايين المصريين إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء حكم التنظيم، روجت المنصات الإخوانية آنذاك عشرات الادعاءات حول انهيار مؤسسات الدولة وتوقف الخدمات الأساسية وانهيار الاقتصاد وهروب الاستثمارات، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، واستطاعت الدولة تجاوز تلك المرحلة والانطلاق في تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي ومشروعات تنموية غير مسبوقة.
كما سعت الجماعة خلال السنوات التالية إلى نشر شائعات متكررة حول الاحتياطي النقدي، ومعدلات النمو، ومشروعات البنية التحتية، والقطاع المصرفي، بل ووصل الأمر إلى الترويج لمعلومات غير صحيحة بشأن إفلاس الدولة أو عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية. ومع مرور الوقت، كانت هذه المزاعم تتهاوى أمام الأرقام الرسمية والمؤشرات الاقتصادية التي أكدت قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام تحديات إقليمية ودولية معقدة.
أرشيف من الشائعات المتكررة
ولم تكن الشائعات الاقتصادية التي تبث اليوم ظاهرة جديدة، بل تمثل امتدادا لحملات متواصلة شهدتها مصر منذ ثورة 30 يونيو 2013، فعلى مدار أكثر من عقد، تداولت المنصات المحسوبة على الإخوان ومؤيدوها عشرات الادعاءات التي استهدفت إثارة القلق بشأن الاقتصاد المصري ومؤسسات الدولة، إلا أن معظمها سقط أمام الحقائق والوقائع.
ومن أبرز تلك الشائعات ما تردد في أكثر من مناسبة بشأن إفلاس البنوك المصرية أو تعرض القطاع المصرفي للانهيار، خاصة خلال فترات تحرير سعر الصرف أو الأزمات الاقتصادية العالمية، إلا أن البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية والمؤسسات المالية الدولية أظهرت استمرار القطاع المصرفي المصري في تحقيق معدلات ملاءة وسيولة مرتفعة، وقدرته على الوفاء بالتزاماته، بجانب نجاحه في تجاوز أزمات اقتصادية عالمية وإقليمية متلاحقة دون اضطرابات جوهرية.

الإخوان
كما روجت منصات معارضة مزاعم متكررة حول بيع قناة السويس أو التنازل عنها لصالح جهات أجنبية، خاصة عقب مناقشة بعض التشريعات المرتبطة بالهيئة الاقتصادية للقناة أو صندوق هيئة قناة السويس، غير أن الحكومة المصرية وهيئة قناة السويس أكدت مرارا أن القناة مرفق سيادي مملوك للدولة المصرية ولا يجوز بيعه أو التنازل عنه، وما أُثير في هذا الشأن لا يستند إلى وقائع قانونية أو دستورية.
ومن بين الشائعات التي أثارت جدلا واسعا كذلك الادعاءات المتعلقة ببيع الآثار المصرية أو تهريبها للخارج، وخلال السنوات الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار وصور جرى تداولها باعتبارها دليلا على بيع أو نقل آثار مصرية، إلا أن وزارة السياحة والآثار كانت تخرج بشكل متكرر لتوضيح الحقائق، مؤكدة أن العديد من تلك الأخبار اعتمدت على معلومات مجتزأة أو غير صحيحة، وأن عمليات نقل بعض القطع الأثرية كانت تتم في إطار مشروعات تطوير المتاحف أو المعارض الدولية المؤقتة التي تخضع لإجراءات قانونية ورقابية صارمة.
كما شملت الشائعات المتداولة منذ عام 2013 مزاعم بشأن نفاد الاحتياطي النقدي الأجنبي، أو عجز الدولة عن سداد ديونها والتزاماتها الدولية، أو إلغاء الدعم بشكل كامل بصورة مفاجئة، أو توقف المشروعات القومية بسبب نقص التمويل، ورغم أن الاقتصاد المصري واجه تحديات حقيقية خلال السنوات الماضية نتيجة ظروف دولية وإقليمية معقدة، فإن كثيرا من هذه الادعاءات قدمت بصورة تهويلية هدفت إلى إظهار الدولة وكأنها على وشك الانهيار الاقتصادي، بينما استمرت مؤسسات الدولة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، وتطوير شبكات الطرق والطاقة والإسكان، وجذب استثمارات جديدة.
شائعة اختفاء السلع الأساسية
كذلك تداولت منصات مرتبطة بالجماعة شائعات متكررة حول اختفاء السلع الأساسية أو تجميد أموال المودعين في البنوك أو إلغاء المعاشات والدعم النقدي، وهي مزاعم أثارت مخاوف لدى بعض المواطنين في أوقات مختلفة، لكن الوقائع أثبتت عدم صحتها، إذ واصلت الدولة تنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والتوسع فيها، كما استمرت البنوك في تقديم خدماتها بصورة طبيعية.
القاسم المشترك بين هذه الشائعات هو استهداف الثقة في مؤسسات الدولة وإثارة حالة من القلق العام، عبر الترويج لسيناريوهات كارثية لا تستند إلى أدلة موثقة، كما أن مراجعة أرشيف الشائعات منذ 30 يونيو 2013 تكشف أن كثيرا من الادعاءات التي روج لها باعتبارها حقائق مؤكدة لم تتحقق، ما يعزز أهمية التحقق من المعلومات والاعتماد على المصادر الرسمية والبيانات الموثقة عند تناول القضايا الاقتصادية ذات التأثير المباشر على حياة المواطنين.
الهدف الأساسي من الشائعات الاقتصادية لا يقتصر على التشكيك في أداء الحكومة، وإنما يتجاوز ذلك إلى محاولة التأثير على الحالة النفسية للمواطنين، وإثارة المخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي، بما ينعكس على قرارات الاستهلاك والاستثمار والإنتاج، فالحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السلاح التقليدي، بل أصبحت المعلومات المضللة والشائعات أحد أخطر أدوات التأثير على المجتمعات والدول.
وتكشف متابعة المحتوى الذي تبثه المنصات المحسوبة على الجماعة وجود نمط متكرر يقوم على اجتزاء المعلومات وإخراجها من سياقها أو الاعتماد على مصادر غير موثقة، ثم إعادة نشرها بصورة مكثفة عبر شبكة من الحسابات والصفحات الإلكترونية، بهدف منحها قدرا من الانتشار والمصداقية الزائفة، غير أن سرعة تداول المعلومات اليوم يقابلها أيضا ارتفاع مستوى الوعي لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وقدرتهم على التحقق من الأخبار ومقارنتها بالوقائع الفعلية.
وخلال السنوات الأخيرة، لعبت المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام الوطنية دورا مهما في مواجهة الشائعات من خلال تقديم المعلومات الدقيقة والرد السريع على الأخبار المغلوطة، إلى جانب إطلاق مبادرات تستهدف رفع الوعي المجتمعي بمخاطر المعلومات المضللة وآليات التحقق منها، ومع استمرار التحديات الاقتصادية العالمية الناتجة عن الأزمات الدولية وتقلبات الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد، تبقى الشفافية وتوفير المعلومات الدقيقة من أهم أدوات مواجهة الشائعات، كما يبقى وعي المواطن المصري خط الدفاع الأول ضد محاولات التلاعب بالرأي العام أو استغلال الظروف الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية.