فاتورة القرن.. ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟ 1.. 100 مليار دولار ضائعة و87 مليون إنسان في مهب الريح.. 14 مليون برميل نفط مفقود يوميا وارتفاعات قياسية للطاقة.. و24 مليون طن غاز مهددة بسبب الحملة العسكرية

الإثنين، 03 أغسطس 2026 07:00 م
فاتورة القرن.. ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟ 1.. 100 مليار دولار ضائعة و87 مليون إنسان في مهب الريح.. 14 مليون برميل نفط مفقود يوميا وارتفاعات قياسية للطاقة.. و24 مليون طن غاز مهددة بسبب الحملة العسكرية الحرب الأمريكية الإيرانية

تحقيق / أحمد عرفة

 

- لغة التهديد الأمريكية تتحول إلى أزمة طاقة في أوروبا ومجاعة في القارة السمراء

- خبير طاقة أردني:أي تعطل لإمدادات الخليج ينعكس على الكهرباء والصناعة والغذاء والتضخم العالمي

- عدم حدوث الحرب كان سيجنب تصدع تاريخي داخل حلف الناتو

- مدير مركز بروكسل الدولي: غياب الحرب كان سيبقي الخلافات عبر الأطلسي في إطار سياسي بدلا من أزمة ثقة

- باحث بمعهد واشنطن: عدم توجيه ضربة عسكرية كان سيمنح واشنطن فرصة لتحقيق أهدافها بأدوات أقل تكلفة

- بريد البنتاجون المسرب وحرب الظل.. مغامرة ترامب العسكرية وضعت بريطانيا وإسبانيا على مقصلة العقوبات الأمريكية

- عضو بالحزب الجمهوري: الحرب حققت مكاسب استراتيجية محتملة لكنها فتحت بابا لخسائر اقتصادية وأمنية

- مليارا دولار يوميا للحرب مقابل 23 مليارا لإنقاذ 87 مليون إنسان

- خبيرة الشأن الإيراني: الحرب عمقت اعتماد طهران على التحالفات الشرقية وأغلقت فرص الانفتاح على الغرب

- 300 مليار دولار خسائر إيران و25 مليارا على واشنطن ومئات المليارات على الاقتصاد العالمي

في 20 أبريل الماضي، أعلن توم فليتشر، رئيس الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، أن مبلغ ملياري دولار الذي كان ينفقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسبوعيا على حربه  التي وصفها بالمتهورة في إيران كان من الممكن أن يمول إنقاذ أكثر من 87 مليون شخص، محذرا من أن تطبيع اللغة العنيفة، مثل التهديد بقصف إيران وإعادتها إلى العصور الحجرية، أمر خطير للغاية لأنه يشجع كل طامح إلى الحكم المطلق على استخدام تهديدات وتكتيكات مماثلة، بما في ذلك تدمير المدنيين والبنية التحتية المدنية.

ونقلت صحيفة الجارديان البريطانية - حينها - عن رئيس الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، قوله: "يتم إنفاق مليارا دولار يوميا خلال هذا الصراع، هدفي بالكامل لخطة ذات أولوية قصوى لإنقاذ 87 مليون شخص هو 23 مليار دولار، كان بإمكاننا تمويل ذلك في أقل من أسبوعين من هذه الحرب المتهورة، أما الآن، بالطبع، فلا يمكننا ذلك".

تقرير الجارديان حول تصريحات رئيس الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة عن حرب أمريكا وإيران
تقرير الجارديان حول تصريحات رئيس الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة عن حرب أمريكا وإيران

وأشار إلى أن الحرب في إيران لها تأثير مضاعف في جميع أنحاء العالم، متوقعا أنه مع وصول التضخم في أسعار الغذاء والوقود إلى ما يقرب من 20٪، "سنشعر بالتأثير لسنوات في أفريقيا، وبالتحديد جنوب الصحراء الكبرى وشرق أفريقيا، مما يدفع المزيد من الناس إلى الفقر"، كما وصف علاقات الأمم المتحدة مع إدارة ترامب بأنها رحلة متقلبة للغاية.

مع الأرقام الضخمة التي أعلن عنها رئيس الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، يصبح من الضرورى طرح هذا السؤال " ماذا إذا لن يشن ترامب هجوما عسكريا على إيران؟"، فالتداعيات الخطيرة لهذه الحرب عالميا جعلت الجميع يفكر في ما الذي كان سيوفره العالم من أموال وثروات حال عدم نشوب تلك الحملة العسكرية، فالاقتصاد العالمي كان سيتجنب فاتورة اقتصادية وعسكرية وتجارية ضخمة فرضتها حالة عدم الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والتجارة، فمضيق هرمز، الذي كان سيظل ممرا آمنا للتجارة الدولية، ينقل نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط ونحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملا مباشرا لرفع تكاليف الطاقة والتضخم عالميا.

أي فقدان طويل الأمد للإمدادات الخاصة بالطاقة، كان سيؤدي إلى خسارة ما بين 5% و9% من صادرات النفط والغاز العالمية خلال عام 2026 وفق سيناريوهات اقتصادية، مع إمكانية ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل في حال تضرر منشآت الطاقة واستمرار الأزمة، وهو مستوى كان سيضيف أعباء ضخمة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خاصة في أوروبا وآسيا.

وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن خسائر الإمدادات بسبب الحرب تجاوزت في ذروتها 14 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل حوالي 13.6% من الطلب العالمي المتوقع على النفط البالغ 103.3 مليون برميل يوميا هذا العام، حيث إن هذا الرقم يفوق بكثير ذروة الخسائر التي بلغت 4.5 مليون برميل يوميا خلال حظر النفط العربي في الفترة بين عامي 1973 و1974، و5.6 مليون برميل يوميا خلال الثورة الإيرانية، و4.3 مليون برميل يوميا خلال حرب الخليج عام 1991.

وتسبب الصراع أيضا في وقف ما يقرب من خمس الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال في قطر، فيما أشارت وكالة أرجوس ميديا لتقييم الأسعار، أن الحرب أدت إلى انقطاع حوالي 24 مليون طن من إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الدوحة وأبو ظبي.

غياب الحرب كان كذلك سيجنب الأسواق مخاطر فقدان ملايين البراميل من الإمدادات اليومية، وهي صدمة تسببت في ارتفاع أسعار النفط بعشرات الدولارات للبرميل، وكانت دول العالم ستوفر مليارات الدولارات من تكاليف التأمين البحري والشحن وإعادة توجيه الناقلات بعيدا عن مناطق الخطر، فالطاقة لا تؤثر فقط على أسعار الوقود، وإنما تنتقل تداعياتها إلى الكهرباء والصناعة والنقل والغذاء والأسمدة والبتروكيماويات، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على دخول المستهلكين وميزانيات الحكومات.

أما عسكريا، فكان عدم اندلاع الحرب سيجنب الدول المشاركة نفقات العمليات العسكرية وتعزيز الانتشار البحري والجوي وحماية الممرات الاستراتيجية، في وقت بلغ فيه الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسيا قدره نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025 وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، مع استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية.

ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟
ماذا لو لم يشن ترامب حربا على إيران؟

وعلى المستوى التجاري، كان استمرار أمن الملاحة في الخليج سيحافظ على انسيابية واحدة من أهم طرق التجارة العالمية، ويجنب الشركات خسائر مرتبطة بتأخر الشحنات وارتفاع أقساط التأمين واضطراب سلاسل الإمداد، خاصة أن أي تهديد لمضيق هرمز ينعكس سريعا على حركة التجارة بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، وبذلك، فإن عدم اندلاع الحرب كان سيحافظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويوفر على الحكومات والشركات والمستهلكين تكلفة أزمة جديدة، كان يمكن أن تعيد الاقتصاد العالمي إلى دائرة التضخم وارتفاع أسعار السلع وتراجع النمو، في وقت كانت فيه معظم الاقتصادات لا تزال تسعى إلى تجاوز آثار أزمات سابقة.

عدم اندلاع الحرب كان سيجنب الاقتصاد العالمي فاتورة محتملة تقترب من 100 مليار دولار في حال استمرار غلق مضيق هرمز، ومئات المليارات في حال استمرار الأزمة وتأثيرها على الطاقة والتجارة والنمو العالمي، فضلا عن تجنب موجة جديدة من التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والصناعة والنقل.

خسائر اقتصادية كبرى

في هذا السياق يرى الدكتور عامر الشوبكي، الباحث الاقتصادي الأردني المتخصص في شؤون النفط والطاقة، أن المنطقة والعالم كانا سيتجنبان خسائر اقتصادية جسيمة لو لم تشن الولايات المتحدة حربا على إيران، حيث إن التصعيد العسكري أدخل أسواق الطاقة العالمية في مرحلة جديدة من القلق وعدم اليقين، وأعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات وسلامة الممرات البحرية.

ويؤكد، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن استهداف ناقلات النفط والغاز في الخليج لم يكن حدثا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل امتدت تداعياته إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، موضحا أن قطر ليست مجرد مصدر رئيسي للغاز الطبيعي المسال، وإنما تمثل إحدى الركائز الأساسية لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا، ولذلك فإن أي استهداف لناقلات الغاز القطرية ينعكس مباشرة على المصانع الأوروبية ومحطات الكهرباء الآسيوية وفاتورة الطاقة العالمية.

ويشير إلى أن الأسواق استجابت سريعا لهذه التطورات، فارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 4.5 إلى 5%، وتحركت في نطاق قريب من 50 يورو للميجاوات ساعة، ما يعادل تقريبا 15 إلى 17 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وهذا يضع أوروبا في منطقة سعرية قريبة للغاية من آسيا، حيث يدور السعر الفوري للغاز المسال الآسيوي حول أيضا 16 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، ما وضع القارتين في منافسة مباشرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعكس حساسية سوق الغاز مقارنة بسوق النفط، لأن تأثير الغاز لا يقتصر على أسعار الوقود، وإنما يمتد إلى إنتاج الكهرباء والصناعة والشحن والنقل والتضخم، وصولاً إلى تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي.

خسائر اقتصادية عالمية بسبب الحرب الأمريكية على إيران
خسائر اقتصادية عالمية بسبب الحرب الأمريكية على إيران

ويضيف الشوبكي أن العالم كان سيتجنب كذلك ضغوطا إضافية على سوق الغاز العالمية التي لم تستعد توازنها الكامل منذ أزمة الإمدادات الروسية في عام 2022، إذ جاءت الحرب لتضاعف هشاشة السوق وترفع المخاطر المرتبطة بإمدادات الغاز العابرة لمضيق هرمز، مشيرا إلى أن أوروبا دخلت هذه الأزمة وهي تواجه تحديا كبيرا يتمثل في ملء مخزوناتها من الغاز قبل فصل الشتاء، وهو هدف أصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف التأمين والشحن، بجانب استمرار المخاوف من نقص الإمدادات في حال تعطل حركة الملاحة، حيث إن التخزين في القارة العجوز من المفترض أنه يصل لـ 80% من السعة التخزينية قبل بداية نوفمبر، لكن الوصول لهذا المستوى يصبح أكثر كلفة إذا ارتفعت الأسعار، خاصة وأن المخزونات الحالية ما زالت عند مستويات نصف هذه المخزونات المطلوبة. فإذا زادت مخاطر التأمين والشحن وتعطلت حركة السفن في هرمز، سيكون السؤال الأوروبي بأي سعر سنملأ المخزونات، وبأي كلفة على الصناعة، وبأي أثر تضخمي، كذلك أو حتى إذا كنا سنصل للمخزونات أم لا، يعني هنالك خوف من الأسعار وخوف من نقص الغاز المسال أيضا.

وفي آسيا، فيوضح الدكتور عامر الشوبكي، أن آثار الأزمة تختلف من دولة إلى أخرى، فبينما تستطيع اقتصادات مثل اليابان وكوريا الجنوبية تحمل جزء من ارتفاع الأسعار، فإن دولا مثل الهند وباكستان وبنجلاديش ستكون الأكثر تضررا نتيجة المنافسة مع أوروبا على الشحنات الفورية، بما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء وتراجع الكميات المتاحة للدول الأقل قدرة على الدفع.

ويقول إن عدم اندلاع الحرب كان سيجنب العالم موجة جديدة من التضخم والاضطرابات الاقتصادية، لأن أمن مضيق هرمز لم يعد قضية خليجية أو نفطية فقط، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، نظرا لما يمثله من أهمية لاستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، كما كان سيجنب الحكومات والشركات تكاليف إضافية تتعلق بالتأمين البحري وحماية السفن، ويحد من انتقال آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى قطاعات الكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات والنقل، وهي قطاعات تنعكس تكاليفها في النهاية على أسعار السلع والخدمات وفرص العمل ومستويات التضخم في مختلف دول العالم.

ويشير إلى أن أهمية مضيق هرمز لم تعد تنحصر في كونه ممرا لتجارة النفط، وإنما تحول إلى عنصر رئيسي في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، وهو ما يفسر ارتباط أمنه بالمصالح الاستراتيجية للدول الغربية وحلف شمال الأطلسي، خاصة بالنسبة للدول الأوروبية التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة القادمة عبر الخليج، لافتا إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها أحد أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، أصبحت أقل اعتمادا على الطاقة الخليجية مقارنة بحلفائها الأوروبيين والآسيويين، وهو ما يفسر مطالبتها المستمرة لحلفائها بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية حماية الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة الدولية.

ويؤكد "الشوبكي"، أن المنطقة والعالم كانا سيوفران كثيرا من الخسائر لو لم تندلع الحرب، سواء من حيث استقرار أسعار الطاقة أو تجنب ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أو الحد من الضغوط التضخمية التي أصابت الاقتصادات المستوردة للطاقة، مشيرا إلى أن الحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز يمثل اليوم ضرورة للاقتصاد العالمي بأسره، لأن أي اضطراب في تدفق الغاز أو النفط عبره لا ينعكس على أسعار الوقود فقط، بل يمتد إلى الكهرباء والصناعة والغذاء والأسمدة وسلاسل الإنتاج، بما قد يعيد الاقتصاد العالمي إلى أجواء أزمة طاقة جديدة ويزيد من هشاشته في مواجهة الصدمات المستقبلية.

الحرب وأمريكا

كتب الدكتور پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في برنامج الزمالة "مورنينجستار" ومستشار الأبحاث في معهد واشنطن، مقالا بعنوان "ماذا لو لم توجه الولايات المتحدة ضربة لإيران؟"، بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في 5 فبراير الماضي، أي قبل نشوب الحرب بأسابيع، قال فيه إن ممارسات ترامب السابقة تشير بقوة إلى أنه سيُسارع إلى ادعاء النجاح وربطه مباشرة بتهديداته باستخدام القوة، ومع ذلك، ستواجه الإدارة تحديات كبيرة في تصوير أي خطوات متواضعة تنشأ عن الجولة الجديدة من المحادثات على أنها انتصار للولايات المتحدة.

وأضاف أنه من المرجح أن يوازن الشعب الإيراني وقادة النظام والمراقبون في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بين هذه الادعاءات والتصور القائل بأن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو إسقاط الجمهورية الإسلامية، وهو أمر من غير المرجح أن يحدث في المستقبل القريب، لذلك، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يتوقعوا اتساع نطاق الشكوك بشأن ما إذا كانت طهران - أو واشنطن في هذه الحالة - ستلتزم بتنفيذ أي اتفاق نووي مبدئي قد يتم التوصل إليه في الأيام المقبلة.

مقارنة بين القوات البرية للجيش الأمريكي والجيش الإيراني
مقارنة بين القوات البرية للجيش الأمريكي والجيش الإيراني

وأوضح أنه إذا كان المستشارون الأمريكيون لا يعتقدون أن الضربة ستحقق الكثير في هذا الوقت، فمن الأفضل تحمل تكاليف السمعة الناتجة عن عدم الهجوم بدلا من تحمل العواقب الأسوأ المحتملة لشن ضربات ضعيفة أو عديمة التأثير، إذا قرر ترامب عدم شن هجوم، يمكن لإدارته أن تحد من الضرر الذي يلحق بمصداقية الجيش الأمريكي من خلال تسليط الضوء على جوانب استمرار ضعف إيران، كما يمكنها معالجة خيبة أمل الشعب الإيراني من خلال اتخاذ خطوات واضحة لدعم المتظاهرين، مثل اتخاذ تدابير أقوى لمساعدتهم على التواصل رغم قطع التيار الكهربائي وقمع النظام.

بالتأكيد عدم انخراط واشنطن في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران كان سيمنح واشنطن مساحة أوسع للاستفادة من سياسة "الضغط الأقصى" دون الدخول في كلفة الحرب التقليدية، فخلال السنوات الأخيرة، اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على أدوات العقوبات الاقتصادية، والعزل المالي، وتقييد الصادرات النفطية الإيرانية، وهي أدوات منخفضة الكلفة مقارنة بالعمليات العسكرية، لكنها ذات تأثير تراكمي طويل المدى على الاقتصاد الإيراني وسلوكها الإقليمي.

مقارنة بين القوات الجوية الأمريكية والإيرانية
مقارنة بين القوات الجوية الأمريكية والإيرانية

إذا لم تتطور الأمور إلى صراع عسكري، لكانت الولايات المتحدة قد تجنبت أعباء مالية ضخمة تقدر في مثل هذه النزاعات بعشرات المليارات من الدولارات، سواء في صورة نفقات عمليات عسكرية مباشرة أو دعم لوجستي وأمني لحماية القواعد والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشير تقديرات مراكز بحثية أمريكية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين تجاوزت 6 تريليونات دولار عند احتساب النفقات المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك الرعاية طويلة الأمد للجنود والمحاربين القدامى، وهي أعباء كان يمكن تجنب جزء منها في حال عدم التصعيد العسكري، بينما الحرب الإيرانية وحدها كلفت واشنطن 25 مليار دولار بحسب ما أعلنه جولز هيرست القائم بأعمال المراقب المالي لأعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي في 29 أبريل الماضي.

مقال ماذا لو لم توجه الولايات المتحدة ضربة لإيران؟
مقال ماذا لو لم توجه الولايات المتحدة ضربة لإيران؟

اقتصاديا، كان استمرار سياسة الضغط دون حرب سيمنح الولايات المتحدة القدرة على الحفاظ على استقرار نسبي في أسواق الطاقة العالمية، إذ إن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط عادة ما يرفع أسعار النفط بنسب تتراوح بين 10% و30% في فترات قصيرة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات أو استهداف الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، وتخطت الأسعار 115 للبرميل في إحدى الفترات، وسجلت في بعض الأوقات أكثر من ذلك، هذا الارتفاع في الأسعار لم ينعكس فقط على الاقتصاد العالمي، بل ضغط أيضا على معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة نفسها، وأثر على قرارات الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة.

من زاوية استراتيجية، كان غياب الحرب سيتيح للإدارة الأمريكية التركيز بشكل أكبر على ملفات أخرى أكثر إلحاحا، وعلى رأسها التنافس مع الصين وروسيا، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، حيث إن إدارة أكثر من جبهة صراع في وقت واحد تفرض عادة حالة من تشتيت الموارد الاستراتيجية، سواء البشرية أو المالية أو الاستخباراتية، وهو ما يقلل من فاعلية التحرك الأمريكي على المدى البعيد.

كما أن عدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية كان سيجنب الولايات المتحدة أيضا خسائر بشرية مباشرة، والتي عادة ما يكون لها أثر سياسي داخلي كبير، حيث بلغ عدد القتلى الأمريكيين خلال الحرب، وأعلن البنتاجون أن 7 من هؤلاء الجنود قتلوا نتيجة هجمات إيرانية، بينما قتل الـ 6 الآخرون في حادث تحطم طائرة أثناء عمليات التزود بالوقود.

سيناريو عدم الحرب كان سيمنح الولايات المتحدة ميزة استراتيجية مزدوجة، حيث استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران من جهة، وتقليل الكلفة المالية والبشرية والسياسية من جهة أخرى، مع الحفاظ على قدر أكبر من الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما كان سيعزز قدرة واشنطن على إدارة أولوياتها الدولية بكفاءة أعلى وبتكلفة أقل.

وترى مرح البقاعي، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن الحرب مع إيران لم تكن، من المنظور الاستراتيجي الأمريكي، هدفا بحد ذاتها، وإنما كانت إحدى الأدوات المحتملة لتحقيق أهداف أمنية وسياسية أوسع، مشيرة إلى أن واشنطن كانت تفضل، في الأصل، تحقيق تلك الأهداف عبر سياسة الردع والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، بما يحد من البرنامج النووي الإيراني ويكبح النفوذ الإقليمي لطهران، مع تجنب الكلفة الباهظة لأي مواجهة عسكرية مباشرة.

وتضيف البقاعي، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه إذا لم تتجه واشنطن إلى الخيار العسكري، لكانت استفادت من استمرار سياسة الضغوط دون تحمل تبعات الحرب، سواء من حيث الخسائر البشرية والمالية أو انعكاسات الصراع على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما كان سيمنح الإدارة الأمريكية هامشا أوسع لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.

وتشير إلى أنه بعد اندلاع الحرب، تنظر الولايات المتحدة إلى عدد من المكاسب المحتملة، من بينها إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وتعزيز قوة الردع الأمريكية، وطمأنة الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى توجيه رسالة واضحة إلى الخصوم مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة العسكرية عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية أو أمن حلفائها يواجهان تهديدا مباشرا.

ومع ذلك، تؤكد البقاعي أن هذه المكاسب لا تلغي حجم التحديات التي تفرضها الحرب على الولايات المتحدة، إذ تشمل ارتفاع الإنفاق العسكري، واحتمال تعرض القوات والمصالح الأمريكية لهجمات انتقامية، فضلا عن اضطراب أسواق النفط وما قد يترتب عليه من تداعيات على الاقتصاد العالمي، إلى جانب مخاطر الانزلاق إلى صراع طويل الأمد يصعب حسمه عسكريا أو سياسيا.

خسائر الطائرات الأمريكية خلال الحرب مع إيران
خسائر الطائرات الأمريكية خلال الحرب مع إيران

وتوضح عضو الحزب الجمهوري، أن الخيار المفضل للولايات المتحدة، من وجهة نظر استراتيجية، كان يتمثل في تحقيق أهدافها عبر أدوات الضغط والردع دون اللجوء إلى الحرب، إلا أنه عندما خلص صناع القرار إلى أن العمل العسكري أصبح الوسيلة الوحيدة لمنع تهديد أكبر، فإنهم اعتبروا أن كلفة الحرب، رغم ارتفاعها، تبقى أقل من كلفة السماح لإيران بتعزيز قدراتها العسكرية أو النووية، وفق تقديراتهم الاستراتيجية.

أوروبا وأمريكا بعد الحرب

في 27 أبريل الماضي، كشف بريد إلكتروني مسرب من وزارة الدفاع الأمريكية عن خيارات قيد الدراسة لمعاقبة حلفاء في الناتو مثل إسبانيا وبريطانيا لرفضهم دعم العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وتضمنت المقترحات تعليق عضوية مدريد في الحلف، ردا على رفض الأخيرة استخدام قواعدها العسكرية أو أجوائها لشن هجمات على طهران.

كما شملت المقترحات التهديد بمراجعة الموقف الأمريكي الداعم لسيادة بريطانيا على جزر الفوكلاند، بعد وصف ترامب لرئيس الوزراء البريطاني بالجبان لعدم انخراط لندن الكامل في الحرب، حيث تعتبر الإدارة الأمريكية حقوق الوصول والقواعد والتحليق هي الحد الأدنى للبقاء في الحلف، وترفض ما تصفه بـ"شعور الاستحقاق" لدى الأوروبيين دون دفع الثمن.

تأثير حرب إيران على العلاقات الأمريكية الأوروبية
تأثير حرب إيران على العلاقات الأمريكية الأوروبية

كما شن ترامب، في 25 يونيو، هجوما لاذعا على عدد من الدول الأوروبية، معربا عن خيبة أمله من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، واصفا إسبانيا بأنها كارثة، وليست لاعبا جيدا في المجموعة، كما لم يستبعد الرئيس الأمريكي انسحاب واشنطن من حلف الناتو، واصفا الحلفاء بأنهم نمر من ورق لم يقفوا مع أمريكا في أزمة مضيق هرمز.

إذا لم تندلع الحملة العسكرية، فمن المرجح أن العلاقات الأمريكية الأوروبية كانت ستتجنب واحدة من أكثر محطات التوتر حدة منذ سنوات، إذ لم تكن الخلافات بين الجانبين ستنتقل من ملفات التجارة والإنفاق الدفاعي إلى مستوى التشكيك في تماسك حلف الناتو وربط الالتزامات الأمنية الأوروبية بالمشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية خارج أراضي الحلف، وكان من المتوقع أن تبقى الخلافات التقليدية، مثل تقاسم أعباء الدفاع والرسوم الجمركية والدعم العسكري لأوكرانيا، ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية المعتادة، دون أن تتحول إلى أزمة ثقة داخل التحالف عبر الأطلسي.

الحرب على إيران أعادت طرح أسئلة جوهرية داخل الإدارة الأمريكية بشأن مدى التزام الحلفاء الأوروبيين بدعم واشنطن في الأزمات الدولية، بعدما رفضت عدة عواصم أوروبية الانخراط عسكريا في العمليات ضد طهران أو تقديم تسهيلات عسكرية واسعة للقوات الأمريكية، هذا الرفض فتح الباب أمام تصعيد سياسي غير مسبوق، كان يمكن تجنبه بالكامل لو لم تقع الحملة العسكرية، إذ لم تكن واشنطن ستجد مبررا لربط استمرار المظلة الأمنية الأمريكية بمواقف الأوروبيين من صراع خارج الإطار التقليدي لمهام الناتو.

قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو
قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو

وأعادت الحرب إلى الواجهة الحديث داخل الإدارة الأمريكية عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وإعادة توزيع القوات في مناطق أخرى أكثر ارتباطا بالمصالح الأمريكية المباشرة، باعتبار أن بعض الحلفاء الأوروبيين لم يشاركوا في تحمل أعباء العمليات العسكرية، وفي غياب تلك التطورات العسكرية، لم يكن هذا الملف سيكتسب الزخم نفسه، إذ كانت مناقشات إعادة انتشار القوات ستظل مرتبطة بالاعتبارات الاستراتيجية طويلة المدى، وليس كوسيلة للضغط السياسي على الحلفاء بسبب مواقفهم من أزمة بعينها.

عدم اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية كان سيجنب العلاقات عبر الأطلسي أزمة إضافية فوق الخلافات القائمة، ويحافظ على قدر أكبر من التماسك داخل حلف الناتو، ويحول دون تصاعد الحديث عن معاقبة الحلفاء أو تقليص الالتزامات الأمنية الأمريكية في أوروبا، وهو ما كان سيمنح الجانبين مساحة أوسع لمعالجة ملفات الخلاف التقليدية بعيدا عن تداعيات صراع عسكري هدد بإعادة رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

حجم التسليح في الناتو
حجم التسليح في الناتو

ويوضح الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، أن الحرب لم تكن العامل الوحيد المؤثر في العلاقات الأمريكية الأوروبية، مؤكدا أن الخلافات بين الجانبين كانت قائمة بالفعل منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وكانت ستستمر حتى لو لم تندلع تلك الحملة العسكرية، وإن كانت ستأخذ مسارا مختلفا.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن الهجوم الأمريكي على إيران لم يكن السبب الوحيد الذي يعكر العلاقات الأوروبية الأمريكية، فمنذ وصول ترامب لم يتوان عن إغضاب الأوروبيين، سواء عبر خطاباته أو من خلال خطوات عملية، مثل فرض تعريفات جمركية على البضائع الأوروبية، والضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي داخل حلف الناتو، إلى جانب تصريحاته المتكررة التي يؤكد فيها أن الولايات المتحدة هي من تتحمل عبء حماية أوروبا.

ويضيف أن العامل الأكثر إزعاجا بالنسبة للعواصم الأوروبية تمثل في تقارب ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حساب مصالح القارة العجوز، إذ يسود داخل أروقة الاتحاد الأوروبي اعتقاد بأن زعيم البيت الأبيض يمنح الأولوية لعلاقته مع موسكو على حساب الشراكة التاريخية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهذه الملفات كانت ستظل المصدر الرئيسي للتوتر حتى في حال عدم اندلاع الحرب مع إيران.

ويشير رمضان أبو جزر إلى أنه حتى إذا افترضنا مشاركة أوروبية في أي عمل عسكري تقوده الولايات المتحدة، فإن ذلك لم يكن ليحقق للأوروبيين مكاسب سياسية، لأن ترامب كان سيحرص على أن تكون أي قوات مشاركة تحت القيادة الأمريكية، وأن يتولى بنفسه الإعلان عن الإنجازات والتفاوض بشأن نتائجها، من دون منح الحلفاء دورا سياسيا يتناسب مع حجم مشاركتهم.

ويؤكد أن مثل هذا النهج لا يحظى بقبول داخل أوروبا، حيث إن اتخاذ قرارات من هذا النوع يتطلب موافقات برلمانية وتشريعات وقرارا سياسيا على أعلى المستويات، ولا يمكن أن يتم فقط استجابة لرغبات الإدارة الأمريكية، بل يجب أن يرتبط بوجود مصلحة أمنية أوروبية مباشرة.

ويرى مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، أن العلاقات عبر الأطلسي كانت ستشهد قدرا أكبر من الهدوء لو لم تقع الحرب، حيث كان من الممكن أن تتركز المشاورات بين الجانبين على الملفات الخلافية القائمة، مثل الإنفاق الدفاعي ومستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، بعيدا عن الضغوط التي فرضتها التطورات العسكرية في الشرق الأوسط.

ويضيف أن الأوروبيين كانوا سيواصلون إدارة خلافاتهم مع واشنطن بأسلوب براجماتي، في محاولة للحفاظ على تماسك التحالف الغربي، مع استمرار التفاوض بشأن القضايا الاقتصادية والأمنية، بدلا من الانشغال بتداعيات التصعيد في الخليج وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة.

ويوضح أن عدم اندلاع الحرب كان سيُبقي الخلافات الأمريكية الأوروبية ضمن إطارها السياسي والاستراتيجي التقليدي، من دون أن تتحول إلى أزمة ترتبط بأمن الطاقة والتطورات العسكرية في الشرق الأوسط، وهو ما كان سيمنح الطرفين مساحة أوسع لمعالجة الملفات العالقة والبحث عن نقاط التوافق داخل التحالف عبر الأطلسي.

إيران والحرب

لو لم تتطور الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكانت العلاقات بين الطرفين على الأرجح استمرت ضمن معادلة الاحتواء المتبادل التي حكمت جانبا كبيرا من التفاعلات بينهما خلال العقود الماضية، فهذه السياسة، رغم ما اتسمت به من عقوبات اقتصادية وضغوط دبلوماسية وتوترات أمنية، كانت تقوم في الوقت ذاته على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة لإدارة الأزمات ومنع تحولها إلى صراع مفتوح.

وفي هذا السيناريو، كان من الممكن أن تستمر واشنطن في توظيف أدوات الضغط الاقتصادي والعزلة السياسية لتحقيق أهدافها، بينما تواصل طهران سياسة الصمود والمناورة دون تحمل التكلفة الباهظة التي تفرضها المواجهات العسكرية المباشرة.

ومن الناحية الاقتصادية، كان غياب الحرب سيجنب إيران خسائر وصفتها دوائر رسمية وخبراء بأنها غير مسبوقة، خاصة بعدما أعلنت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، في 14 أبريل، أن الخسائر الناجمة عن الحملة العسكرية تقدر بنحو 270 مليار دولار، بينما نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين واثنين من الاقتصاديين أن التقديرات الأولية تشير إلى أن حجم الأضرار قد يصل إلى 300 مليار دولار أو أكثر.

خسائر إيران خلال الحرب
خسائر إيران خلال الحرب

وتشمل هذه الخسائر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، ومنشآت الطاقة، والمرافق الصناعية، والقدرات اللوجستية، بالإضافة إلى التداعيات غير المباشرة المتمثلة في تراجع الاستثمار، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة التأمين والنقل، وتزايد الضغوط على المالية العامة للدولة، وفي حال عدم اندلاع الحرب، كان من المرجح أن تتجنب إيران جزءا كبيرا من هذه الأعباء، وتوجه مواردها إلى دعم الاقتصاد الداخلي وبرامج التنمية بدلا من إعادة الإعمار وتعزيز الإنفاق الدفاعي.

 

 

كما أن استمرار حالة "اللا حرب" كان سيُبقي الباب مواربا أمام احتمالات استئناف المسار الدبلوماسي مع الغرب، خاصة في ظل وجود سوابق تفاوضية مثل الاتفاق النووي لعام 2015، الذي أثبت إمكانية التوصل إلى تفاهمات، وإن كانت محدودة، بين طهران والقوى الغربية، ففي بيئة أقل تصعيدا، كان من الممكن أن تعود المفاوضات بشأن الملف النووي أو ملفات إقليمية أخرى إلى الواجهة، بما يتيح لإيران فرصة تخفيف العقوبات تدريجيا، واستعادة جزء من اندماجها في الاقتصاد العالمي، وجذب استثمارات أوروبية في قطاعات النفط والغاز والصناعة والنقل.

الحرب غيرت هذه المعادلة بصورة جوهرية، فمع اتساع دائرة المواجهة وتصاعد العمليات العسكرية، تراجعت فرص إعادة بناء الثقة بين إيران والغرب إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الاعتبارات الأمنية والعسكرية تتقدم على أي حسابات اقتصادية أو دبلوماسية، وهو ما جعل الحديث عن انفتاح إيراني على أوروبا أو استئناف مسار التطبيع مع العواصم الغربية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، كما عززت الحملة العسكرية، داخل المؤسسات الإيرانية الاتجاهات الرافضة لأي رهان على الغرب، ورسخت قناعة لدى دوائر صنع القرار بأن الاعتماد على الشراكات الغربية لم يعد خيارا يمكن البناء عليه في ظل البيئة الأمنية الجديدة.

مقارنة بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية
مقارنة بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات إيران إلى تسريع إعادة تموضعها الاستراتيجي شرقا، عبر توثيق علاقاتها مع روسيا والصين، وتعزيز حضورها في أطر اقتصادية وسياسية بديلة، وبدلا من السعي إلى إعادة الاندماج في المنظومة الاقتصادية الغربية، اتجهت طهران إلى تعميق شراكاتها مع القوى الآسيوية، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة، والدفاع، والبنية التحتية، والتجارة بالعملات المحلية، وبذلك، فإن الحرب لم تقتصر آثارها على الخسائر العسكرية والاقتصادية المباشرة، بل أعادت تشكيل الاتجاه الاستراتيجي لإيران، وأغلقت أو على الأقل أجلت لسنوات، فرص عودتها إلى مسار التقارب مع الغرب، لتصبح أولوياتها مرتبطة ببناء تحالفات بديلة في نظام دولي يتجه تدريجيًا نحو مزيد من الاستقطاب.

في هذا السياق، تقول الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشأن الإيراني، إن قراءة سيناريو "ماذا لو لم تشن إدارة ترامب حربا على إيران؟" تستلزم أولا فهم طبيعة النظام السياسي الإيراني، باعتباره نظاما يختلف عن النظم التقليدية، إذ تأسس عقب الثورة الإسلامية عام 1979 على مزيج من الشرعية الدينية والشرعية الشعبية، مع أولوية واضحة للمؤسسات العقائدية في رسم التوجهات الاستراتيجية للدولة.

وتشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن النظام الإيراني ظل لعقود يعتمد على مبدأ "حفظ النظام" باعتباره أولوية عليا، وهو ما مكنه من إدارة الأزمات الداخلية والخارجية عبر مزيج من الأدوات الأمنية والسياسية، مضيفة أن المواجهة التي بدأت مع إدارة ترامب، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية والهجمات السيبرانية والتنسيق الأمني مع إسرائيل، مثلت نقطة تحول في مسار الجمهورية الإسلامية، ودفعت المنطقة إلى مرحلة جديدة من الصراع.

وتوضح أن السيناريو الافتراضي الذي يفترض غياب هذه المواجهة يشير إلى أن إيران كانت ستواجه مسارا مختلفا اقتصاديا واجتماعيا، خاصة أن الضغوط الأمريكية ساهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانعكس ذلك على قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى، التي تمثل عادة ركيزة الاستقرار الاجتماعي ومحركا رئيسيا للتنمية والإصلاح.

وتضيف، أن عدم وقوع تلك المواجهة كان سيجنب إيران خسائر مادية واقتصادية كبيرة، سواء فيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية أو المنشآت الحيوية أو شبكات الطاقة، كما كان سيخفف من الأعباء الأمنية والاستخباراتية التي تحملتها الدولة لإعادة هيكلة منظومتها الدفاعية وتعزيز حماية منشآتها الاستراتيجية.

وتقول الدكتورة شيماء المرسي، إن غياب التصعيد العسكري كان سيقلل أيضا من تكلفة ما يعرف بـ"حرب الظل" التي شهدتها المنطقة، والتي امتدت إلى الممرات البحرية والخليج العربي، وما صاحبها من استنزاف مالي وأمني لجميع الأطراف، موضحة أن استمرار الاستقرار النسبي كان سيحد من الضغوط التي تعرضت لها حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة.

خسائر أمريكا خلال الحرب
خسائر أمريكا خلال الحرب

وفيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، تشير إلى أن عدم اندلاع المواجهة العسكرية كان سيبقي العلاقة بين واشنطن وطهران في إطار "الاحتواء المتبادل"، وليس المصالحة الكاملة، موضحة أن الخلافات العقائدية والسياسية بين الطرفين أعمق من أن تتحول إلى تحالف، لكنها كانت قد تسمح باستمرار قنوات التفاوض التي أتاحها الاتفاق النووي لعام 2015، بما يفتح الباب أمام معالجة تدريجية لعدد من الملفات الخلافية.

وتضيف أن طهران، في هذا السيناريو، ربما كانت ستتجه بصورة أكبر إلى تبني حسابات اقتصادية أكثر براجماتية، مع إمكانية جذب استثمارات أجنبية في قطاعات الطاقة والصناعة، وهو ما كان سيجعل الاقتصاد الإيراني أكثر ارتباطا بالاقتصاد العالمي، بدلا من الاعتماد بصورة متزايدة على ما يُعرف بـ"اقتصاد المقاومة" الذي فرضته العقوبات.

وفي المقابل، توضح أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لم تؤد، إلى تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني بالقدر الذي كان مستهدفا، بل دفعت طهران إلى تعزيز أدوات الردع وتوسيع قدراتها الدفاعية، فضلا عن تعميق علاقاتها مع حلفائها الإقليميين، في إطار رؤية تعتبر أن تأمين العمق الاستراتيجي يمثل جزءًا من حماية الأمن القومي الإيراني.

وتشير إلى أن العزلة التي فرضها الغرب على إيران دفعتها في الوقت نفسه إلى إعادة تموضعها دوليا، عبر توثيق شراكاتها مع روسيا والصين، وتعزيز حضورها داخل تكتلات اقتصادية وسياسية مثل مجموعة "بريكس" ومنظمة شنجهاي للتعاون، وهو ما منحها بدائل للتعامل مع الضغوط الغربية، وإن كان ذلك على حساب تراجع علاقاتها الاقتصادية التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة.

وتؤكد أن الحرب، لم تؤد إلى إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك بنيته السياسية، لكنها أسهمت في تسريع تحوله إلى نموذج أكثر اعتمادا على المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأكثر ارتباطا بالمحور الشرقي، بينما كان غياب المواجهة العسكرية قد يمنح طهران مساحة أوسع للموازنة بين متطلبات الأمن والانفتاح الاقتصادي، مع استمرار الخلافات السياسية مع واشنطن ضمن إطار إدارة الأزمات وليس المواجهة المباشرة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة