** أبو سمرة: العلاقات الاقتصادية بين البلدين مستمرة رغم الخلافات السياسية
** أكاديمى متخصص: التنافس بين واشنطن وبكين انتقائي وليس انفصالا اقتصاديا كاملا
** عضو الحزب الديموقراطى: الصين وواشنطن تديران التنافس ولا تبحثان عن إنهائه
** نعمان أبو عيسى: التهدئة الحالية بين القوتين تكتيكية وليست استراتيجية طويلة الأمد
تأتي الحلقة الثانية من ملف "فخ ثوسيديدس بين واشنطن وبكين" لتكشف امتداد التنافس بين القوتين العظميين من الملفات التقليدية إلى ساحات أكثر تعقيدا، تبدأ من مضيق هرمز وتايوان ولا تنتهي عند أفريقيا وتحركات روسيا بعد زيارة ترامب للصين. وبينما تتحدث التصريحات الرسمية عن التعاون وضمان الاستقرار، تكشف التطورات عن شبكة مصالح متشابكة تُدار بحذر شديد، في إطار "إدارة التنافس" لا إنهائه، وفق ما يؤكده خبراء ومحللون سياسيون واقتصاديون.
توافق أمريكي صيني حول هرمز
خلال الزيارة أكد ترامب فى تصريحات لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية، أن الرئيس شى عرض المساعدة فى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، موضحا أن الرئيس الصيني يود أن يرى التوصل إلى اتفاق بشأن إيران وعرض المساعدة بالفعل.
وتطرق ترامب إلى الملف الإيراني خلال الزيارة، قائلا إن تدمير طهران عسكريا سيستمر، والرئيس الصيني أكد لي أنه يعارض امتلاك إيران سلاحا نوويا، ولم أطلب منه أي شيء يتعلق بإيران.
وأضاف :" لم أطلب من الرئيس الصيني الضغط على طهران من أجل فتح مضيق هرمز، و80 % من القدرات الصاروخية الإيرانية تم تدميرها، وسأتخذ قرارا خلال أيام بشأن رفع العقوبات عن شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني".
وتابع :" لم نتطرق خلال المباحثات مع الجانب الصيني إلى ملف الرقائق الإلكترونية، وإيران لن تحصل أبدا على سلاح نووي ولن تكون لديها فرصة لذلك مهما كانت الظروف"، مضيفا :" قضينا على القوات الجوية الإيرانية تماما وتخلصنا من القادة الإيرانيين".
وواصل حديثه قائلا :" قضينا على قدرات التصنيع العسكري لدى إيران، كما قضينا على الجيش الإيراني وربما يجب علينا القيام بعملية تنظيف خفيفة، وحين نظرت إلى المقترح الإيراني لم تعجبني الجملة الأولى ولم تكن مقبولة فرميت المقترح، والتحقيق جار بشأن استهداف المدرسة في طهران".
وقال ترامب :" بحثت موضوع نزع الأسلحة النووية خلال زيارتي إلى الصين وهذا ملف أبحثه دائما مع موسكو وبكين، والرئيس الصيني يؤيد عدم حصول إيران على سلاح نووي ويريدها أن تفتح مضيق هرمز".
وأضاف :" الصينيون يقومون بعمليات تجسس ونحن أيضا ننفذ عمليات تجسس، وإذا لم أستخدم قنابل بي 2 منذ 9 أشهر لكانت إيران قادرة الآن على الحصول على سلاح نووي، وكان بإمكاننا تدمير الجسور الإيرانية وشبكات الكهرباء ويمكننا القضاء على كل شيء هناك خلال يومين، وبكين وواشنطن هما الدولتان الوحيدتان القادرتان على استخراج الغبار النووي من إيران".
وخلال الزيارة نقلت وكالة رويترز عن مسؤول بالبيت الأبيض قوله إن ترامب ونظيره الصيني اتفقا على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، كما اتفقا على أنه لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي، مشيرا إلى أن اللقاء بين الزعيمين كان جيدا وناقش سبل تعزيز التعاون الاقتصادي.
وخلال تصريحاته لشبكة إن بي سي الأمريكية، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إن ترامب أثار مع نظيره الصيني مسألة إيران، وبكين أكدت أنها لا تؤيد عسكرة مضيق هرمز ولا تؤيد فرض نظام للرسوم وهذا هو موقفنا أيضا، متابعا :" لا نطلب مساعدة الصين فلسنا بحاجة إلى مساعدتها".
وزير الخارجية الذي رافق ترامب خلال الزيارة إلى بكين تعرض لموقفا غريبا خلال الزيارة، فقبل الزيارة بساعات، لجأت الصين إلى تغيير طريقة كتابة اسم "ماركو روبيو" باللغة الصينية، عبر استخدام حرف مختلف للمقطع الأول من اسمه، في محاولة لتجاوز الإشكاليات المرتبطة بالعقوبات السابقة التي كانت تمنعه من دخول البلاد.
هذا التغيير الصيني للاسم جاء قبل توليه منصب وزير الخارجية في يناير 2025، ما فتح الباب أمام إمكانية إدراجه ضمن الوفود الرسمية دون اصطدام مباشر مع القيود السابقة، حيث تبرز هذه الواقعة واقعا أوسع في الترجمة الصينية للأسماء الأجنبية، حيث لا يوجد نظام موحد ثابت، ما يؤدي أحيانا إلى تعدد الصيغ لنفس الاسم، وبحسب وسائل إعلام أمريكية تستخدم بكين أيضا أكثر من صيغة لاسم دونالد ترامب في وسائل الإعلام الرسمية.
وفي 12 مايو، أكدت الصين، أنها لن تمنع روبيو من دخول أراضيها خلال هذه الزيارة، لافتة إلى أن العقوبات السابقة لا تتعلق بالشخص نفسه بقدر ما ترتبط بمواقفه أثناء عمله كعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي، وحينها أوضح المتحدث باسم السفارة الصينية ليو بنجيو أن العقوبات تستهدف كلمات وأفعال السيد روبيو بشأن الصين في تلك الفترة، إلا أن القرار لا يشمل تحركاته الحالية ضمن الحكومة الأمريكي.
وفيما يتعلق بملف إيران ومضيق هرمز، يقول نعمان أبو عيسى، إن الصين قد تتجه إلى التعاون الجزئي مع الولايات المتحدة، ولكن بشروطها الخاصة، نظرا لاعتمادها الكبير على نفط الشرق الأوسط، وحرصها على استمرار تدفق الطاقة عبر الممرات الحيوية، موضحا أن بكين قد تلعب دور الوسيط الضروري عبر الضغط غير المباشر على طهران لتجنب التصعيد البحري، ودعم مسارات تفاوضية تمنع امتلاك إيران لسلاح نووي، دون أن تصل إلى مستوى التحالف مع واشنطن ضدها.
ومن جانبه يوضح محمد صلاح الدين، الخبير في الشئون الآسيوية، أن الولايات المتحدة قد تحاول استغلال نفوذ الصين وعلاقاتها القوية مع طهران للضغط عليها فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز ومنع أي تصعيد يهدد تدفق النفط والطاقة عالميا، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة.
ويضيف، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن واشنطن لن تسمح بأن تتحول الصين إلى لاعب دبلوماسي رئيسي أو وسيط مؤثر في صراع تكون الولايات المتحدة نفسها طرفا مباشرا فيه، لافتا إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر بحذر إلى أي محاولة صينية لتوسيع نفوذها السياسي في ملفات الشرق الأوسط، حتى وإن كان هناك تنسيق محدود يتعلق بمنع التصعيد.
ويؤكد أن بكين بدورها تدرك حساسية هذا التوازن، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو الظهور كطرف منحاز بالكامل ضد المصالح الأمريكية، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تعكس محاولة لإدارة التنافس بين القوتين وليس إنهاءه.
تايوان ضمن أجندة الزيارة
تشير زيارة ترامب إلى الصين إلى أن ملف تايوان لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، وأي حراك سياسي بين الطرفين لا يمكن فصله عن هذا الملف الذي يمثل نقطة التماس الأخطر في التوازن الاستراتيجي بين القوتين، ورغم الطابع الاقتصادي والدبلوماسي الذي غلب على الزيارة، إلا أن " تايبيه " بقيت حاضرة بشكل غير مباشر في خلفية النقاشات.
حديث ترامب عن الموضوع العالق بين واشنطن وبكين بشأن تايوان كان مقتضبا عندما قال خلال الزيارة :" لم أقدم أي تعهد للرئيس الصيني بشأن تايوان"، فيما أبرزت مجلة نيوزويك الأمريكية، في 14 مايو ، تحذيرات الزعيم الصيني للقيادة الأمريكية في قمتهما من أن الخلافات طويلة الأمد بشأن تايبيه قد تؤدي إلى صراع كبير بين البلدين.
تقرير نيوزويك حول زيارة ترامب للصين
وقال شي – بحسب المجلة الأمريكية - إن مطالبة بكين القديمة بالجزيرة ذات الحكم الذاتي كانت القضية الأهم في علاقات الصين مع الولايات المتحدة، متابعا :" إذا تم التعامل مع الأمر بشكل صحيح، فإن العلاقات الثنائية ستتمتع باستقرار شامل، وإلا، فإن البلدين سيشهدان اشتباكات وحتى صراعات، مما يعرض العلاقة بأكملها لخطر كبير".
ترامب، الذي دخل المحادثات التاريخية بأجندة تركز بشكل كبير على الأعمال التجارية، لم يرد عندما سأله الصحفيون عما إذا كان موضوع تايوان قد أثير في الاجتماع، كما لم يتطرق البيان الأمريكي الموجز الصادر من البيت الأبيض عن الاجتماع إلى تايوان، لكنه سلط الضوء على العلاقات التجارية والحرب الإيرانية، مؤكدا أن كلا من الصين والولايات المتحدة ترغبان في عدم سيطرة إيران على مضيق هرمز.
وجاء في البيان: " بكين أعربت عن رغبتها في شراء النفط من الولايات المتحدة، واتفق البلدان على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحا نوويا أبدا"، في إشارة أخرى إلى وجود أرضية مشتركة بين بكين وواشنطن.
وذكرت المجلة الأمريكية، أن تايوان ذات الحكم الديمقراطي تعد واحدة من أهم الشركاء التجاريين لأمريكا، حيث عززت في السنوات الأخيرة مكانتها كشركة رائدة عالميا في صناعة رقائق الكمبيوتر المتقدمة المستخدمة في كل شيء بدءا من الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وحتى الطائرات المقاتلة والصواريخ.
يعود مطالبة بكين بضم الجزيرة الواقعة قبالة البر الرئيسي الصيني إلى عقود مضت، وكذلك العلاقات الاقتصادية والأمنية العميقة للولايات المتحدة مع تايبيه، التي تشتري معظم أسلحتها من شركات الدفاع الأمريكية.
وذكرت المجلة أن الولايات المتحدة لا ترتبط بعلاقات دبلوماسية رسمية بتايوان، لكنها ملزمة بموجب القانون المحلي - قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979 - بمساعدة حكومة الجزيرة في الدفاع عن نفسها ضد الصين الطموحة، فيما سعى الرئيس شي للضغط على ترامب لتقليص الدعم الأمريكي لتايبيه، وكذلك لوقف تدفق الأسلحة إلى الجيش التايواني.
ويظل ملف تايوان نقطة الحساسية الأكبر بين البلدين، حيث حذر الرئيس الصيني شي، من أن سوء إدارة هذا الملف قد يدفع العلاقات الأميركية الصينية إلى منطقة خطرة، حيث تعتبر بكين تايبيه جزءا من أراضيها، بينما ترفض الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في الجزيرة تلك المطالب.
في هذا السياق يؤكد محمد صلاح الدين، أن الرسائل التي حملتها الزيارة الأخيرة لترامب إلى الصين كشفت عن رغبة متبادلة بين واشنطن وبكين في تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بشأن ملف تايوان، رغم استمرار التنافس الاستراتيجي بين الجانبين، موضحا أن الرئيس شي جين بينج حرص على التحذير من الوقوع في "فخ ثيوديديس"، في إشارة إلى الصدام التاريخي الذي قد ينشأ بين قوة دولية صاعدة وأخرى مهيمنة.
ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التحذير الصيني يعكس إدراكا لدى بكين بأن العلاقات مع الولايات المتحدة دخلت مرحلة المنافسة المحسوبة، وليس الصراع المفتوح، لكن مع تمسك بكين بخطوط حمراء واضحة لا تقبل الاقتراب منها، وعلى رأسها قضية تايوان، التي وصفها بأنها الملف الأكثر حساسية وتعقيدا في العلاقات الأمريكية الصينية.
ويوضح أن واشنطن ما زالت تتعامل مع ملف تايوان وفق سياسة "الغموض الاستراتيجي"، وهي السياسة التي أعاد الحديث عنها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والتي تقوم على عدم إعلان موقف أمريكي مباشر أو حاسم بشأن التدخل العسكري إذا أقدمت الصين على خطوة لضم الجزيرة بالقوة، بما يمنح الإدارة الأمريكية مساحة للتحرك السياسي والعسكري وفق تطورات الموقف.
ويضيف الخبير في الشئون الآسيوية أن هذه السياسة تعكس محاولة أمريكية للحفاظ على توازن دقيق، فمن ناحية تريد الولايات المتحدة ردع الصين ومنعها من اتخاذ أي خطوة عسكرية تجاه تايوان، ومن ناحية أخرى تحاول تجنب استفزاز بكين بشكل قد يدفعها إلى مواجهة مباشرة أو تسريع التصعيد في منطقة شرق آسيا، مشيرا إلى أن تايبيه ستظل الملف الأخطر القادر على إعادة إشعال التوتر بين واشنطن وبكين في أي لحظة إذا اختلت معادلة الردع أو تجاوز أحد الطرفين الخطوط الحمراء التي يضعها الآخر.
بدوره يرى نعمان أبو عيسى، أن أي مرونة أمريكية بشأن تايوان ستكون محدودة ومؤقتة، حيث إن واشنطن قد تلجأ إلى تخفيف الخطاب أو تأجيل بعض الخطوات التصعيدية، لكنها لن تتخلى عن دعمها العسكري والاستخباراتي للجزيرة، موضحا أن المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية، إلى جانب حلفائها في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تضع قيودا واضحة على أي تراجع استراتيجي في هذا الملف.
ويحذر عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، من أن ملف تايوان سيظل النقطة الأكثر حساسية، القادرة على إعادة إشعال التوتر بين واشنطن وبكين في أي لحظة إذا لم يتم ضبطه بحذر شديد.
علاقة أفريقيا بزيارة ترامب
تأتي أي زيارة أو تحرك دبلوماسي بين الولايات المتحدة والصين في سياق تنافس دولي واسع على النفوذ داخل القارة الأفريقية، التي أصبحت تمثل واحدة من أهم ساحات الصراع الاقتصادي والاستراتيجي بين القوتين الأكبر عالميا، حيث إن القارة السمراء لم تعد مجرد مصدر للمواد الخام، بل تحولت إلى سوق استهلاكية ضخمة وممر حيوي للطاقة والمعادن النادرة، إضافة إلى كونها شريكا رئيسيا في مشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة.
وتعكس التحركات المرتبطة بترامب تجاه الصين إدراك واشنطن المتزايد لتنامي النفوذ الصيني داخل القارة السمراء، خاصة بعدما أصبحت بكين الشريك التجاري الأول لإفريقيا لسنوات متتالية، لاسيما أن حجم التجارة الصينية الإفريقية سجل مستويات قياسية تجاوزت 348 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعكس عمق الحضور الصيني في الاقتصادات الأفريقية.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء نفوذها الاقتصادي والسياسي في أفريقيا، في ظل مخاوف أمريكية من سيطرة الصين على قطاعات استراتيجية مثل التعدين والطاقة والبنية التحتية والموانئ، كما تزايدت خلال الفترة الأخيرة التحركات الأمريكية تحت شعار "التجارة لا المساعدات"، في محاولة لمنافسة النموذج الصيني القائم على التمويل الضخم والاستثمارات طويلة الأجل.
ترتبط أهمية أفريقيا في العلاقات الأمريكية الصينية بامتلاك القارة احتياطيات هائلة من المعادن النادرة والمواد الخام الضرورية لصناعات التكنولوجيا الحديثة والسيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية، وهو ما يجعلها محورا رئيسيا في الحرب الاقتصادية العالمية بين واشنطن وبكين، لذلك فإن أي تقارب أو توتر بين الجانبين ينعكس بصورة مباشرة على شكل الاستثمارات والتحالفات داخل القارة السمراء.
بحسب وسائل إعلام صينية، ضخت بكين استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، مع تركيز واضح على مشروعات البنية التحتية والطاقة والطرق والموانئ، بينما تحاول الولايات المتحدة توسيع حضور شركاتها واستثماراتها في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي، كما تعمل واشنطن على تقديم نفسها كشريك اقتصادي بديل للدول الأفريقية في مواجهة التمدد الصيني المتسارع.
أصبحت أفريقيا أصبحت ساحة "حرب نفوذ اقتصادية" بين الولايات المتحدة والصين، حيث تستخدم بكين أدوات التمويل والاستثمار والتجارة، بينما تعتمد واشنطن على التحالفات السياسية والأمنية ومحاولات جذب الاستثمارات الغربية إلى القارة، ومن ثم فإن أي زيارة أو تفاهمات بين الإدارة الأمريكية والتنين تحمل أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية، لتشمل مستقبل النفوذ الدولي في أفريقيا وموازين القوى الاقتصادية العالمية.
وتؤكد الدكتورة إيمان الشعراوي مدير مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، والباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي، أي زيارة أو تقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بما في ذلك زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة للصين، لن تنهي حالة التنافس داخل القارة الإفريقية، لأن القارة السمراء أصبحت في قلب التوازنات الاقتصادية والاستراتيجية العالمية، وليس مجرد ساحة نفوذ تقليدية كما كان ينظر إليها سابقًا.
وتوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التنافس بين القوتين يرتبط بصورة أساسية بالسيطرة على المعادن الاستراتيجية والموارد الطبيعية التي تمثل العمود الفقري للصناعات المستقبلية، خاصة المعادن المستخدمة في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والتحول العالمي في مجال الطاقة، لافتة إلى أن دولا أفريقية عديدة أصبحت تمتلك أهمية استثنائية في هذا السياق، وهو ما يجعل من الصعب تراجع حدة المنافسة مهما شهدت العلاقات الأمريكية الصينية من تهدئة مؤقتة.
وتضيف أن السنوات الأخيرة كشفت عن بعد جديد في هذا التنافس يتمثل في الصراع على الممرات اللوجستية وشبكات النقل والبنية التحتية العابرة للحدود، باعتبارها أدوات مباشرة للتأثير الاقتصادي والسياسي داخل القارة، ويبرز ممر لوبيتو، المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية، كأحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى تسهيل نقل المعادن الإفريقية، خاصة من منطقة الحزام النحاسي، إلى الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي وربطها بالأسواق الغربية، وفي المقابل، يمثل خط تازارا نموذجا للتحركات الصينية داخل القارة، حيث تسعى بكين من خلاله إلى تأمين مسارات نقل الموارد والمعادن في القارة السمراء نحو المحيط الهندي ضمن رؤية أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي وتأمين سلاسل الإمداد الخاصة بها.
وتشير الدكتورة إيمان الشعراوي، إلى أن واشنطن وبكين لم تعودا تتنافسان فقط على الموارد الخام، بل أيضا على النفوذ داخل المؤسسات الإفريقية، وعلى بناء شراكات طويلة المدى مع الحكومات المحلية، سواء عبر التمويل أو التكنولوجيا أو مشروعات الطاقة والبنية التحتية، خاصة أن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ستظل من أكثر المناطق حساسية في هذا الصراع بسبب ارتباطها بأمن التجارة العالمية وخطوط الملاحة الدولية.
وتقول إن إفريقيا أصبحت اليوم لاعبا مهما في النظام الدولي الجديد، والقوى الكبرى باتت تدرك أن النفوذ في القارة لم يعد يقاس فقط بالمساعدات أو العلاقات السياسية، بل بالقدرة على تأمين سلاسل الإمداد، والوصول إلى الموارد الحيوية، والتحكم في مسارات التجارة والاستثمار لعقود مقبلة.
واقترحت أن تتبنى الدول الإفريقية استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لأي قوة كبرى، مع التركيز على توظيف حالة التنافس الدولي الحالية للحصول على مكاسب اقتصادية وتنموية حقيقية، سواء من خلال نقل التكنولوجيا، أو توطين الصناعات المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية، أو تطوير البنية التحتية وشبكات النقل داخل القارة.
وتؤكد أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو انتقال الدول الإفريقية من مجرد تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة مضافة داخل القارة، بما يسمح بتحقيق عوائد اقتصادية أكبر وخلق فرص عمل وتعزيز القدرات الصناعية المحلية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية.
وتوضح أهمية تعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي وتفعيل مشروعات الربط القاري، بما يمنح دول القارة السمراء قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة القوى الدولية، ويحافظ على استقلال القرار الإفريقي بعيدا عن الاستقطابات الدولية المتزايدة، مشيرة إلى أن التحدي الأكبر أمام القارة يتمثل في كيفية استثمار هذا التنافس الدولي لتحقيق مصالحها الاقتصادية والتنموية، دون الانزلاق إلى سياسة المحاور أو التحول إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى.
زيارة بوتين للصين بعد ترامب
وبعد مغادرة ترامب لبكين مباشرة، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصين في 19 مايو، حيث حملت الزيارة دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، تعكس حجم التحولات الجارية في موازين القوى الدولية، كما تكشف عن محاولة موسكو وبكين تنسيق مواقفهما في مواجهة الضغوط الغربية والتطورات المتسارعة في النظام العالمي.
وتشير توقيت الزيارة إلى أن بكين أرادت توجيه رسالة واضحة بأنها قادرة على إدارة علاقاتها مع واشنطن دون أن يكون ذلك على حساب شراكتها الاستراتيجية مع موسكو، خاصة في ظل التنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحرب والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ الأزمة الأوكرانية.
كما تعكس الزيارة رغبة روسية في التأكيد على أن موسكو لا تزال تمتلك حلفاء وشركاء دوليين مؤثرين، رغم محاولات العزل الغربية، خاصة أن العلاقات الروسية الصينية أصبحت أحد أهم محاور التوازن الدولي خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو السياسي.
زيارة بوتين جاءت لتقييم نتائج زيارة ترامب إلى الصين، خاصة ما يتعلق بملفات التجارة والطاقة وأمن آسيا، إلى جانب محاولة فهم حدود التقارب المحتمل بين واشنطن وبكين، وما إذا كانت هناك تفاهمات قد تؤثر على المصالح الروسية مستقبلا.
الرؤوس النووية الروسية
تصريحات الرئيس الصيني ونظيره الروسي خلال اللقاء
وخلال اللقاء بين الزعيمين، قال الرئيس الصيني: أجرينا حوارا استراتيجيا مع الرئيس الروسي بشأن العديد من المسائل، ونرتقي بالعلاقات مع موسكو إلى مستوى جديد، كما نسعى لنظام عالمي أكثر عدالة وحكمة، موضحا أن العالم اليوم بات غير آمن وهناك محاولات للهيمنة من طرف واحد.
فيما قال بوتين، إن العلاقات الصينية الروسية وصلت إلى مستوى غير مسبوق وهي مستمرة في النمو، موضحا أن بكين وموسكو يتعاونان بفعالية في مجال الطاقة ونحن مستمرون في تزويد الصين بالطاقة.
وأضاف :" مستعدون لتصدير الطاقة للسوق الصينية بثبات ودون انقطاع، ونعمل مع بكين على تعزيز شراكتنا في مجال المعادن الحيوية، وجميع التسويات التجارية الروسية الصينية تتم اليوم بالعملات المحلية".
الرؤوس النووية الصينية
وخلال بيان مشرتك للبلدين أصدره الكرملين في 20 مايو، انتقدت الصين وروسيا في الأعمال العسكرية العدوانية في العالم، والضربات العسكرية الغادرة ضد دول أخرى واستخدام المفاوضات كغطاء للتحضير لهجمات واغتيال قادة دول ذات سيادة وزعزعة الاستقرار الداخلي والدفع نحو تغيير الأنظمة بالقوة – في إشارة إلى الضربة العسكرية الأمريكية ضد طهران، موضحا أن هذا يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف البيان أن هذه الممارسات تلحق ضررا لا يمكن إصلاحه بأسس النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنها تقوض مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، موضحا أن مثل هذه التحركات تزيد من عدم الاستقرار العالمي وتفتح المجال لتصعيد التوترات، في وقت تسعى فيه الدولتان إلى تقديم نفسيهما كمدافعين عن نظام دولي متعدد الأقطاب قائم على احترام ميثاق الأمم المتحدة.
وأعربت الصين وروسيا في بيان مشترك عن رفضهما لمشروع الولايات المتحدة الدفاعي الجديد المعروف باسم "القبة الذهبية"، إضافة إلى خطط نشر أسلحة في الفضاء.
كما وجه البيان رسائل غير مباشرة إلى إيران بعد غلقها لمضيق هرمز، حيث دعت الصين وروسيا الدول إلى وقف التدخل الأحادي في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، حيث إن الإجراءات الأحادية التي تتخذها بعض الدول أو التحالفات وتعيق الملاحة الدولية تهدد سلامة سلاسل الإمداد العالمية والتجارة البحرية بشكل عام.
الرؤوس النووية الأمريكية
ووقع الزعيمان بوتين وشي جين بينج على 42 وثيقة تستهدف تعزيز وتعميق العلاقات بين البلدين، تضمنت الإعلان عن تشكيل العالم متعدد الأقطاب، حيث أكدت الوثائق أن نظام العلاقات الدولية في القرن 21 يتحول إلى نظام متعدد المراكز، والعلاقات الروسية الصينية تسهم إسهاما هاما في تعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب عادل ومنصف.
ونص البيان الروسي الصيني المشترك على أن روسيا والصين تمثلان مركزين مهمين للقوى في العالم متعدد الأقطاب، وتضطلعان بدور بناء في الحفاظ على توازن القوى العالمي وتحسين نظام العلاقات الدولية، كما أن التحولات التي يشهدها العالم وتغير موازين القوى الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تسارعت بشكل ملحوظ، حتى باتت الأوضاع الدولية أكثر تعقيدا.
وتبدو موسكو حريصة على الحفاظ على مستوى عال من التنسيق مع التنين الصيني، خاصة في ظل اعتماد روسيا المتزايد على الأسواق الآسيوية والطاقة والتبادل التجاري مع بكين، بعد تراجع العلاقات الاقتصادية مع الغرب.
كما تحمل الزيارة أبعادا تتعلق بالملفات الإقليمية الساخنة، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث تسعى كل من روسيا والصين إلى منع توسع الصراع بشكل يهدد استقرار أسواق الطاقة أو يعيد تشكيل النفوذ الأمريكي في المنطقة بصورة أكبر، وهو ما يدفع الطرفين إلى تعزيز التشاور السياسي خلال هذه المرحلة الحساسة.
وعلى المستوى العسكري والاستراتيجي، تعكس الزيارة استمرار التقارب الروسي الصيني في مواجهة ما يعتبره الطرفان محاولات أمريكية لفرض هيمنة أحادية على النظام الدولي، خاصة في ظل تصاعد التحالفات العسكرية الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ، والضغوط المتعلقة بملف تايوان وأوكرانيا.
التحرك الروسي السريع نحو بكين بعد زيارة ترامب يحمل رسالة غير مباشرة إلى واشنطن، مفادها أن أي محاولة أمريكية لفصل الصين عن روسيا أو إضعاف الشراكة بينهما لن تكون سهلة، وأن البلدين ما زالا ينظران إلى علاقتهما باعتبارها ركيزة أساسية في إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
وتشير الدكتورة لانا بدفان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، إلى أن زيارة بوتين إلى الصين عقب زيارة ترامب تمثل ذروة حراك دبلوماسي واستراتيجي يعكس حجم التنافس بين القوى الكبرى لإعادة صياغة الخارطة الاقتصادية والسياسية الدولية خلال المرحلة الحالية.
وتوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من روسيا، أن هذا التتابع السريع للزيارات يضع بكين في موقع "مركز الثقل الدبلوماسي" عالميا، حيث تسعى الصين إلى ترسيخ نفسها كقوة توازن دولية قادرة على إدارة علاقاتها مع كل من واشنطن وموسكو وفقا لمصالحها الوطنية العليا، دون الانحياز الكامل لأي طرف.
وتضيف أن السياسة الصينية الحالية تقوم على ما يمكن وصفه بـ"الغموض البناء"، من خلال الموازنة الدقيقة بين الشراكة الاقتصادية الضخمة مع الولايات المتحدة، وبين التحالف الاستراتيجي المتنامي مع روسيا، وهو ما يمنح بكين مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية في عالم يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى.
وفيما يتعلق بالشق الاقتصادي، تشير أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو إلى أن روسيا تدرك أهمية الزيارة في حسم ملفات حيوية تتعلق بعقود الغاز والنفط طويلة الأجل مع الصين، خاصة في ظل سعي الكرملين إلى ضمان تدفق عوائد صادرات الطاقة باستخدام العملات المحلية، مثل الروبل واليوان، لتقليل الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي.
وتؤكد أن هذه الملفات تمثل اختبارا حقيقيا لشعار "الشراكة بلا حدود" الذي ترفعه موسكو وبكين، لاسيما أن الصين تتعامل ببراجماتية اقتصادية واضحة، وتسعى دائما لتحقيق أفضل الشروط الممكنة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى، موضحة أن الزيارة تحمل أيضا أبعادا جيوسياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والحرب الأمريكية الإيرانية، حيث تحاول روسيا طرح نفسها كـ"وسيط جيوسياسي ضامن" لأي ترتيبات محتملة لإنهاء التصعيد وتأمين ممرات الطاقة العالمية.
وتشير إلى أن موسكو قد تدفع خلال المرحلة المقبلة نحو مبادرة سلام "روسية – صينية" مشتركة تهدف إلى وقف التصعيد في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف أطراف النزاع، بما يسمح بتقديم بديل دبلوماسي متعدد الأقطاب في مواجهة التحركات الغربية والأمريكية التقليدية.
وفي ملف مضيق هرمز، توضح أن روسيا تدرك حجم القلق الصيني من أي تهديد لحركة الملاحة البحرية، باعتبار أن الصين تعد من أكثر الدول اعتمادا على واردات الطاقة القادمة من الخليج، مشيرة إلى أن موسكو تسعى إلى تقديم شبكة أمان استراتيجية لبكين عبر أكثر من مسار.
وتقول إن المسار الأول يتمثل في زيادة ضخ النفط والغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب البرية الآمنة نحو آسيا، لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة، بينما يتعلق المسار الثاني بإحياء الطرح الروسي الخاص بخطة "الأمن الجماعي في الخليج"، والتي تتضمن إمكانية تسيير دوريات بحرية مشتركة لحماية السفن وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة.
وتؤكد الدكتورة لانا بدفان أن هذه التحركات تعكس سعي روسيا إلى تثبيت نفسها ليس فقط كشريك اقتصادي للصين، وإنما أيضا كشريك أمني واستراتيجي قادر على لعب دور محوري في حماية الممرات الحيوية للاقتصاد الآسيوي، وفي الوقت نفسه تعزيز مكانتها كقوة دولية لا يمكن تجاوزها في إدارة الأزمات الدولية الكبرى.