لم ينتظر الصيف أن يحل رسميًا، لتضرب أوروبا موجة حر قياسية هي الأكثر شدة في تاريخها المسجل، محولة شهر يونيو 2026 إلى شهر من الموت والانهيار. ففي وقت كان يفترض أن تكون فيه درجات الحرارة معتدلة، تجاوزت الحرارة 44 درجة مئوية في بعض المناطق، مسجلةً أرقامًا قياسية في دول لم تشهد مثل هذه الحرارة مبكرًا قط.
وبينما كانت الأسر الأوروبية تستعد لعطلاتها الصيفية، كانت المستشفيات وخدمات الطوارئ تغرق في طوفان من الحالات الحرجة، في مشهد أعاد إلى الأذهان موجة الحر المدمرة لعام 2003 التي أودت بحياة نحو 80 ألف شخص.
أرقام صادمة: أكثر من 14 ألف وفاة وجثث لا تتوقف
بحلول منتصف يوليو ، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالموجة الحارة 14 ألف حالة، وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية ومرصد الوفيات الأوروبي (يورومومو). وكشفت البيانات أن أكثر من 9 آلاف وفاة فائضة عن المعدل الطبيعي حدثت بين من تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، الفئة الأكثر ضعفًا أمام ارتفاع الحرارة.
لكن الضحايا لم يقتصروا على كبار السن. فقد سجلت فرنسا وحدها 48 حالة غرق على الأقل منذ بداية الموجة، حيث حاول الكثيرون تبريد أنفسهم في مسطحات مائية غير مراقبة. كما أفادت السلطات بمقتل أطفال صغار محتجزين في سيارات تحت أشعة الشمس الحارقة، في مشاهد مأساوية كررت نفسها في عدة دول.
وفي إحصاءات لا تقل صدمة، سجلت إسبانيا أكثر من 300 وفاة خلال أيام قليلة، بينما أعلنت ألمانيا عن 41.7 درجة مئوية كرقم قياسي جديد.
مستشفيات وخدمات طوارئ على حافة الانهيار
تحت وطأة الأعداد المتزايدة من حالات ضربات الشمس والجفاف وتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، انهارت أنظمة الرعاية الصحية في العديد من المدن الأوروبية. ففي باريس، سجلت خدمات الطوارئ أكثر من 25 حالة توقف قلبي خلال 24 ساعة، مقارنة بأقل من 10 حالات في الأيام العادية.
ووصفت السلطات الفرنسية الوضع في مستشفيات العاصمة بأنه "مشبع"، مما اضطرها إلى إلغاء فعاليات عامة لتخفيف الضغط على النظام الصحي. أما في بريطانيا، فاستجابت فرق الإسعاف لرقم قياسي بلغ 642 حالة طارئة مهددة للحياة في يوم واحد فقط.
حتى أن محطات الطاقة النووية الفرنسية اضطرت إلى خفض إنتاجها بنحو 7% بسبب محدودية الوصول إلى مياه التبريد، مما زاد من أزمة الكهرباء في وقت كانت فيه الحاجة إليها ماسة.
تحديات البنية التحتية وغياب التكييف
تعكس هذه الأزمة واقعًا مؤسفًا: أوروبا، القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة عالميًا، ليست مصممة لمواجهة الحر. فمعظم المباني الأوروبية شُيدت لتحتفظ بالحرارة خلال الشتاء، وهي غير مجهزة بأنظمة تبريد فعالة. وعلى عكس أمريكا الشمالية وآسيا، لا يزال التكييف المنزلي نادرًا في العديد من الدول الأوروبية.
وتتفاقم المشكلة في المدن الكبرى، حيث تخلق "جزر الحرارة الحضرية" - الأسطح الخرسانية والإسفلتية التي تحبس الحرارة - بيئات أكثر سخونة بكثير من المناطق الريفية المحيطة، مما يحرم السكان من أي راحة حتى بعد غروب الشمس.
موجة الحر الأكثر شدة.. وتغير المناخ أبرز الأسباب
أكد العلماء أن موجة يونيو كانت الأكثر شدة على الإطلاق في أوروبا، وأنها كانت "شبه مستحيلة" دون تغير المناخ. فوفقًا لعلماء من مجموعة "الإسناد الجوي العالمي"، فإن درجات الحرارة تجاوزت المعدلات الموسمية بما يتراوح بين 5 و12 درجة مئوية، نتيجة ظاهرة تعرف بـ"القبة الحرارية" التي حبست الهواء الساخن فوق أوروبا.
ويحذر الخبراء من أن هذا الحدث ليس استثنائيًا فحسب، بل قد يصبح القاعدة في السنوات القادمة. فمع استمرار ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وكون أوروبا تسخن بمعدل ضعف المعدل العالمي، يتوقع أن تصبح موجات الحرارة المبكرة أكثر تواترًا وشدة.
أسابيع أكثر دموية في الطريق
مع استمرار الأزمة، وجهت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا عاجلًا لأوروبا: استعدوا لـ"أسابيع أكثر دموية"، مع تشكل موجة حر جديدة فوق المحيط الأطلسي قد ترفع الحرارة إلى 43 درجة مئوية في البرتغال وجنوب إسبانيا. ودعا المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا هانس كلوجه إلى "إصلاح ما فشل في الأسابيع الماضية" وبناء أنظمة صحية "لا تستجيب للحر فحسب، بل تكون مستعدة له". كما كشفت المنظمة أن أقل من نصف دول أوروبا لديها خطط عمل للتعامل مع موجات الحر، رغم أن هذه الخطط أثبتت فعاليتها في حماية السكان.
أوروبا بين الاستجابة والانهيار
صيف الموت لم ينتهِ بعد، ومع موجة الحر الثانية التي تلوح في الأفق، تواجه أوروبا اختبارًا وجوديًا يتجاوز قدرتها على التكيف الحالية. فالمستشفيات منهكة، والبنية التحتية هشة، والاستعدادات غير كافية. ورغم أن التغير المناخي هو الجاني الأكبر، فإن غياب الإرادة السياسية والاستثمار في الحلول الوقائية يحوّل كل موجة حر إلى كارثة إنسانية جديدة.
يقول المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا: "الوفيات الناتجة عن الحرارة ليست حتمية. نحن نعرف كيف نحمي الناس: ننذرهم مبكرًا، نجعل المدن أكثر برودة، نضمن الوصول إلى الماء والظل، ونتفقد الأكثر عرضة للخطر، ونعد الأنظمة الصحية قبل أن تبلغ الحرارة ذروتها". لكن السؤال الأكبر: هل تستمع أوروبا قبل أن تصبح موجات الحر المقبلة أكثر دموية مما سبق؟.