<< كنت أكتب أسماء أطفالي على أيديهم خوفا من أن نصبح أرقاما مجهولة تحت الركام
<< الليل في غزة كان أكثر اللحظات رعبا والموت ينام بجوارنا
<< كنت أخاف أن أكون مفقود أو مجهول أو يتم تعبئتي في كيس مكتوب عليه 70 كيلو
<< وقفت فوق ركام منزلي أبحث بين الرماد عن بقايا لوحاتي
<< استشهدت جدتي خلال الحرب ولم يكن هناك وقتا للوداع أو لمراسم دفن أو للحزن
<< أصعب ما عشته أن يطلب أطفالي رغيف خبز ولا أستطيع توفيره رغم أن المال كان في يدي
<< الحرب حولتني من فنانة تبحث عن الجمال إلى شاهدة على الإبادة
<< كنت أخبر أطفالي ألا يخافوا بينما كنت أرتجف من الداخل
<< المجاعة كانت أقسى من النزوح لأن الجوع يكسر الروح قبل الجسد
ليست كل الحروب تُخلف أنقاضا تُرى بالعين، فبعضها يترك خرابا أعمق، يسكن الروح ويستوطن الذاكرة ويعيد تشكيل الإنسان من الداخل، هناك حروب لا تسرق البيوت وحدها، بل تنتزع من أصحابها ملامحهم القديمة، وتتركهم في مواجهة أسئلة قاسية عن الفقد والنجاة والمعنى، وحين يصبح الموت احتمالا يوميا، تتحول التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عادية إلى أحلام بعيدة، مثل سقف آمن، رغيف خبز، نوم هادئ، ولوحة لم تكتمل.
وسط هذا الخراب الممتد، تصبح الفنون إحدى أكثر الشهادات الإنسانية صدقا، لأنها لا توثق الحدث فقط، بل تحفظ ارتجافة القلب لحظة الخوف، وملامح الوجع حين يعجز الكلام عن حمله، الفن هنا لا يكون ترفا، بل ضرورة وجودية، وطريقة للبقاء، ومقاومة صامتة في وجه المحو.
من بين هذا الركام الإنساني الكبير، تبرز تجربة الفنانة الفلسطينية ميساء يوسف، ابنة غزة، وجهها يشبه ملامح أهل القطاع الطيبين الصامدين، قصتها واحدة من الحكايات التي تختصر مأساة هذا المكان بكل تناقضاته، الألم والصمود، الفقد والنجاة، الموت والحياة، لم تكن الحرب بالنسبة إليها خبرا عابرا أو مشهدا من بعيد، بل اقتحمت تفاصيل يومها، وكسرت استقرار بيتها، وابتلعت مرسمها، وسلبتها جزءا من أرشيفها الفني الذي راكمته عبر سنوات طويلة من البحث والتجريب، بما فيه معرضها الشخصي الأول "أليس في فلسطين"، ذلك المشروع الذي كان يستعد للخروج إلى العالم قبل أن يوقفه العدوان على أبواب الحلم.
بين لحظة وأخرى، وجدت ميساء نفسها لا تدافع عن فنها فقط، بل عن حياتها وحياة أطفالها، وحقهم في النجاة من موت بدا أقرب من أي وقت مضى، أم تكتب أسماء أطفالها على أيديهم خشية أن يتحولوا إلى أجساد بلا ملامح، وفنانة تقف فوق أنقاض منزلها لتبحث بين الرماد عن بقايا لوحاتها، وعن أجزاء من روحها التي كانت معلقة على الجدران.
حوارنا مع ميساء يوسف، والتي جابت لوحاتها معارض العديد من دول العالم، يمثل شهادة إنسانية مكتملة عن معنى أن يعيش الإنسان تحت القصف، ويحاول رغم كل شيء أن يصنع من الألم أثرا، ومن الفقد ذاكرة، ومن الرماد لونا جديدا للحياة، الفنانة الفلسطينية تروى خلال حديثنا معها كيف يمكن للفن أن يصبح وطنا مؤقتا حين تضيق الأرض، وتتحول اللوحة إلى وثيقة نجاة، وصرخة تحفظ الحقيقة للأجيال القادمة، في زمن يحاول فيه الموت أن يبتلع كل شيء، إلى نص الحوار ..

الفنانة ميساء يوسف
حدثينا في البداية عن نفسك؟
أنا ميساء يوسف فنانة تشكيلية فلسطينية معاصرة، حاصلة على بكالوريوس تصوير من كلية الفنون الجميلة في جامعة الأقصى عام 2010 وأيضا بكالوريوس تمريض 2005 ، وُلدت في غزة عام 1984 ونشأت في بيئة مليئة بالتحديات والحكايات والقوة والآن أعيش مع أسرتي في وسط غزة وبالتحديد دير البلح.
احكى عن تجربتك كفنانة مع الحرب في غزة؟
تجربتي مع الحرب لم تكن فقط كفنانة، بل كإنسانة تعيش داخل الألم نفسه الذي تحاول أن ترسمه، فالفن لم يعد ترفا أو ممارسة جمالية، بل أصبح وسيلة للبقاء، للصمود، ولحفظ ما يتلاشى من الذاكرة تحت القصف، كنت أشعر حقيقة بمسؤولية كبيرة اتجاه نفسي كفنان يحمل رسالة واتجاه أسرتي كأم تحمل وجهك وتخفف عنهم.

لوحة ابداعية للفنانة ميساء يوسف
ما الذي يمثله الفن لكِ؟
الفن بالنسبة لي هو طوق النجاة الذي أنقذني من التشتت وفقدان إنسانيتي وأيضا كنت أنا الحضن الدافئ الذي احتوي كل الأطفال النازحين في بيتي تحديدا وفي منطقتي بشكل عام، ساعدنا الفن على إعادة ترتيب ذاتنا والتخلص من الفوضى التي تركتها الحرب في نفوسنا، كان الفن خلال العدوان لا يقل أهمية عن الطعام والشراب، لوحتى الصغيرة كانت مساحة الأمان المفقود التي بحثت عنها طوال فترة الحرب ولا زلت أعتبرها الجزء الأهم في حياتي .
لكن كيف مثل الفن لكِ وسيلة للبقاء؟
الفن بالنسبة إلي لم يكن رفاهية، بل بالفعل كان وسيلة للبقاء وطوق للنجاة لفهم نفسي، وللتعبير عن واقع لا تصفه الكلمات، لأننى أؤمن أن كل إنسان يحمل قصة، وأنا أحاول من خلال عملي أن أكون صوتا لتلك القصص التي لا تُسمع.

إحدى أعمال الفنانة ميساء يوسف خلال الحرب
كيف كان تأثير الحرب عليكِ وعلى عائلتك؟
في السابع من أكتوبر توقفت ساعة الحياة عند السادسة والنصف صباحا، وانقلبت حياتنا رأسا على عقب ولم تعد كما كانت حتى بعد وقف إطلاق النار، الحرب كسرت الكثير من تفاصيل الحياة اليومية الجميلة التي كنا نعيشها، فالخوف، والقلق المستمر، وفقدان الأمان، والشعور الدائم بالموت الذي يحيط بنا كلها تسللت إلى داخل نفوسنا وتركت أثر عميق يصعب محوه، كأم، كان أصعب ما أعيشه هو محاولة طمأنة أطفالي وأنا نفسي أبحث عن الطمأنينة، وفقدنا الكثير ممن نحب ومن كانوا شريان حياتنا حتى الأماكن لم تعد موجودة إلا في ثنايا الذاكرة المثقلة بأعباء الحياة.
ماذا عن تأثير الحرب عليكِ كفنانة؟
كفنانة كنت أتمنى أن أجلس لو لحظات بين جدران مرسمى عالمي الخاص بهدوء وأمان وأفكر بعمق في لوحتى التي تنتظرني، لكن بيتي تحول لمأوي للنازحين طوال فترة الحرب، كنت أتمنى أن أجتمع مع عائلتي في مكان واحد أنا وزوجي وأطفالي نتحدث ونضحك ونغني ولكن فرقت الحرب دروبنا وتشتتنا خلال نزوحنا من مكان لآخر عندما توقفت الحرب نظرت إلى أطفالي فوجدتهم كبار لم يعودوا أطفال صغار ثلاث سنوات من الخوف والقهر والفقد، ثلاث سنوات من حمل أعباء أكبر من سنهم وأيديهم الصغيرة كالبحث عن الماء الصحي، والوقوف في طابور التكيات، والبحث عن الخبز ، كل هذا أفقدهم طفولتهم وأصبحوا أكبر سنا.

لوحة عن المساعدات لغزة لميساء يوسف
ما هي أصعب المشاهد واللحظات عليكِ خلال الحرب؟
أصعب اللحظات هي الليل وما يحمله من رعب، فكنا ننام بجانب بعضنا يمسك كل منا يد الآخر ومع كل صاروخ نضغط على أيدينا بشدة لدرجة أننا نستيقظ في الصباح بآلام في الرقبة والأيدي من شدة الضغط والتشنجات في العضلات، كنت لا أغفو وأخاف أن لا أنام ولا أصحو من نومي، كنت أقف بقوة أمام أطفالي وأنا منهارة من الداخل أوصيهم بعدم الخوف وأنا خائفة ويداي ترتجف وأنا أكتب أسماؤهم على أيديهم حتى لو تم قصفنا أو تقطعنا الأشلاء يتم التعرف علينا، كنت أخاف أن أكون مفقود أو مجهول أو يتم تعبئتي في كيس مكتوب عليه 70 كيلو، كانت أصعب اللحظات عندما يطلب أطفالي رغيف خبز ولا أجد وأنا أملك المال لكن لا شيء في الأسواق لأشتري، كانت كل لحظة في الحرب قاسية وتحمل الوداع المفاجئ لمن نحب لقد فقدت الكثير من الناس من حولي، وفي كل مرة أشعر أني أنا التالي، هناك مشاهد لا تُنسى، تبقى محفورة في الذاكرة إلى الأبد ، وكلمات يقولها الأطفال في مرسمى تحمل وجع وألم كبير في مرسمي حيث العلاج بالفن والتفريغ النفسي يتحدث الأطفال عن تجاربهم ورحلة نزوحهم والصدمات التي تعرضوا لها ولحظات الرعب والنجاة والانتشال من تحت الأنقاض.
كيف كانت تجربة النزوح؟
النزوح تجربة قاسية للغاية، فيها شعور دائم بالاقتلاع وعدم الاستقرار، أن تغادر بيتك دون أن تعرف إن كنت ستعود إليه، هو جرح مفتوح، لم أفكر به ولم أره يوما حتى في مخيلتي، كنت أسمع عن النزوح وعن النكبة فقط في قصص الأجداد القديمة، كنت أقرأ عنه في الكتب، لكنني عشته وشعرت به وما كان يؤلمني أكثر أن أطفالي أيضا عاشوه وهم لم يسمعوا به من قبل، فبيتي قريب من شارع صلاح الدين الذي يمتد من شمال غزة إلى جنوبه كان ممرا لكل النازحين، عندما كنت أرى الشاحنات والعربات والسيارات تنقل النازحين إلى الجنوب كنت أشعر بألم يعتصر قلبي وأبكي بشدة حتى جاءت هذه اللحظة التى نظرت فيها لكل ركن في بيتي وقلت "اللهم أني استودعك بيتي"، في تلك اللحظة خرجت من بيتي وكأن روحي خرجت من جسدي لم أحمل معي أي شيء ولم أكن أعلم أين الأمان وأين سأذهب وقد كانت المرة الثالثة التي أخرج بها من بيتي ولم تكن الأخيرة.

الفنانة ميساء يوسف خلال رسمها لإحدى اللوحات
كم مرة نزحتِ خلال الحرب؟
تعرضت للنزوح أربع مرات وكانت منطقتي في كل الأوقات هي منطقة حمراء.
ما النزوح الأصعب من المرات الأربعة؟
النزوح الأول كان الأصعب، حيث دخل الجيش الإسرائيلي منطقتي دخول بري وقررت في لحظة الصفر الهرب من المنزل أنا وعائلتي تحت إطلاق النار وقذائف الدبابات، عندما قررنا الخروج من المنزل ودعنا بعضنا الوداع الأخير، كنت متأكدة أننا سنموت ولن ننجو من الرصاصات الطائشة في كل مكان، هربنا إلى منطقة أخرى وبكينا بشدة، لقد خرجنا من قبضة الموت بأعجوبة، وكذلك في النزوح الثاني وكذلك في النزوح الثالث حيث فقدت بيتي، أما النزوح الرابع فقد كان في فترة المجاعة ورفضت الخروج من المنزل، لقد كانت أجسادنا ضعيفة لا تقوى حتى على المشي أو التحرك، وبقينا تحت القصف لأيام ونجونا بأعجوبة أيضا بعد قصف معظم البيوت حول بيتنا ونحن متواجدون كنا نرى الموت في كل لحظة ونبتسم عندما ننجو.
كيف كانت تجربة التجويع عليك وعلى أسرتك؟
لم يكن وحده النزوح صعبا بل كانت حرب التجويع هي أقسى ما عشته في الحرب، وأصعب التجارب، عشنا نقصا حادا في الغذاء والماء الصحي وحصار دام لأيام بلا طعام، التجويع ليس فقط جسديا، بل هو أيضا كسر للكرامة الإنسانية، وتجربة مؤلمة جدا، لقد كانت تسليم المساعدات الأمريكية في ذلك الوقت هو الموت بحد ذاته، كانت المساعدات تلقى من السماء، تقرر بطوننا بينما ننظر إلى المناطيد المعلقة في السماء، كانت تلقى في أماكن محددة لكن الوصول إليها يستغرق وقتا طويلا ومشي لمسافات بعيدة، كانت تقتل المواطنين أحيانا وتحطم الخيام أحيانا أخرى وتنزل في أماكن محظورة وخطرة أيضا.

لوحة تعبر عن مجازر الحرب للفنانة ميساء يوسف
من أبرز من فقدتيهم خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع؟
الفقد حاضر في حياتنا جميعا خلال الحرب، وكل خسارة تترك أثرا لا يُمحى في القلب، لقد فقدت أنا وزوجي وأطفالي كما ذكرت جميع أصدقائنا، وجيراننا، والكثير من أفراد عائلاتنا خاصة جدتي الحنونة التى كانت نازحة في منزلي قبل قصفه ولم يكن هناك وقتا للوداع أو لمراسم دفن أو للحزن، فقط تحزن من بعيد وتكمل يومك بمزيد من الألم والمعاناة.

الفنانة ميساء يوسف ترسم داخل تحت الأنقاض
برأيك كيف استطاعت المرأة الفلسطينية من الصمود ضد آلة القتل الإسرائيلية منذ النكبة؟
المرأة الفلسطينية هي أيقونة الصمود والتفاح لا تقل أهمية عن الأيقونات الفلسطينية كالكوفية ومفتاح العودة وحمامة السلام، استطاعت المرأة الصمود منذ النكبة لأنها كانت دائما العمود الأساسي للعائلة والمجتمع، حملت مسؤولية الحفاظ على البيت والهوية والذاكرة، رغم التهجير والفقد والحروب المتكررة، فهي لم تكن فقط شاهدة على المعاناة، بل كانت شريكة حقيقية في مواجهة الألم وتحويله إلى قوة للحياة والاستمرار، فهي الأم التي تحمي أبنائها، والمعلمة التي تحفظ الرواية الفلسطينية، والفنانة والكاتبة التي توثق الحقيقة، والإنسانة التي تواصل بناء الحياة رغم كل محاولات الكسر، وقوتها جاءت من إيمانها العميق بحقها في الأرض والحياة والكرامة، وقدرتها على تحويل الحزن إلى صمود والألم إلى رسالة أمل للأجيال القادمة.
هل فقدتِ شيئا من مقتنياتك الثقافية ولوحاتك خلال الحرب؟
نعم، فقدت جزءا مهما من أرشيفي الفني ولوحات كنت أعتبرها جزءا من روحي، بالإضافة إلى معرضي الشخصي الأول "أليس في فلسطين" المقتبس من قصة "أليس في بلاد العجائب" وهو 20 لوحة كان من المخطط نقل المعرض إلى أمريكا في نهاية العام، ولكن السابع من أكتوبر كان له رأي آخر، هذا الفقد ليس ماديا فقط، بل هو فقد لذاكرة وتاريخ شخصي وسنوات من حياتي في التجريب والابتكار والبحث.

مجلة أليس في فلسطين
كيف مارستِ فنك خلال العدوان رغم النزوح والتدمير الشديد؟
عندما فقدت منزلي وكل ما أملك وخاصة مرسمي الذي تدمر بالكامل شعرت للحظات بالحزن واليأس، حيث فقدت كل شيء والحرب الشرسة ما زالت مستمرة، أن تعيد بناء ما فقدت هو شبه مستحيل في ظل الإبادة الجماعية التي تعرضنا لها وما زلنا نعيشها، وقفت على ركام بيتي وقد كانت تحت قدماي آثار ممتلكاتي التى احترقت وتبخرت بالكامل بفعل القذائف الحارقة، كنت أقف بقوة لم أشعر بها من قبل.
هل كان لأسرتك دورا في دعمك؟
نعم.. لقد اجتمعت عائلتي حولي زوجي وأطفالي فشعرت بسعادة لا مثيل لها فقد كانت أولويتنا في الحب هي النجاة ليس أكثر ، أن ننجو كان هو الإنجاز العظيم، وقد كان لدي إصرارا كبيرا على أن استمر في حياتي وعطائي وفني وحبي للأطفال رغم الدمار، تنفست بعمق رغم رائحة الحريق التي ملأت المكان وقلت "الحمد لله على سلامتنا لقد نجونا".
لكن كيف رسمتِ لوحاتك في ظل فقدان أدوات الرسم؟
كنت أرسم بما استطعت جمعه من الركام قلم رصاص، قطع فحم من مواد محترقة، بقايا لوحات وورق، بقايا ملابس بالية، كل ما وجدته كان يحمل ذكرى علي أن أخلده للأبد في أعمالي الفنية، فقد كنت أعشق البحث والتجريب واكتشاف الخامات المختلفة، فالفن كان طريقتي في مقاومة الانهيار، وفي منح نفسي وأطفالي مساحة للتنفس وسط كل هذا الدمار، كنت أمام خياران إما الاستسلام والانهيار أو المضي قدما والبدء من جديد وكان الخيار الثاني هو ما صممت عليه وتحديت كل العوائق والعقبات.

لوحة تشكيلية لميساء يوسف
كيف حاولت على أن تعبر لوحاتك الفنية عن حجم المعاناة؟
ركزت على التفاصيل الإنسانية، العيون، الأيدي، الجسد المنهك، حاولت أن أجعل اللوحة تنطق بما لا تستطيع الكلمات قوله، فمنذ بداية مشواري الفني وأنا أرسم عن معاناة الشعب الفلسطيني "النكبة، الأسرى، الحصار، الاحتلال، الاستيطان، جدار الفصل العنصري، وحقي كمواطن في وطن، حرية، سلام، استقرار، سفر، علاج بالخارج "، لم تكن المعاناة في الحرب فقط بل منذ أن ولدت وولد والداي، إنه احتلال وحصار خانق وأيضا حروب متتالية، كانت هذه الحرب أقسى شيء عشناه، لكن المعاناة كانت من الأساس موجودة وزادت خلال الحرب المدمرة على غزة.
ما أبرز اللوحات التي رسمتيها خلال الحرب وعبرت عن حجم المأساه؟
شاركت في معرض بينالي غزة الذي امتد لعدة دول أوروبية وأمريكا فقط بعملين أختصر فيهما كل ما عشته في الحرب العمل الأول لوحة "رأسا على عقب" التي أصف فيها حالى وكيف انقلبت حياتي في لحظة والعمل الثاني "خيمة على الرصيف" الذي أعبر فيه عن نزوحي وعائلتي وفيها أيقونات لها دلائل خاصة بالحرب مثل الحمار الذي كنا نعتمد عليه في النزوح، ورغيف الخبز الذي كان حلم كل إنسان حتى الغني، والشبشب الذي فقدناه من السوق لأكثر من عام وكان ثمنه 10 أضعاف ثمنه الأصلي وكان أغلب الناس يمشون حفاه الأقدام لعام وأكثر، وأبريق الشاي، حيث لم يكن السكر متاح وكان مرتفع الثمن، فكانت الملعقة من السكر تعادل 5 دولارات والكيلو كاملا كان يباع قبل الحرب بأقل من دولار واحد.

لوحة تعبر عن المجاعة في غزة لميساء يوسف
هل نظمت معارض فنية خلال الحرب؟
رغم انقطاع الكهرباء من اليوم الأول وصعوبة الاتصال والتواصل وانقطاع الإنترنت، إلا أنني شاركت في معارض عدة، أولها كان معرض أحلام مضادة للرصاص، حيث أرسلت فيديو لسيدة تركيا الأولى أمينة أردوغان حيث افتتحت المعرض وأيضا أعمالي تم عرضها على شاحنات متحركة في أمريكا بالتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للبيت الأبيض، بالإضافة إلى معارض في نيويورك، وبعض الدول الأوروبية كإيطاليا وألمانيا، وسراييفو، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، كما شاركت أيضا أعمال أطفالي في معارض عالمية تحمل قصة كل طفل في إيطاليا وهولندا واسكتلندا، بالإضافة إلى مشاركتي في كتاب "زنبقات غزة" وهو أول كتاب يحكي قصص الفنانات بشكل خاص في زمن الحرب، بجانب مبادرة رسائل إلى السماء التي تكتب قصة مرسمنا وحكايتنا في الحرب واستمرارنا رغم كل الصعوبات وانقطاع المواد الفنية لفترات طويلة، وشاركت في معارض محلية ودولية وأعمالي الفنية تجوب مختلف دول العالم في معارض مهمة مثل أحلام مضادة للرصاص وهو أول مشاركة لى في الحرب على غزة .
حدثينا عن مشاركتك في دورات وورش فنية مع الأطفال خلال الحرب؟
أنا أعمل على تدريب الأطفال وتقديم ورشات تفريغ نفسي منذ 2018، وفي الحرب، بدأت العمل مع الأطفال منذ السابع من أكتوبر لهذا اليوم في محاولات مستمرة لفهم الألم وتحويله إلى شيء يُرى ويُحكى، وأطلقت مبادرة رسائل من السماء التي تحمل ذاكرة لا تنسى تروي قصص الحرب "رسائل الى السماء"، بجانب مبادرة "صاحبة أتيليه ميساء" ( Art space ) الذي يوفر مساحة صغير آمنة فوق ركام منزلي لي وللأطفال لتقديم ورشات العلاج بالفن .

لوحات الفنانة ميساء يوسف في معرض لندن
كيف كان الفنان الفلسطيني يروج لأعماله الفنية رغم الحصار الإسرائيلي للقطاع؟
كنت اعتمد بشكل كبير على الصحافة في داخل غزة وخارجها شاركت فيما يقارب 40 تقريرا صحفيا مصورا عن فني ومبادرتي في التفريغ النفسي والعلاج بالفن للأطفال النازحين، اعتمدنا بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي رغم انقطاع الإنترنت، فكنا نعتمد على الكافيهات العامة ونبحث عن أي مكان حتى في مناطق بعيدة عن سكنتا، وقد تكون خطيرة أو معرضة للقصف في سبيل المشاركة وإرسال بياناتنا ومعلوماتنا، وأيضا على دعم الأصدقاء في الخارج، دائما الفن يجد طريقه رغم كل الحواجز، إنه لغة لا تحتاج إلى ترجمة وجسر يربط الشعوب بالمشاعر والتضامن، أؤمن أن الفن ينشر الحب والسلام ومقولتي هي دائما "الشعر والجمال دائما يصنعان السلام".

لوحات الفنانة ميساء يوسف في معرض بأمريكا
كيف سعيت لتوثيق جرائم الاحتلال عبر لوحاتك؟
سعيت لتوثيق جرائم الاحتلال من خلال نقل الواقع كما هو دون تجميل، ومن خلال التركيز على الضحايا والقصص الإنسانية التي قد تُنسى إن لم تُروَ، كنت أنا الشاهد والنادي من هذه الحرب والمدمرة ولدي رسالة كإنسان تعرض لإبادة جماعية كنت أشعر بمسؤولية كبيرة في نقل رسائلي عبر أصدقائي ودائما ما أخبرهم أنني إذا مت فأنتم صوتي الحي لا تتوقفوا عن نشر قصتي وفني أنا أثق بكم، كنت فعلا أشعر في كل مرة أنها كلماتي الأخيرة.
هل الفنان الفلسطيني استطاع توثيق تاريخ ما يحدث في غزة كي تعد وثيقة للأجيال المقبلة؟
نعم، الفنان الفلسطيني استطاع توثيق ما يحدث، بل إن الفن أصبح واحدا من أهم أشكال الشهادة الإنسانية في فلسطين، فهو لا يقل أهمية عن دور الصحفي في نقل الصورة والحقيقة للعالم.

ميساء يوسف بين ركام منزلها المدمر وبجاورها إحدى لوحاتها
كيف تؤثر اللوحة الفنية على وجدان ومشاعر الشعوب للتعاطف مع القضية الفلسطينية؟
اللوحة الفنية لا تنقل الحدث فقط، بل تنقل المشاعر والذاكرة والألم الإنساني بطريقة تبقى حية في وجدان الناس، في غزة خاصة، يعيش الفنان الحدث بكل تفاصيله، لذلك تأتي الأعمال الفنية صادقة ومحملة بالتجربة الحقيقية، كثير من الفنانين الفلسطينيين استطاعوا عبر الرسم والنحت والتصوير أن يوثقوا مشاهد النزوح والفقد والصمود، وأن يحافظوا على الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه، فالفن لا يوقف الحرب، لكنه يحفظ الحقيقة، ويمنح الأجيال القادمة ذاكرة بصرية وإنسانية لما حدث، لذلك أؤمن أن أعمال الفنانين الفلسطينيين ستبقى وثائق مهمة في التاريخ، لأنها خرجت من قلب المعاناة نفسها.

لوحة فنية للفنانة الفلسطينية ميساء يوسف
ما الفرق بين نكبة 48 وبين ما يحدث في غزة الآن من عدوان غاشم ومحاولات للتهجير؟
سمعت من جدتي عن النكبة والتهجير، وكنت أتابع الأفلام الوثائقية وأشعر كأنها مجرد أكاذيب، لقد هجروا أجدادنا قسرا، لكنني أنا ووالداي وأولادي أيضا ولدنا وعشنا هنا، كنت أسمع عن التهجير كقصة من القصص التي تروى لكني عشتها أنا وأبنائي وبدأت أرى الحقيقة، وبالفعل التاريخ يعيد نفسه، نحن نعيش ما عاشه أجدادنا، فالنكبة كانت بداية التهجير، وما يحدث الآن هو امتداد لها، لكن بوسائل أكثر عنفا ووحشية، وبمحاولة مستمرة لطمس الوجود الفلسطيني، وإبادته ومحو هويته وثقافته.

لوحة للفنانة ميساء يوسف
ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان عن قبل العدوان؟
قبل الحرب على غزة كنت أعيش فترة تجريب وبحث في الخامات البيئية المختلفة وأجد متعة في كل شيء ووقت كبير للعمل على إنتاج أعمالي الفنية والتواصل مع الأصدقاء في الخارج وتبادل الأفكار فيما بيننا عبر الزوم، كنت أدرس في الجامعة إدارة أعمال لأعيد صياغة الفن بطريقة يحبها مجتمعي كالرسم على المقتنيات الملابس والحقائب، كنت أرسم ما اعتدت عليه وكانت ألواني أكثر حماسا وإشراقا مفعمة بالحياة والأمل والتفاؤل وأيضا كنت قد اعتدت على نقل رسائلي عبر فني بشكل مبطن غير واضح، حيث أرسم القصص المخفية والقصص غير الواضحة بين ثنايا اللوحات والأيقونات الكثير ليحكى، أما في الحرب وبعد كل ما عشته من فقد متكرر ونزوح وتجويع وتشريد وتدمير وفوضى في المكان وفي المشاعر وتحدي كبير في النجاة فعلا بإنسانيتنا لا بأرواحنا فقط، جعل فني أكثر صراحة وصدقا وأكثر جرأة، لم أعد أفكر في الجماليات فقط وفي الرسم في وقت فراغي، لم يكن لدي وقت فراغ في ظل صعوبات الحياة والبحث عن أمان ومأوى، بل كنت أفكر في الرسالة التي سأنقلها عبر فني ، وفي الشهادة والتوثيق رفضا للمحو الذي نتعرض له، وحفاظا على الهوية، أصبحت أنا الشاهد والصوت لكل غزي عاش الإبادة الجماعية، لقد أصبحت لوحاتي واقعية صريحة تنقل صورة واقعية من قصص الحرب والأيام التى عشناها أصبحت خطوط وألواني أكثر حدة.

ورش عمل تديرها الفنانة ميساء يوسف داخل غزة
بثت قناة اليابان تقريبا خلال فترة الحرب عن أعمالك والمخاطر التي تعرضت لها أسرتك خلال الدخول الإسرائيلي البري للمنطقة التي تقطنين بها.. كيف كان هذا الأمر؟
في تقريري الأخير لقناة في طوكيو اليابان كنت تحت الحصار وكانت القذائف تنهال علينا والجيش الإسرائيلي في محيط البيت، كنت لا أستطيع الوقوف وانتقل أنا وأطفالي من مكان لآخر وإخبارهم كم يقترب الموت منا وأننا لن نرى الشمس بعد اليوم ، لكت كتب الله لنا النجاة، التقرير تم إجرائه خلال فترة دخول جيش الاحتلال البري لمنطقتي ومواجهة الموت كان الخيار الوحيد في إيصال رسالتي.
ما أبرز العقبات التى تواجه الفنان التشكيلي في غزة؟
الفنان التشكيلي في غزة يواجه عقبات كبيرة ومعقدة، تبدأ من الحصار المستمر الذي يحد من دخول المواد الفنية الأساسية، وصولا إلى غياب الاستقرار والأمان، كثير من الفنانين فقدوا مراسمهم وأعمالهم خلال القصف، وأصبحوا يعملون في ظروف قاسية للغاية، أحيانا دون كهرباء أو مكان مناسب للرسم، كما أن فرص السفر والمشاركة في المعارض الدولية محدودة للغاية، مما يجعل وصول الفنان الفلسطيني إلى العالم أكثر صعوبة. وهناك التحديات النفسية، لأننا نعيش الألم اليومي نفسه الذي نحاول توثيقه، وهذا يترك أثرا عميقا على روحنا وإبداعنا، ورغم كل ذلك، يستمر الفنانون في غزة بالإنتاج، لأن الفن بالنسبة لنا ليس مجرد مهنة، بل فعل صمود وحفظ للذاكرة والهوية الفلسطينية ومسؤولية عظيمة .

لوجة تشكيلية للفنانة ميساء يوسف
كيف يسعى الاحتلال للسطو على الثقافة والهوية الفلسطينية؟
الاحتلال يسعى إلى السطو على الثقافة والهوية الفلسطينية من خلال محاولة طمس الرواية الفلسطينية وتشويهها، والعمل على سرقة التراث الشعبي وتقديمه كجزء من ثقافته الخاصة، مثل الأزياء التقليدية، والتطريز، والأكلات الشعبية، وحتى بعض الرموز الفنية والتراثية، كما يستهدف المؤسسات الثقافية والفنانين والمراكز الفنية.

لوحة عن مجازر إسرائيل للفنانة ميساء يوسف
برأيك لماذا يفعل ذلك؟
لأن الثقافة تمثل ذاكرة الشعب وهويته، فحين تُقصف المسارح والمكتبات والجامعات والمتاحف، لا يكون الاستهداف للمكان فقط، بل لما يحمله من تاريخ ووعي وانتماء، والتوثيق، أيضا يحاول الاحتلال منع الصوت الفلسطيني من الوصول إلى العالم من خلال حجب منشورات التواصل الاجتماعي وإغلاق الصفحات التى تنشر الثقافة الفلسطينية، وعبر التضييق على الفنانين ومنع السفر والمعارض، لأن الفن الفلسطيني يكشف الحقيقة وينقل الرواية الإنسانية للعالم.
هل استطاع النجاح في خطته؟
لا.. بالرغم من كل ذلك، ما زال الفلسطيني يحافظ على هويته من خلال الفن، والحكاية، واللغة، والذاكرة الجماعية، لأن الثقافة بالنسبة لنا ليست مجرد تراث، بل شكل من أشكال المقاومة والبقاء.