شحاتة زكريا

الاقتصاد الوطنى بين ثقافة الاستهلاك وفلسفة الإنتاج

الإثنين، 01 يونيو 2026 06:59 ص


ليست الأمم العظيمة تلك التى تملك أكثر مما يملك غيرها، وإنما تلك التى تعرف كيف تحول ما تملك إلى قوة. فالتاريخ لم يكن يوما دفترا لحصر الثروات بل سجلا لمن أحسنوا استثمارها. وكم من دولة فقيرة فى مواردها أصبحت قوة اقتصادية عالمية وكم من دولة أغدقت عليها الطبيعة كنوزها لكنها بقيت أسيرة التخلف والعجز.. الفارق الحقيقى لم يكن فى حجم الثروة بل فى طبيعة العقل الذى يديرها. عقل يؤمن بالإنتاج وعقل يكتفى بالاستهلاك.. وفى عالم اليوم حيث تتسابق الأمم على امتلاك التكنولوجيا والمعرفة والأسواق لم يعد السؤال: ماذا نملك؟ بل أصبح: ماذا ننتج؟، فالأمم لا تقاس بما تستورده من سلع وإنما بما تضيفه إلى العالم من قيمة. وكلما ارتفعت قدرة الدولة على الإنتاج ارتفعت قدرتها على حماية قرارها الاقتصادى والسياسى معا.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أى مجتمع أن تتحول ثقافة الاستهلاك فيه من سلوك اقتصادى طبيعى إلى نمط تفكير شامل. عندها لا يصبح الإنسان مشغولا بما يبدعه بل بما يقتنيه. ولا بما يصنعه بل بما يشتريه. وتتحول الأسواق إلى بوصلة للأحلام بينما تتراجع قيمة العمل والإنتاج والإبداع.


لقد نجحت الآلة الإعلامية الحديثة ومعها وسائل التواصل الاجتماعى فى صناعة نموذج إنسانى جديد يقيس نجاحه بعدد ما يملك لا بحجم ما ينجز. أصبح كثيرون يتابعون حياة الآخرين أكثر مما يتابعون تطوير حياتهم. وأصبحت الرغبات تتكاثر أسرع من القدرات فتتسع الفجوة بين ما نحتاجه وما نشتهيه.. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.. فالاستهلاك فى حد ذاته ليس عيبا بل ضرورة من ضرورات الحياة. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المجتمع مستهلكا أكثر مما ينبغى ومنتجا أقل مما يجب. حينها تتآكل الموارد وتتزايد الضغوط على الاقتصاد وتصبح التنمية أشبه بمن يحاول ملء إناء مثقوب.


إن فلسفة الإنتاج لا تعنى فقط إقامة المصانع أو زيادة الصادرات وإنما تعنى بناء إنسان مختلف. إنسان يؤمن أن قيمة الفرد فيما يضيفه لا فيما يمتلكه. إنسان يرى فى العمل رسالة وفى الإتقان شرفا وفى المعرفة استثمارا طويل الأجل.
ولذلك فإن معركة الإنتاج تبدأ قبل أن تصل إلى خطوط التصنيع. تبدأ فى المدرسة التى تغرس قيمة العمل. وفى الجامعة التى تصنع المهارة. وفى الأسرة التى تربى أبناءها على الاعتماد على النفس. وفى الإعلام الذى يسلط الضوء على أصحاب الإنجازات الحقيقية لا على مشاهير اللحظة العابرة.. إن الدول التى غيرت مصيرها لم تبدأ بالمال بل بدأت بالوعي. فاليابان خرجت من تحت ركام الحرب لتصبح واحدة من أكبر القوى الاقتصادية. وكوريا الجنوبية انتقلت خلال عقود قليلة من الفقر إلى الريادة الصناعية والتكنولوجية. ولم يكن السر فى المعجزات بل فى الإيمان بأن الإنتاج هو الطريق الأقصر إلى الكرامة الوطنية.. وفى مصر تبدو هذه القضية أكثر إلحاحا من أى وقت مضى. فالعالم يمر بتحولات اقتصادية عميقة وسلاسل الإمداد العالمية لم تعد مستقرة كما كانت والمنافسة أصبحت أكثر شراسة.


وفى مثل هذه الظروف لا تملك الدول رفاهية الاعتماد على الخارج فى كل شيء.. من هنا تبرز أهمية توطين الصناعة وتعميق التصنيع المحلى وتشجيع المشروعات الإنتاجية ودعم الابتكار وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فكل مصنع جديد ليس مجرد مبنى بل فرصة عمل وخبرة متراكمة. وخطوة نحو اقتصاد أكثر صلابة. وكل منتج محلى ناجح ليس مجرد سلعة بل رسالة تقول إننا قادرون على المنافسة.. لكن النجاح فى هذه المعركة لا يتحقق بالقرارات وحدها. فالقوانين والسياسات تفتح الأبواب أما العبور الحقيقى فيصنعه المجتمع. يصنعه المستثمر الذى يغامر بالإنتاج بدل المضاربة. والعامل الذى يتقن عمله. والمستهلك الذى يمنح المنتج الوطنى فرصة عادلة. والباحث الذى يحول فكرته إلى مشروع. والشاب الذى يختار طريق الإبداع بدل انتظار الفرصة.. إن القضية فى جوهرها ليست قضية اقتصاد فقط بل قضية حضارة.


فالحضارات لم تبن بالاستهلاك وإنما بالإنتاج. ولم تصنع مكانتها بالاستيراد وإنما بالابتكار والعمل والمعرفة.. ولهذا فإن السؤال الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: ماذا نريد أن نستهلك غدا؟ بل ماذا نريد أن ننتج؟ لأن الفرق بين الأمم الصاعدة والأمم المتعثرة يبدأ من هنا.. فى النهاية يبقى الإنتاج أكثر من مجرد أرقام فى تقارير اقتصادية. إنه تعبير عن إرادة شعب. وعن ثقته فى نفسه وعن قدرته على صناعة مستقبله. فالأوطان التى تنتج تمتلك قرارها وتحمى كرامتها وتمنح أبناءها الأمل. أما الأوطان التى تكتفى بالاستهلاك فإنها تظل دائما فى انتظار ما يصنعه الآخرون.. وما بين ثقافة الاستهلاك وفلسفة الإنتاج يتحدد مصير الأمم وتُكتب فصول المستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة