هيثم الحاج على

بلادي بلادي.. عندما تعزف الكرة لحن الانتماء

الجمعة، 19 يونيو 2026 11:00 ص


بينما كانت المدرجات تضج بالهتافات، انطلق فجأة لحن سيد درويش الخالد بلادي بلادي، ليهز أركان ملعب لومن فيلد في سياتل، معلنا حضور الهوية المصرية في واحد من أكبر المحافل الرياضية العالمية، كأس العالم 2026.

كانت تلك اللحظة التي شارك فيها آلاف من الحضور في الملعب بالإضافة إلى ملايين المشاهدين أمام الشاشات، تجسيدا حيا لكيفية تحول الرياضة إلى منصة ثقافية وسياسية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتصبح مجالا كاملا للحركة الوطنية وتأكيد الحضور الدولي.

لقد تخلصت كرة القدم منذ عقود من سياقها الضيق باعتبارها مجرد لعبة رياضية تمارس من أجل التسلية، وتحولت إلى صناعة استراتيجية وجزء لا يتجزأ من الدبلوماسية العامة للدول، وفي هذه المرة، تجاوز المنتخب المصري تلك النغمة المقيتة التي طالما حاصرت مشاركاتنا السابقة تحت مسمى التمثيل المشرف، وقدم أداء فنيا قويا ومباراة إيجابية كشفت عن تطور ملحوظ في العقلية الرياضية، لكن الأثر الأكبر والأعمق للمباراة لم يصنعه اللاعبون وحدهم فقد صاغه ذلك الحضور الجماهيري الاستثنائي في المدرجات.

آلاف المصريين الذين احتشدوا في الملعب وملأوا الشوارع قبل المباراة وبعدها يضفون روحا مبهجة ويصبغون تلك المدينة بألوان العلم المصري، وبثوا روحا شرقية نابضة في قلب مدينة أمريكية، كل هؤلاء قد نجحوا في تقديم رؤية عالمية مختلفة وحداثية عن مصر، فهذا التفاعل المنظم، والغناء الجماعي الهادر للنشيد الوطني في بداية اللقاء قد مثل تطبيقا عمليا لمفهوم القوة الناعمة، ففي تلك الدقائق المعدودات، اختصر الجمهور المصري رسائل ثقافية وسياسية عجزت قنوات دبلوماسية تقليدية عن إيصالها، مؤكدا بصورة بصرية وصوتية مبهرة على حيوية مصر الحديثة وتحضر أبنائها.
إن النشيد الوطني، بوصفه وثيقة فنية وتاريخية، يمثل ركيزة وطنية بالغة الأهمية وأيقونة للتعبير عن الانتماء، وتكمن عبقرية اللحظة في قدرة هذا اللحن على صهر الفروق وإذابة المسافات، فقد عزز الحفل الكروي فكرة الانتماء الوطني لدى الجمهور بشكل غير مسبوق، سواء لأولئك الذين يعيشون في الغربة ويحتاجون إلى حبل سري يربطهم بالجذور، أو للملايين الذين تسمروا أمام الشاشات في الداخل مستشعرين فخر الهوية.

تتشابك كرة القدم هنا مع الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى والعمارة، فكلها أدوات تبني الصورة الذهنية للأمم، وكما تصنع الرواية أو الفيلم السينمائي سفيرا ثقافيا عابرا للقارات، تصبح ركلة الكرة وعزف النشيد في المحافل الدولية أداة سيادية لترسيخ مكانة الدولة.

إن القيمة الحقيقية للمشاركة في كأس العالم اليوم تتجاوز حسابات النقاط والأهداف، لتكمن في إدراكنا الجماعي بأننا نمتلك طاقة بشرية وثقافية قادرة على صياغة حضور مصري مبهر، يثبت للعالم أن مصر لا تلعب من أجل التواجد فحسب، لكنها تذهب إلى هناك لتترك أثرا حيا يمتد من مدرجات الملاعب إلى عمق الوعي العالمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة