رصدت مجلة «إيكونوميست» البريطانية في تقرير تحليلي أزمة متصاعدة تواجه جماعة الإخوان الإرهابية ، في ظل ما وصفته بانقسامات تنظيمية حادة وتراجع كبير في النفوذ السياسي للجماعة وفروعها في عدد من دول الشرق الأوسط، بالتزامن مع الضغوط الأمنية والسياسية التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة.
وأشار التقرير إلى أن الجماعة انتقلت من مرحلة صعود سياسي لافت عقب أحداث عام 2011 إلى واقع أكثر تعقيدا، بعدما فقدت كثيرا من أدواتها السياسية والتنظيمية، وأصبحت قطاعات واسعة من قياداتها التاريخية بين السجون والمنفى، فيما تراجعت قدرتها على العمل العلني والتأثير في المشهد السياسي بعدد من الدول.
وأوضح التقرير أن الضغوط التي تعرضت لها الجماعة لم تقتصر على المستوى المحلي، وإنما امتدت إلى المستوى الدولي، مع زيادة التدقيق في أنشطتها وشبكاتها ومصادر تمويلها، وفرض قيود وإجراءات ضد عدد من فروعها وقياداتها، الأمر الذي ساهم في تضييق المساحات المتاحة أمام التنظيم للتحرك وإعادة بناء نفوذه.
ولفتت «إيكونوميست» إلى أن واحدة من أبرز أزمات الجماعة تتمثل في الانقسام الداخلي المستمر، خاصة بين قيادات وتيارات ارتبطت بمراكز نفوذ مختلفة في الخارج، وهو انقسام انعكس على مسألة الشرعية التنظيمية، وإدارة الموارد، والسيطرة على المنصات الإعلامية، وتحديد الأولويات السياسية والفكرية للجماعة.
وبحسب التقرير، فإن الخلافات لم تعد مجرد اختلافات في وجهات النظر بين قيادات التنظيم، وإنما تحولت إلى أزمة أوسع تمس قدرة الجماعة على تقديم نفسها باعتبارها كيانا تنظيميا موحدا، في ظل تعدد مراكز القرار وتضارب المواقف والرسائل الصادرة عن المحسوبين عليها.
وأشار التقرير كذلك إلى تصاعد نقاشات داخل التيار المحسوب على الجماعة بشأن مستقبل النشاط السياسي، وظهور أصوات تدفع باتجاه إعادة التركيز على العمل الدعوي والاجتماعي، بدلا من الانخراط المباشر في الصراع السياسي، في محاولة للتكيف مع واقع جديد تراجعت فيه فرص الحضور السياسي المباشر.
وتطرقت المجلة إلى انعكاسات التحولات الإقليمية على الحركات والتنظيمات المرتبطة بفكر الإخوان، مشيرة إلى تراجع حضور التيار في بعض الساحات العربية، وتآكل النفوذ السياسي لحركة النهضة في تونس، إلى جانب التحولات التي طالت حركة حماس في قطاع غزة، وما فرضته التطورات الإقليمية من ضغوط سياسية وأمنية غير مسبوقة على مختلف الأطراف.
ويعكس هذا المشهد، بحسب التقرير، تحولا كبيرا مقارنة بالمرحلة التي أعقبت عام 2011، عندما بدا أن جماعة الإخوان وفروعها أمام فرصة تاريخية لتوسيع حضورها السياسي، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى انحسار نفوذها وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بالمواقع التي وصلت إليها في عدد من الدول.
كما يبرز التقرير أن التحدي الأكبر أمام الجماعة لا يتعلق فقط بالضغوط الخارجية، وإنما أيضا بقدرتها على معالجة الانقسامات الداخلية وإعادة بناء هياكلها التنظيمية وتحديد خطاب جديد يتناسب مع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبذلك، تبدو جماعة الإخوان أمام مرحلة مختلفة تماما عن مراحل صعودها السابقة، إذ تواجه أزمة في النفوذ والقيادة والشرعية الداخلية، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية أكثر تشددا تجاه التنظيمات التي توظف العمل السياسي والديني في إطار واحد.
وأكدت «إيكونوميست» إلى أن مستقبل الجماعة لا يمكن اختزاله في سيناريو الانهيار الكامل أو العودة إلى الصدارة، وإنما يرتبط بقدرتها على تجاوز انقساماتها وإعادة إنتاج أدواتها وخطابها في بيئة سياسية مختلفة، مع اقتراب مئوية تأسيسها، في وقت أصبحت فيه قدرتها على استعادة نفوذها السابق محل شك كبير.