بيشوى رمزى

"الرأسمالية الدولية"

الخميس، 18 يونيو 2026 11:00 ص


عندما اندلعت الحرب الباردة، بدا العالم وكأنه ساحة صراع بين أيديولوجيتين متناقضتين، تمثلت الأولى في الرأسمالية التي قادتها الولايات المتحدة ومعها المعسكر الغربي، بينما تجسدت الثانية في الشيوعية السوفيتية التي قادت الكتلة الشرقية، إلا أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام لا تتعلق فقط بانتصار إحدى الأيديولوجيتين على الأخرى، بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام الذي أفرزه هذا الانتصار، والذي قام في جوهره على مواءمة السياسات الداخلية للدول مع التوجه العالمي الذي أرادت واشنطن ترسيخه بعد الحرب العالمية الثانية.

والمفارقة الملفتة في هذا الإطار تبدو في إدارة التحالف داخل المعسكر الغربي، فعلى الرغم من انتصار الرأسمالية، نجد أن ثمة نظاما دوليا يقوم في الأساس على نموذج  يعتمد على يقوم على مركزية الدعم والحماية، بحيث تتحمل الدولة القائد الجزء الأكبر من الكلفة، مقابل الحفاظ على تماسك المعسكر واستمرار ولاء أطرافه، وهو ما أوجد نمطا من توزيع المزايا داخل الشبكة الدولية يختلف من حيث المنطق عن المبادئ الرأسمالية التقليدية القائمة على العائد والمقابل.

الطرح سالف الذكر يثير تساؤلات ربما تتجاوز الصراع الحالي نفسه نحو أطرافه، حيث لم تعد الخصومة المعلنة بين الغرب وخصومه تمثل الصورة الكاملة للمشهد، بقدر ما تخفي تحتها عملية أوسع لإعادة هيكلة الأيديولوجية التحالفية نفسها، بعدما أصبحت كلفة القيادة أكثر ارتفاعا، بينما بات الحلفاء أكثر قدرة على استثمار المزايا التي حصلوا عليها عبر عقود طويلة، وهو ما يطرح احتمالا بأن الصراع لم يعد يدور فقط بين المعسكرات المتنافسة، وإنما أيضا حول إعادة توزيع الأعباء والمكاسب والأدوار داخل المعسكر الواحد.

فالحرب الباردة قامت، في جانب مهم منها، على منطق التماسك الأيديولوجي داخل المعسكر الواحد، حيث كان الانتماء إلى المنظومة الغربية والولاء لقيادتها يمثلان أساس العلاقة بين أطرافها، بينما كانت الدولة القائد تتحمل الجزء الأكبر من كلفة الحفاظ على هذا التماسك عبر منظومة واسعة من الحماية والدعم والمزايا. أما في اللحظة الراهنة، فإن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تكشف عن إعادة هيكلة لهذه العلاقة، بحيث لم يعد الانتماء إلى المعسكر وحده كافيا لضمان استمرار الامتيازات، وإنما أصبحت قيمة كل طرف مرتبطة بقدرته على إنتاج دور فعلي داخل الأزمات والصراعات، بما يضيف قيمة إلى الشبكة التي ينتمي إليها.

ومن ثم، فإن الصراع الراهن لا يبدو معنيا فقط بإعادة رسم العلاقة مع الخصوم، بقدر ما يحمل في داخله تحولا أعمق يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الحلفاء أنفسهم، عبر انتقالها تدريجيا من منطق الولاء والدعم إلى منطق الجدوى والعائد، وهو ما قد يفسر جانبا من إطالة أمد الأزمات وتعدد ساحاتها، بوصفها بيئة لإعادة توزيع الأدوار والمكانة داخل المعسكر الواحد.

ولعل أبرز ما تكشف عنه الحالة الراهنة هو أننا لم نعد أمام أدوارا تتشابه فيها أطراف المعسكر الواحد، على غرار الماضي، عندما كان يقتصر دورها على مجرد الولاء والانتماء للأيديولوجية والقيادة، وإنما ثمة أدوارا متعددة، يتم توزيعها على الأعضاء، وهو ما يعزز التحول، الذي سبق وأن تناولته في مقالات سابقة، في عمل التحالفات، من نهج المعسكرات، نحو إطار شبكي، حيث يبقى الدور الذي يقوم به كل عضو داخل الشبكة هو المحدد لقيمته داخل المنظومة، فهناك دول باتت تقدم الخدمات العسكرية، وأخرى تضطلع بأدوار لوجستية تتعلق بالممرات وسلاسل الإمداد، بينما تستثمر أطراف أخرى في التكنولوجيا أو التمويل أو الوساطة السياسية، بحيث لم يعد الحليف يقاس بمدى ولائه وحده، وإنما أيضا بقدرته على إنتاج خدمة أو منفعة لبقية أطراف الشبكة.

ومن ثم لم تعد العلاقة داخل المعسكر تقوم على مفهوم الحماية المجانية أو الدعم المطلق، وإنما أصبحت أقرب إلى سوق داخلية لتبادل الأدوار والمصالح، يخضع فيها كل طرف لتقييم مستمر يرتبط بفاعلية ما يقدمه، وهو ما يجعل الحفاظ على المكانة داخل التحالف نفسه عملية ديناميكية لا تقل تعقيدا عن الصراع مع الخصوم الخارجيين.

والواقع أن الجديد في المشهد التحالفي، لا يقتصر على مجرد إعادة توزيع الكلفة بين الأعضاء، وإنما يحول التحالف نفسه إلى منظومة انتاج خدمات عسكرية واقتصادية وسياسية، ف إذا كانت الرأسمالية قد نجحت في خصخصة العديد من الوظائف الاقتصادية داخل الدولة، فإن النظام الدولي قد يشهد اليوم اتجاها مشابها نحو خصخصة بعض وظائف التحالف نفسه، بحيث تتوزع الأدوار بين أطرافه وفقا لمنطق التخصص والعائد، وهو الأمر الذي يجد أسبابه في التغيير الذي طرأ على مفهوم القوة، والذي لم يعد قاصرا على الإمكانات الاقتصادية والعسكرية وإنما بات يحمل وجوها أخرى ربما كانت مهمشة في العقود الماضية، منها الجغرافيا والتي باتت تتداخل مع التكنولوجيا ومصادر الطاقة وسلاسل الإنتاج بالإضافة إلى الثقل السياسي والقدرة على إدارة التوازنات الدولية والإقليمية، وهي الأدوار التي بات من الصعب احتكارها من قبل طرف دولي واحد.

وبالتالي فقد أصبح منطق التخصص أكثر حضورا داخل التحالفات، بحيث تتولى كل دولة القيام بالدور الذي تمتلك فيه ميزة نسبية، بما يحقق أكبر قدر من الكفاءة للشبكة ككل، وهو ما يفسر التحول التدريجي من نموذج القيادة التي تحتكر معظم الوظائف، إلى نموذج تتوزع فيه الأدوار بين أطراف متعددة، وفقا لمنطق القيمة المضافة والعائد الاستراتيجي.

التحول الذي يشهده العالم ليس مجرد إعادة توزيع للأعباء، وإنما بداية لعملية خصخصة جزئية للوظائف الدولية نفسها، بحيث لم تعد الدولة القائد مطالبة بالقيام بكل شيء، بينما لم يعد الحليف مجرد متلق للدعم، وإنما تحول إلى مقدم لخدمة محددة داخل المنظومة، تتحدد قيمته بقدر ما يقدمه من منفعة لبقية أطراف الشبكة، وبالتالي فإن الصراع الحقيقي قد لا يكون حول إعادة رسم خرائط النفوذ بين المعسكرات المتنافسة فحسب، وإنما حول إعادة تعريف طبيعة التحالف ذاته، بعدما انتقل تدريجيا من كيان يقوم على الولاء والانتماء، إلى منظومة أقرب إلى السوق، تتوزع فيها الوظائف والأدوار وفقا لمنطق التخصص والعائد. وفي هذه الحالة، ربما لا يكون التحول الأبرز في النظام الدولي هو انتصار أيديولوجية على أخرى، وإنما امتداد منطق الرأسمالية نفسه إلى إدارة العلاقات بين الحلفاء، بحيث لم يعد الحليف مجرد عضو داخل المعسكر، بل أصبح منتجا لخدمة، تتحدد مكانته بقدر ما يضيفه من قيمة إلى الشبكة التي ينتمي إليها.

وهنا يمكننا القول بأن التحول الذي يشهده النظام الدولي قد يتجاوز مجرد إعادة هيكلة التحالفات أو توزيع الأدوار بين القوى المختلفة، ليعكس مخاض مرحلة جديدة في تطور الرأسمالية ذاتها. فإذا كانت الحرب الباردة قد انتهت بانتصار الرأسمالية العالمية، بوصفها النموذج المهيمن على تنظيم الاقتصاد والسياسة داخل الدول، فإن اللحظة الراهنة قد تكشف عن صعود ما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية الدولية"، حيث لا يقتصر منطق السوق والعائد على إدارة المجتمعات الوطنية، وإنما يمتد إلى تنظيم العلاقات بين الدول والتحالفات نفسها، وهو ما يعني أن الحليف لم يعد مجرد عضو ينتمي إلى معسكر سياسي أو أيديولوجي، وإنما أصبح طرفا ينتج قيمة لبقية مكونات الشبكة، بينما لم تعد الحماية أو المكانة أو التكنولوجيا أو حتى الجغرافيا امتيازات ثابتة، بقدر ما أصبحت أصولا استراتيجية تخضع لإعادة التقييم والتسعير بصورة مستمرة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة