بين ثلاجات الموتى وغرف الإنقاذ.. محمد أبو سلمية طبيب غزة دفن أهله بيد وعالج الجرحى بالأخرى.. مدير مستشفى الشفاء فى حوار لـ«اليوم السابع»: رغم فقدان منزلى وكل ذكرياتى بقيت على رأس عملى لإنقاذ أرواح الآخرين

الإثنين، 01 يونيو 2026 03:00 م
بين ثلاجات الموتى وغرف الإنقاذ.. محمد أبو سلمية طبيب غزة دفن أهله بيد وعالج الجرحى بالأخرى.. مدير مستشفى الشفاء فى حوار لـ«اليوم السابع»: رغم فقدان منزلى وكل ذكرياتى بقيت على رأس عملى لإنقاذ أرواح الآخرين الدكتور محمد أبو سلمية

حوار / أحمد عرفة


<< استشهد أخي وعائلتي ومع ذلك بقيت أداوي جرحى الشفاء
<< استخرجنا الأجهزة الطبية من تحت الركام وقمنا بإعادة تأهيلها أن الاحتلال لم يُدخل أي جهاز لغزة
<< دفنت عائلتى داخل مقبرة بالمستشفى وعدت للعمل واستخرجنا جثة شقيقي وولده بعد شهر من استشهاده
<< رأيت جثث تتحلل داخل المستشفى وتأثرت للغاية من المشهد
<< أجريت عمليات ببتر بعض الأقدام بدون تخدير وتركنا بعض الناس يموتون لأننا لم نستطع إنقاذ الجميع
<< اتخذت قراري بعدم مغادرة مجمع الشفاء إلا مع آخر طفل أو مريض يبقى داخل هذا المستشفى
<< في أول يوم خرجت فيه من السجن الإسرائيلي أعطيت وعدا على نفسي بإعادة مجمع الشفاء الطبي واليوم استعدنا حوالي 60% من المستشفى
<< رغم الحصار والتجويع لم نتخل عن أي مريض أو طفل
<< مشاهد القصف والدمار لم تكسر إرادتي في قيادة مستشفى الشفاء
<< كل يوم كنت أواجه الموت لأجل حياة الآخرين
<< الأطفال الخدج والجرحى كانوا أولوية حياتنا رغم الخطر
<< لم أندم يوما على البقاء مع مرضاي إلى آخر نفس
 

 

في زمن يختلط فيه الدمار بالحياة، والموت بالأمل، يقف أطباء غزة كرموز للصمود الإنساني، حاملين على أكتافهم أعباء ما لا يُحتمل من ألم ومعاناة، ليكونوا حائط الصد الأول والأخير أمام حرب لم يسبق للإنسانية أن شهدت مثلها في هذا المستوى من الفجيعة، فلم يكن عملهم مجرد مهنة، بل عهدا حيا مع الحياة، ورسالة تكتبها القلوب وسط الركام والدماء والدمار.

هؤلاء الأطباء والممرضون، الذين فقدوا أحباءهم وأسرهم على وقع القصف، لم ينهاروا، بل اختاروا أن يكونوا أنقاضا صامدة تحت الدمار، ليخرجوا من بين الركام أرواحا أخرى إلى النور، كانوا يجرون عمليات جراحية بدون تخدير، يبتكرون حلولا معجزية لإنقاذ حياة مئات المصابين في يوم واحد، يداوون الجرحى على الأرض، في الممرات، بين غرف الطوارئ الضيقة، ومع ذلك يواصلون العمل دون كلل أو شكوى، وكأنهم يعيدون تشكيل معنى الإنسانية نفسها في أوقات القسوة المطلقة.

في كل زاوية من المستشفيات، في كل غرفة عمليات، وعلى أرضيات ممتلئة بالمرضى، كانت تُكتب صفحات بطولة لم تعرفها كتب التاريخ، أطباء يتلقون خبر استشهاد أقربائهم، فيستقبلونهم بين المصابين، ويواصلون علاج الآخرين كأن شيئا لم يحدث، يبنون الجسور بين الحياة والموت كل يوم، ويمارسون التضحية بلا نهاية، حيث يتعارض القلب والعقل مع الواجب الإنساني، لكن الخيار الوحيد هو الاستمرار.

هنا تتجلى الإنسانية في أسمى صورها، أطفال يُنقذون من الموت، نساء حوامل تُنقذ حياتهن رغم كل الظروف، جروح تُداوى، أرواح تُخفف عنها، والمستشفيات تتحول إلى معاقل صمود حية، بينما العالم يراقب أحيانا بصمت، والطواقم الطبية في غزة لم تحفظ حياتها فقط، بل حفظت معنى الإنسانية، وحولت الألم إلى عزيمة، والفقد إلى قوة، والخراب إلى فعل مستمر من أجل الآخرين.

هذا الحوار ليس مجرد قصة حرب، بل شهادة على الصمود الذي لا ينكسر، على تضحيات لم تقاس بالوقت أو الجهد، بل بالروح التي بقيت صامدة وسط الصواعق، على أطباء اختاروا مواجهة الموت من أجل أن تبقى الحياة، على قلوب امتدت إلى كل من يحتاجهم، حتى عندما كانت عائلاتهم تموت أمام أعينهم، إنها قصة من رحم المأساة، عن أبطال لم يعرفوا الراحة، ولم يعرفوا الاستسلام، عن إنسانية لم تموت رغم كل ما اجتاح الأرض من قسوة.

في هذا الحوار، نغوص مع الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي وأحد الرموز الفلسطينية خلال فترة الحرب، في تجربة أطباء غزة، الذين تحولوا إلى ركائز صمود، وأيقونات بطولات صامتة، أظهروا للعالم أن الإنسانية يمكن أن تشرق حتى في أكثر اللحظات ظلاما، والعطاء يمكن أن يستمر رغم الألم والفقد، والقلب الذي لا ينكسر قادر على إنقاذ أرواح الآخرين، حتى لو كان محاصرا بالدمار والخراب، حيث يكشف تجرته الصعبة فبي فقدان العائلة خلال عمله داخل المستشفى، وفترة اعتقاله الصعبة والتحديات التي واجهها مع زملائه لعلاج آلاف الجرحى والمرضى وغيرها من القضايا والموضوعات في الحوار التالي..

الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي
الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي

 

 

عانيت كطبيب ومدير مستشفى في غزة من أوضاع غير إنسانية خلال الحرب.. كيف مر عليك العدوان؟

للأسف هذه الحرب تختلف عن كل الحروب التي خاضتها غزة قبل ذلك، بمعنى أننا أعددنا خططنا للطوارئ، ولكن ما حدث بعد 7 أكتوبر يفوق ما أعددنا له من خطط الطوارئ، كنا نستقبل في اليوم مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وفي يوم من الأيام في الأيام الأولى للحرب وصل عدد الشهداء إلى 1000 شهيد خلال 24 ساعة، وأكثر من 3000 جريح في يوم واحد، وبالطبع هذه الأرقام تفوق بكثير قدرتنا الاستيعابية داخل المستشفيات، خاصة داخل مجمع الشفاء الطبي، وبالتالي هذا العدوان مختلف تماما عما عشناه في الجرائم الإسرائيلية التي ارتكبتها ضدنا قبل ذلك.

استشهد العشرات من عائلتك خلال الحرب وكنت على رأس عملك في مستشفى الشفاء.. كيف تلقيت هذا الخبر؟
 

أنا كباقي كل الزملاء في القطاع الصحي في غزة، كنا نستقبل الكثير من عائلة عوائلنا من الشهداء، وكما استقبل الكثير من عوائل الطواقم الطبية شهدا، وأنا على رأس عملي في هذا اليوم، تم الاتصال بي هاتفيا بأنه تم قصف بيتكم في مخيم الشاطئ، ونحن إلى الآن لا نعرف ما هو حجم الإصابات والضرر الموجود داخل هذا المكان.

كم عدد الضحايا من أسرتك؟

بعد أقل من نصف ساعة من الاتصال، تفاجأت باستشهاد أخي وأولاده الاثنين وزوجته واثنين من أطفاله، وأيضا تعرض البيت الذي كنت فيه لدمار شامل، وأصيبت أختي وابنتاها الاثنتان، وأصيب ابن ابن أختي الرابع، وبالتالي كان هناك حوالي ستة من الشهداء وأكثر من 10 من الإصابات.

ماذا فعلت حينما علمت أن أسرتك جاءت إلى المستشفى بين شهيد ومصاب؟

وقع خبر علي كالصاعقة، خبر مؤلم جدا أن تستقبل أفراد عائلتك وأنت على رأس عملك، أن تتفقد المصابين والجرحى، وتتفاجأ بأنهم هم المصابون والجرحى، موقف لا نحسد عليه كطواقم طبية، ولكننا مجبرون أن نبقى على رأس عملنا.

محمد أبو سلمية
محمد أبو سلمية

 

كيف استطعت الاستمرار في عملك رغم فاجعة استشهاد عائلتك؟

الخبر كما ذكرت كان مفجعا صراحة، حمدت الله سبحانه وتعالى، وذهبت بعائلتى الشهداء إلى مكان ثلاجات الموتى، وأخذت في علاج المصابين منهم داخل غرف العمليات وقسم القبال والطوارئ، وتم علاج البعض، وبعد ذلك ذهبت إلى ثلاجات الموتى، وتمت الصلاة عليهم ودفن ما تبقى ممن وصل إليهم داخل مجمع الشفاء الطبي، لأن المقبرة التي كانت بالقرب من المستشفى لم تكن متوفرة، لأن الاحتلال يحاصرها بكل الدبابات، ولم نستطع دفنهم خارج المجمع، فبالتالي تم دفنهم داخل مجمع الشفاء الطبي، وبقي أخي وولد من أولاده تحت الركام حتى تم انتشاله بعد حوالي شهر.

هل استطعت توديع عائلتك قبل استهداف الاحتلال لها؟

فراق الأهل شيء صعب للغاية، والإخوة وأولاد الإخوة والأخوات، شيء ليس بالسهل على الإنسان أن يفقد عزيزا وحبيبا عليه، ولكن هذا قدرنا في غزة، الكثير من أهلنا في القطاع فقدوا الكثير من عوائلهم في هذه الحرب المجنونة، وليس لنا أن نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وعسى الله سبحانه وتعالى أن يبدلنا خيرا منهم، أمور صعبة أن تودع عائلتك وأن تدفنهم داخل المستشفى، ولا تستطيع أن تحضر الآخرين من تحت الأنقاض، شيء مؤلم جدا على النفس البشرية، وأنت مُطالب أيضا أن تبقى على رأس عملك وتقود المنظومة الصحية داخل مجمع الشفاء الطبي دون أن تنكسر، فهذه كانت من الأشياء المفارقات العجيبة، الله سبحانه وتعالى أعطاني صبرا كبيرا حتى أتحمل هذه الفاجعة.

فقد منزلك خلال العدوان.. ما هي أبرز الذكريات التي فقدها خلال تلك الحرب والتي جمعت بمنزلك؟

فقدنا بيت العائلة وبيت الطفولة وبيت الذكريات، كل الذكريات في هذا المكان، كانت لدينا ذكريات كثيرة في هذا المنزل، عشنا فيه طفولتنا وعشنا فيه مع أطفالنا، ولدينا فيه ملابسنا وأغراضنا وكل شيء داخله، وهذا الأثاث وبيت العائلة الذي كان يضم الجد والجدة والجميع، هذا تم فقده وأصبح ركاما تماما، كل هذه الذكريات وحتى الكتب التي درسنا فيها في الطب، وأيضا الكتب التي درسنا فيها كل شيء، ذهبت تحت هذا الركام، الوضع صعب للغاية أن تفقد هذه الذكريات كلها.

الدكتور محمد أبو سلمية تحت ركام منزله المدمر
الدكتور محمد أبو سلمية تحت ركام منزله المدمر

 

مستشفى الشفاء شهدت اقتحامات واستهدافات عدة.. كيف تعاملتم مع هذا الأمر؟
 

مجمع الشفاء، من أيام الحرب الأولى، والاحتلال شيطن هذا المستشفى، وعمل بروباجندا أن هذا المستشفى يحتوي على المقاومة، وكان يريد دمارا له، ودخلت القوات الإسرائيلية المجمع وحصاره في 10 نوفمبر 2023، وفي هذا الحصار قطع عنا الكهرباء والماء والأكسجين، وفقدنا الكثير من الأرواح، وتعاملنا بما نستطيع حتى نحافظ على الكم الأكبر من الجرحى والمرضى، وبالفعل حافظنا على الأطفال الخدج، ونقلناهم إلى مصر ، وتم الاعتناء بهم في جمهورية مصر العربية وعودتهم إلى غزة، وهنا لابد أن نسجل شكرا لأهلنا المصريين على الاعتناء بالأطفال الخدج وعودتهم إلى أهلهم سالمين غانمين بعد أن كنا نفقدهم، هذه من الأشياء التي لا أنساها تماما، وأنا الذي صورت الأطفال في حين كنا محاصرين داخل مجمع الشفاء الطبي، وأرسلت الفيديوهات إلى العالم كله ليرى مدى جريمة إسرائيل في هذا الحصار.

الدكتور محمد أبو سلمية أمام مجمع الشفاء الطبي بعد تدميره
الدكتور محمد أبو سلمية أمام مجمع الشفاء الطبي بعد تدميره

 

كيف أثر اعتقال الاحتلال عليك؟

الاعتقال كان تجربة سيئة من يوم اعتقالنا في 22 نوفمبر إلى أن خرجنا.

الدكتور محمد أبو سلمية بعد خروجه من المعتقل
الدكتور محمد أبو سلمية بعد خروجه من المعتقل

 

هل حاول الاحتلال تهديدك مرة أخرى بعد أن اعتقلك في المرة الأولى خلال بداية العدوان؟

تعذيب وتعرض لإهانات بكل ما تحويه الكلمة من معنى، والاحتلال حاول أكثر كسر عزيمتنا وإرادتنا وصمودنا، وأراد عندما دمر مجمع الشفاء الطبي أن يتفاخر بأنه دمر المستشفى، وقال لى داخل المعتقل "حتى لو خرجت من السجن لن تجد هذا المجمع يعمل"، وأنا كنت أقول له: "لا، سنعمر مجمع الشفاء الطبي"، والحمد لله رب العالمين نحن الآن نعمره.

تعرضت داخل المعتقل لعمليات تجويع ممنهجة.. كيف تعاملت مع هذا الوضع؟

تعرضنا لعملية تجويع ممنهجة والعطش، والتعذيب، وأصابنا المرض، لم يكون الاحتلال يعطينا حتى الأدوية كي نتناولها لعلاج هذا المرض، على سبيل المثال أنا مريض ضغط، والطواقم الطبية الإسرائيلية كانت تعتدي علينا، وبالتالي كانت تجربة الاعتقال سيئة، ولكن خرجنا بحمد الله وعدنا إلى مجمع الشفاء الطبي، والآن نحن نبنيه من جديد ونتعامل مع كل المرضى والجرحى.

ما هي أصعب اللحظات عليك خلال العدوان بخلاف استهداف أسرتك؟

الجراح التي كنا نراها في بداية الحرب كانت أشياء صعبة للغاية.

ما هي أصعب حالة مرضية تعاملت معها خلال العدوان؟

كنا نرى الأجسام ممزقة، وأطرافا ممزقة، وجثثا بدون رؤوس، ونساء حوامل مبتورات البطون.

كيف كنتم تتعاملون كأطقم طبية عندما حاول الاحتلال استهداف المستشفى أو محيطها؟

كانت الأمور صعبة جدا جدا، وكل الحالات التي كنا نتعامل معها كانت حالات حروق كبيرة وعالية للغاية، ولا يمكن للطواقم الطبية أن تتعامل مع هذه الأعداد الكبيرة.

هل اضطررتم لعمل مقابر جماعية للشهداء بسبب كثرة الضحايا؟
 

في الحصار، بالفعل كان عدد الشهداء حوالي 350 شهيدا يوميا، وتعفنت جثثهم داخل مجمع الشفاء الطبي ونحن محاصرون، وبالتالي قمنا بدفن حوالي 100 داخل المستشفى في مقبرة جماعية، وباقي الجثث أخذها الاحتلال، ولا أعرف إلى أين أخذها، وكان هناك وضع مأساوي عندما ترى الجثث تتحلل، وكان المطر يسقط عليها، وبدأت الروائح تخرج، والمشاهد متعبة للغاية، ولا يمكن أن يتصور العقل أنه يمكن في أي يوم من الأيام أن أرى هذه المناظر وأن أبقى صابرا عليها، مشاهد قاسية وصعبة.

الدكتور محمد أبو سلمية داخل مجمع الشفاء الطبي خلال الحرب
الدكتور محمد أبو سلمية داخل مجمع الشفاء الطبي خلال الحرب

 

كيف كنتم تعملون على علاج المصابين والمرضى في ظل نقص الإمكانيات الطبية والأدوية؟

كنا نعالج المرضى والجرحى بما نمتلك من إمكانيات بسيطة، كنا نفاضل بين المرضى والجرحى، ونضع المرضى في الغرف وعلى الأرض، لم نستطع علاج كل المرضى، كنا نفقد الكثير من الجرحى، وكان بالإمكان إنقاذ حياتهم، ولكن الأعداد الكبيرة التي كانت تأتي إلينا تفوق قدرة الاستيعاب.

صف لنا مشهد علاج المرضى في الممرات بسبب نقص الأسرة؟

عندما ترى أن المرضى في الطرقات، على سبيل المثال قسم به 50 سريرا، ولكن يوجد به 300 مريض، فكيف يمكن أن نضعهم؟ لا يمكن إلا على الأرض وعلى الكريدورات، فبالتالي كان هذا الوضع صعبا جدا لدينا.

هل اضطررت خلال عملك إجراء عملية بدون تخدير؟

بالفعل.. كنا نعمل عمليات بدون تخدير في بعض الحالات، ونقوم ببتر بعض الأقدام وبعض الأرجل بدون تخدير، وكنا نترك بعض الناس يموتون لأننا لم نستطع إنقاذ الجميع، كنا نريد أن ننقذ أكبر عدد ممكن من الجرحى والمرضى، ولكن لا نستطيع إنقاذ الجميع، فبالتالي كانت لحظات صعبة للغاية على الطاقم الطبي أن يترك هذا المريض يموت أو أن يقطع هذا القدم لأنه يريد أن ينقذ حياته، فكانت من الأشياء النفسية الصعبة على الطاقم الطبي التعامل مع هذه الحالات الكثيرة جدا.

 

لماذا رفضت النزوح إلى الجنوب بعد العملية العسكرية الشاملة التي شنها الاحتلال على شمال غزة؟

منذ اللحظة الأولى عندما تلقينا تهديدات الاحتلال بالخروج أو بإخلاء المجمع، كانت لدي قناعة كبيرة، واتخذت قرارا أنني لن أغادر هذا المجمع إلا مع آخر طفل أو مريض يبقى داخل هذا المجمع، وبالفعل كان هذا قراري، وكنت متمسكا به تماما، وكان لدينا من الطواقم الطبية حوالي 200 تقريبا في المرة الأولى، وحوالي أكثر من 700 مريض، وكان هناك نازحون، واتخذنا قرارا أن نبقى في هذا المجمع إلى أن خرج الكثير من الطواقم الطبية يوم 18 نوفمبر 2023، وبقيت أنا وحوالي عشرة فقط من الطواقم الطبية نرعى الأطفال الخدج والجرحى والمرضى، إلى أن تم إخلاء الجرحى الخدج في 19 نوفمبر، وبعد ذلك إخلاء الجرحى والمرضى، وكنا في طريقنا إلى مستشفى غزة، وتم اعتقالنا في هذا المكان، فبالتالي أنا لا أندم، ولو تكرر هذا الأمر سأبقى مع مرضاي إلى آخر نفس، فهذه مهنة إنسانية أقسمنا عليها أن نبقى مع مرضانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الدكتور محمد أبو سلمية
الدكتور محمد أبو سلمية

 

كيف عملت على إعادة تأهيل مستشفى الشفاء بعد وقف العدوان؟

بعد خروجي من السجن، وفي أول يوم خرجت فيه أعطيت وعدا على نفسي أن أقوم بإعادة مجمع الشفاء الطبي، واليوم الحمد لله رب العالمين استعدنا حوالي 60% من المستشفى، الذي يقدم خدماته لأهلنا الآن في شمال القطاع من غرف عمليات وغسيل كلى وغرف مبيت وكل ما يلزم أهلنا، بالطبع في ظل إمكانيات صعبة وقليلة الآن، ونحتاج إلى الكثير من الأدوية والمستهلكات الطبية وكل شيء، والأجهزة التي قمنا باستخراجها من تحت الركام قمنا بإعادة تأهيلها مرة أخرى، لأن الاحتلال لم يُدخل أي جهاز طبي إلى غزة.

كيف يؤثر نقص السولار على تشغيل المولدات والأجهزة الطبية داخل المستشفى؟

هناك مشاكل كثيرة كنا نعاني منها، مشاكل الصيانة ونقص السولار ومشاكل زيوت المولدات وانقطاع الكهرباء وانقطاع المياه، وهذه المشاكل كانت تعيق عملنا في الطواقم الطبية، لكن طواقمنا الطبية كانت على قدر الحدث، وكانت تقوم بما يلزم حتى نحافظ على أهلنا.

وفود طبية من مختلف دول العالم جاءت لغزة لتساعد الأطقم الطبية.. ماذا تقول لهم؟ وهل هناك قصص جمعتك بهم؟

تأتي إلينا الكثير من الوفود الطبية ونتعامل معها، ولكن كل شهادات الوفود الطبية تقول لنا إننا لم نر في العالم كله كما رأينا في الطواقم الطبية في غزة، وأنتم تسجلون قصصا للتاريخ في صمودكم وفي التعامل مع الحالات وفي التعامل مع كل ما يجري في القطاع، نحن لا نستطيع العمل في هذه البيئة التي تعملون فيها، أنتم تعملون وتنقذون الأرواح بشكل كبير، وكانت هذه الشهادات تعطينا نوعا من العزيمة والإصرار، وكان كثير من الطواقم الطبية تأتي من الإخوة في مصر الشقيقة، وكانت هناك قصص كثيرة جمعتنا بهم، والحمد لله رب العالمين.

ما هي أصعب القصص الإنسانية التي عايشتها مع الأطقم الطبية في المستشفى خلال الحرب؟

بالطبع هناك من القصص المؤثرة صراحة عندما جاء إلي طبيب وقال: دكتور محمد، أريد فقط سيارة إسعاف لمدة ساعتين، فسألته لماذا؟ فقال: لأن أبي وأمي تم قصفهما، أريد أن أدفنهما ثم أعود إلى المستشفى لإكمال عملي، هذه النماذج هي أبشع ما رأيناه، وهي أيضا بطولاتنا، كان الطبيب يستقبل أهله أو الممرض يستقبل أهله شهداء وجرحى، يقوم بدفنهم ومعالجتهم ثم يعود إلى عمله مرة أخرى، وهذا ما أعطانا صمودنا، وهذا ما أعطانا القوة، وأعتقد أن تجربة الطب في غزة التي عاشت هذا العدوان ستكون مؤرخة في التاريخ، إذ لم يحدث في التاريخ الإنساني ما مر به القطاع الصحي لدينا.

ما الذي تحتاجه مستشفى الشفاء الطبي لتعود كما كانت قبل الحرب؟

مجمع الشفاء الطبي الآن نقوم بإعادة إعماره من جديد، ولكن نحتاج إلى إدخال مواد الإعمار من الباطون والإسمنت حتى نعيد المستشفى التي هُدمت تماما، ونحتاج أيضا إلى إدخال الأجهزة الطبية والمواد الطبية وفتح المعابر على مصراعيها، ودخول الوفود الطبية، حتى نتمكن من إعادة هذا المستشفى إلى ما كان عليه سابقا قبل تدمير هذا العدوان، فالمجمع يعد عنوانا وعصب المنظومة الصحية في غزة، وهو قلب المنظومة الصحية، وأكبر مستشفى في فلسطين بشكل عام، ويخدم أهلنا في جميع أنحاء القطاع، وبإذن الله سيعود كما كان بدعم الجميع، وبدعم الإخوة المخلصين، وبدعم القيادة المصرية والشعب المصري، والضغط على الاحتلال والعالم لفتح المعابر وإدخال ما يلزم حتى نتمكن من علاج جرحانا ومرضانا كما كان سابقا.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة