في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع وسط تعقيدات سياسية وعسكرية وإنسانية متزايدة، تتجه الأنظار إلى المباحثات المصرية الأمريكية التركية التي تستضيفها مصر، وتجمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسودان مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون الأفريقية مسعد بولس، في محاولة جديدة لإعادة إحياء جهود التسوية وإنهاء حالة الجمود التي سيطرت على المشهد خلال الأشهر الماضية.
وتأتي هذه التحركات في مرحلة بالغة الحساسية، تتزامن مع تراجع فرص الحسم العسكري واتساع نطاق الأزمة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الإقليمية والدولية من تداعيات استمرار الحرب على أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ودول الجوار، وفي قلب هذه الجهود تبرز مصر باعتبارها الطرف الأكثر ارتباطاً وتأثيراً بالملف السوداني، بحكم العلاقات التاريخية والجغرافية وتشابك المصالح الاستراتيجية بين البلدين.
مصر.. الطرف الأكثر قدرة على فهم المشهد السوداني
يرى خبراء سودانيون أن القاهرة تمتلك من الخبرة والمعرفة بطبيعة المشهد السوداني ما يجعلها الأكثر قدرة على فهم تعقيدات الأزمة والتعامل مع مختلف أطرافها، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو المجتمعي.
ويؤكد اللواء الدكتور أمين إسماعيل مجذوب، خبير سوداني في إدارة الأزمات والتفاوض، أن الرعاية المصرية للمباحثات الحالية تعكس حرص القيادة المصرية على دعم استقرار السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية، مشيراً إلى أن القاهرة تعد الطرف الأكثر قدرة على التوسط بين مختلف القوى السودانية بحكم علاقاتها الممتدة مع كافة المكونات السودانية.
ويضيف أن مصر تنطلق في تحركاتها من رؤية ثابتة تقوم على حماية وحدة السودان ومنع انهيار مؤسسات الدولة، باعتبار أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها.
توحيد المبادرات الإقليمية والدولية
شهد الملف السوداني خلال السنوات الماضية تعدداً في المبادرات والمسارات التفاوضية، بدءاً من المبادرة المصرية التركية، مروراً بمنبر جدة السعودي الأمريكي، وصولاً إلى الجهود الأفريقية والآليات الإقليمية والدولية المختلفة.
لكن هذا التعدد، وفقاً للخبراء، أدى في كثير من الأحيان إلى تداخل المسارات وتشتت الجهود، الأمر الذي انعكس سلباً على فرص الوصول إلى تسوية شاملة.
ويشير مجذوب في تصريحاته لليوم السابع إلى أن أهمية المباحثات المصرية الأمريكية التركية تكمن في جمع أطراف إقليمية ودولية مؤثرة ومرتبطة بشكل مباشر بالأزمة السودانية، بما يتيح فرصة حقيقية لتوحيد المبادرات المختلفة ضمن رؤية مشتركة تستهدف إنهاء الصراع وتهيئة الظروف المناسبة للحل السياسي.
ويرى مراقبون أن القاهرة تسعى من خلال هذه الاجتماعات إلى بناء أرضية مشتركة بين مختلف المنابر التفاوضية، بما يضمن تكامل الجهود بدلاً من تنافسها، ويحول المبادرات المتعددة إلى مسار واحد أكثر فاعلية وتأثيراً.
الأمن القومي المصري والسودان.. علاقة تتجاوز الجغرافيا
لا تنظر مصر إلى السودان باعتباره دولة مجاورة فقط، بل باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
فاستمرار الحرب يفرض تحديات متزايدة على المنطقة، سواء من خلال تدفقات النزوح واللجوء، أو تنامي أنشطة التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بانتشار السلاح وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
ويشدد مجذوب على أن أي حل للأزمة يجب أن ينطلق من الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، مع العمل على حماية الاقتصاد السوداني ومنع المزيد من التدهور الذي يدفع المواطن السوداني ثمنه بشكل يومي.
شراكة مصرية تركية أمريكية لكسر الجمود
يرى الدكتور أشرف كرم الدين، الخبير بالشأن السوداني، أن المباحثات المصرية الأمريكية التركية تمثل فرصة مهمة لكسر حالة الجمود السياسي التي هيمنت على الملف السوداني خلال الفترة الماضية.
ويؤكد أن الاجتماعات التي تجمع مصر وتركيا والسودان والولايات المتحدة قد تسهم في هندسة مسار تفاوضي جديد يدمج مختلف المبادرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك منبر جدة وجهود الاتحاد الأفريقي والمسارات الأوروبية، بهدف الوصول إلى رؤية موحدة بشأن مستقبل السودان.
ويضيف أن تزامن هذه التحركات مع تراجع فرص الحسم العسكري قد يدفع الأطراف المتصارعة إلى البحث عن حلول أكثر واقعية، تتضمن إجراءات عملية على الأرض مثل وقف إطلاق النار المؤقت وفتح ممرات إنسانية آمنة وتسهيل وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
واشنطن وأنقرة.. أدوار داعمة للمسار المصري
تشير التحركات الأخيرة إلى تنامي الدورين الأمريكي والتركي في الملف السوداني، إلا أن مراقبين يرون أن هذا الحراك يكتسب زخمه الحقيقي من خلال التنسيق مع القاهرة باعتبارها الطرف الأكثر التصاقاً بالأزمة.
فتركيا تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من محيطها الاستراتيجي المرتبط بأمن البحر الأحمر، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى بناء توافق إقليمي ودولي يساعد على احتواء تداعيات الصراع.
وأكد كرم الدين في تصريحاته لليوم السابع، أن مشاركة الولايات المتحدة تمنح المباحثات زخماً سياسياً ودبلوماسياً إضافياً، كما أن انخراط شخصيات مطلعة على تعقيدات المنطقة، مثل مسعد بولس، قد يسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة ودفع جهود التسوية إلى الأمام.
مخاوف من اتساع دائرة الصراع
ورغم الجهود السياسية المتواصلة، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تعقيد المشهد الإقليمي بصورة أكبر.
وقال كرم الدين :"فالسودان يتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، وأي انهيار طويل الأمد للدولة قد يفتح الباب أمام صراعات نفوذ إقليمية ودولية، كما قد يهيئ بيئة مناسبة لظهور جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة تستغل حالة الفراغ الأمني وعدم الاستقرار".
ويحذر خبراء من أن تكلفة معالجة الأزمة ستزداد بصورة كبيرة كلما طال أمد الصراع، سواء على السودان أو على دول الجوار التي تواجه بالفعل ضغوطاً متزايدة نتيجة التداعيات الأمنية والإنسانية للحرب.
الكارثة الإنسانية.. الوجه الأكثر قسوة للحرب
بالتوازي مع الجهود السياسية، تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان بصورة غير مسبوقة، خاصة في إقليم دارفور الذي يشهد أوضاعاً مأساوية نتيجة استمرار العمليات العسكرية وتعطل الخدمات الأساسية.
ويصف الدكتور أشرف كرم الدين الوضع الإنساني في الإقليم بأنه بالغ الخطورة، في ظل ارتفاع معدلات الجوع ونقص الغذاء والدواء وتفشي الأمراض وتراجع فرص العمل، فضلاً عن الانهيار المستمر في قيمة العملة السودانية.
كما تواجه المناطق البعيدة عن سيطرة الحكومة أوضاعاً أكثر تعقيداً بسبب صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها، في وقت لا تزال فيه الاستجابة الدولية أقل من حجم الاحتياجات الفعلية للمواطنين المتضررين.
فرصة جديدة لإنهاء الحرب
تمثل المباحثات المصرية الأمريكية التركية واحدة من أهم التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالسودان خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط لأنها تجمع أطرافاً مؤثرة في الأزمة، وإنما لأنها تأتي في لحظة يدرك فيها الجميع أن استمرار الحرب لم يعد يخدم أي طرف.
وفي ظل الثقل الذي تتمتع به مصر وعلاقاتها الوثيقة بمختلف الأطراف السودانية والإقليمية، تبدو القاهرة اليوم في موقع يؤهلها للعب دور محوري في قيادة جهود التسوية، بما يفتح الباب أمام فرصة جديدة لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في القارة الأفريقية، ويعيد الأمل لملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وأثقلت كاهلهم تداعياتها الإنسانية والاقتصادية.