عادل السنهورى

السيسي وماكرون في الإسكندرية.. الثقافة والتعليم بوابة العبور الى السياسة والاقتصاد

السبت، 09 مايو 2026 02:58 م


هذه أول زيارة يقوم بها الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الى الإسكندرية من بين زياراته الخمس إلى مصر منذ أن تولى رئاسة فرنسا في منتصف مايو 2017 بعد عام من الزيارة الاستثنائية والتاريخية له لمصر وتجوله في حي الحسين مع الرئيس عبد الفتاح السيسي وتناوله العشاء في شارع المعز لدين الله الفاطمي وحفاوة الاستقبال المدهشة والترحاب من رواد الشارع وأصحاب المحلات. وأظنها زيارة ستبقى لزمن طويل عالقة بذهن الرئيس ماكرون . فقد شهدت اعلان ترقي العلاقات المصرية الفرنسية الى مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وشهدت العلاقات تطورا لافتا وبصفة خاصة في السنوات العشر الأخيرة وكان لها أبلغ الأثر الايجابي على مجمل الأزمات والقضايا التي تمر بها المنطقة في منطقة الخليج وغزة والسودان وسوريا ولبنان وافريقيا.

علاقة الصداقة القوية بين الرئيسين ساهمت وبصورة كبيرة في تعميق العلاقات على المستوى الثنائي أو على مستوى تطابق وجهات النظر لقضايا المنطقة، وصورة اللقاء الأخير و الود والصداقة التي بدت من خلال لقاء الرئيس السيسي والرئيس ماكرون على هامش الحوار العربي الأوروبي في قبرص الشهر الماضي يعكس مدى عمق وقوة العلاقات بين البلدين الصديقين.

عروس البحر المتوسط تهيأت بدورها للزيارة التي تستمر يومين للرئيس الفرنسي ويرافقه فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي ويعقد الجانبان لقاءا رسميا لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك وخاصة التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج والحرب الأميركية الاسرائيلية على ايران.

التوقعات تشير بأن الاستقبال الشعبي للرئيس الفرنسي لن يغيب عن مشهد الزيارة – كما حدث في القاهرة- خاصة أن من ضمن برنامج الزيارة تفقد قلعة قايتباي الى جانب مكتبة الاسكندرية ومدينة العلمين. الرئيس ماكرون سيشاهد جمالا آخرا في عروس المتوسط يعكس حضارة أقدم مدينة في التاريخ والذي يحمل لها الفرنسيون والرئيس الفرنسي تقديرا عميقا، نظرا لمكانة هذه المدينة التاريخية، لا سيما في التراث الإنساني والثقافي العالمي، والتعاون الوثيق بين القاهرة وباريس في مجالات البحث الأثري وإحياء التراث، والاستعدادات الجارية للاحتفاء بمشروعات مشتركة، من بينها التعاون المرتبط بمكتبة "المتحف المصري الكبير"، بمشاركة عدد من المؤسسات الثقافية الفرنسية البارزة، وفي مقدمتها "متحف اللوفر".

الثقافة والتعليم هو العنوان الأبرز للزيارة  وهذا ليس بغريبا على العلاقات المصرية الفرنسية التي ترتكز في علاقاتها الاستراتيجية والتاريخية على التواصل الحضاري والثقافي والتعليمي... فمن على شاطئ البحر سيتذكر التاريخ قصة أول تواصل ثقافي وحضاري بين باريس والقاهرة في العصر الحديث عندما جاءت الحملة الفرنسية الى مصر بقيادة الجنرال نابليون بونابرت على رأس 36 ألف جندي من بوابة الإسكندرية في الأول من يوليو  عام 1798 وما أعقبها بعد انسحابها من مصر عام 1801 من ارسال بعثات تعليمية وثقافية من مصر الى باريس لرواد التنوير رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده . يذكر التاريخ أن أول بعثة عام 1826 في عهد محمد علي باشا ، حيث أرسل أول بعثة كبرى ضمت نحو 40 طالبًا لدراسة العلوم الحديثة واللغات، وكان رفاعة الطهطاوي أبرز أعضائها. أثمرت هذه البعثات، التي استمرت لاحقاً عبر العقود، عن تأسيس مدرسة الألسن ونقل العلوم الأوروبية لمصر واستمرت البعثات وصولا الى طه حسين.

جاءت فرنسا نابليون بونابرت الى مصر حاملة معها أول مطبعة وأصدرت أول صحيفتين باللغة الفرنسية واصطحبت الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) نحو 150-167 عالمًا وفنانًا ومهندسًا فرنسيًا، رافقوا نابليون بونابرت في رحلة استكشافية وعلمية، وشكلوا ما عُرف بـ"لجنة العلوم والفنون". كانت أهدافهم دراسة أحوال مصر الجغرافية، التاريخية، والاجتماعية، وساهموا في تأسيس المجمع العلمي المصري، وكان أبرز إنجازاتهم اكتشاف حجر رشيد ودراسة الآثار المصرية القديمة.
وكانت أبرز انجازات علماء الحملة، موسوعة "وصف مصر": تدوين موسوعة ضخمة توثق كافة جوانب الحياة والنيل والآثار.، حجر رشيد: فك رموز اللغة المصرية القديمة، مما وضع حجر الأساس لعلم المصريات.،دراسة القاهرة: رسم أول خريطة تفصيلية لمدينة القاهرة وضواحيها.، مشروعات هندسية: دراسة ربط البحرين الأحمر والمتوسط.

شهدت تلك الفترة اتصالا علميًا بين العلماء الفرنسيين وبعض العلماء والمشايخ المصريين مثل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، الذي أُعجب بمنهجيتهم العلمية رغم انتقاده للحملة، والشاعر إسماعيل الخشاب.

استفادت مصر من الحملة الفرنسية في كثير من الأمور خلال تواجد الفرنسيين في مصر، ورغم ارتكاب الفرنسيين لمجازر وأفعال دموية كثيرة أثناء وجودهم فى القاهرة، إلا أن حملتهم العسكرية كانت لها العديد من الجوانب العلمية والثقافية على البلاد، لعل منها مثلا المجمع العلمى فى القاهرة.

وتمر هذا العام  الذكرى الـ228 على إصدار نابليون بونابرت قرارًا بإنشاء المجمع العلمى فى مصر، وذلك أثناء قيادته للحملة فى القاهرة، وقبل عام واحد من مغادرته البلاد عائدا إلى بلاده ليقودها بعد الثورة الفرنسية، وفى التقرير التالى نوضح أبرز النتائج الإيجابية التى تركتها الحملة الفرنسية فى مصر، بالتأكيد لم تكن تلك الإنجازات بقصد خدمة البلاد، على قدر ما هى تستهدف خدمة أهداف الحملة فى مصر، ورغم أنها أساسا بنيت لصالح أغراض فرنسية بحتة إلا أنها خدمت مصر وجعلتها تستطيع أن تدخل فى عالم النظم الحديثةمثل، سجل المواليد والوفيات، والمحاكم والنظام القضائي،وينسب الكثير من المؤرخين والباحثين إلى ديوان القاهرة الذى أنشئ كبديل للديوان العام من قبل قائد الحملة الفرنسية نابليون بونابرت، بداية الحياة النيابية والتشريعية فى البلاد.

وأعد علماء الحملة في فترة وجودهم في مصر أول خريطة تفصيلية لمدينة القاهرة وضاحيتي بولاق ومصر القديمة، أوضحوا عليها معظم المباني والشوارع والحارات والعطف والبرك والبساتين التي كانت موجودة في هذا الوقت، كما أوضحوا الشوارع التي فتحوها أو بدأوا في فتحها بمدينة القاهرة أثناء إقامتهم بمصر
ألغت الحملة نظام السخرة الذى كان معمولا به، إذ كان يعنى العمل الإجبارى دون مقابل فى أراضى البكوات أو مشروعات الدولة المضنية كحفر الترع والقنوات وإقامة الجسور وغير ذلك من هذه الأعمال ومن ثم جعلت الحملة العمل المضنى فى مقابل أجر مستحق حتى لا يضطر العمال للهرب بالإضافة إلى منحهم أوقات للراحة وتعويضات عند حصول مكروه.

أنشأ الفرنسيون المستشفيات للعناية بالصحة العامة كما اجبروا المصريين على عدم نشر ملابسهم داخل المنازل بل يجب نشرها على أسطح المنازل لامتصاص أشعة الشمس الميكروبات منها كما أجبروهم على رش المنازل والاهتمام بنظافتها وعرض الأمتعة على اشعة الشمس .

من الجوانب العلمية التي اكتسبتها مصر خلال الحملة فكرة "حفر قناة السويس" فقد اقترح علماء الحملة توصيل البحرين الأحمر والمتوسط فيما يعرف الآن باسم "قناة السويس"، ولكن الفكرة لم تنفذ وذلك بسبب اعتقاد خاطئ بأن البحر الأحمر أعلى في المستوى من البحر المتوسط، حتى جاء المهندس الفرنسى ديلسيبس بمشروعه إلى الوالى سعيد باشا، وتم بدء حفر القناة بعد حوالى نصف قرن من خروج الحملة من مصر.

وامتد التأثير الفرنسي إلى التخطيط العمراني والهندسي في مصر، حيث استعان الخديوي إسماعيل بمهندسين ومخططين فرنسيين لتطوير القاهرة الخديوية التي لُقبت بـ(باريس الشرق) بسبب طابعها المعماري الأوروبي وشوارعها الواسعة.

الأن ..تأتي جامعة سنجور التي تأسست لخدمة قضايا التنمية الأفريقية، وتقوم بدور مهم ومحوري في تدريب الكوادر الإفريقية المنوط بها النهوض بالقارة، وتستضيف مصر مقرها منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وقد تأسست باتفاقية بين الوكالة الفرانكوفونية ومصر في الإسكندرية عام 1989؛ بهدف تأهيل الكوادر الوطنية الإفريقية على مستوى متميز ليكونوا روادًا للتنمية في الدول الأفريقية. وقبلها انضمت مصر للمنظمة الدولية للفرانكفونية- للدول الناطقة بالفرنسية- في عام 1970. وتضم المنظمة حالياً 88 دولة بينها 54 دولة كاملة العضوية وسبع دول مشاركة و27 دولة تتمتع بصفة مراقب، وتمثل الدول الأفريقية النسبة الكبرى من أعضاء المنظمة.

افتتاح المقر الجديد للجامعة التي أطلق عليها اسم الشاعر والأديب والسياسي التاريخي ليوبيد سنجور الزعيم السنغالي  يؤكد أن الثقافة تمثل أداة فاعلة لتقريب وجهات النظر، بما تتيحه من قدرة على مخاطبة الوعي المجتمعي وتجاوز الانقسامات، بما يدعم المسارات الدبلوماسية، ويمثل خطوة متقدمة في هذا المسار، ويعكس طموح البلدين في توسيع نطاق اللغة الفرنسية وتعميق التعاون الأكاديمي انطلاقًا من مدينة الإسكندرية.

ويجسد الحرم الجديد نموذجًا متكاملا للشراكة المصرية الفرانكوفونية، حيث تم تصميمه وفق أعلى المعايير الأكاديمية ليكون مركزًا للتعليم والبحث العلمي، يضم قاعات دراسية حديثة، ومكتبة متطورة، ومرافق إقامة، وساحات رياضية وثقافية، بما يتيح للجامعة التوسع في طاقتها الاستيعابية ومضاعفة أعداد الطلاب وتوفير بيئة محفزة للتميز والإبداع، دعمًا لرؤية الجامعة في خدمة أهداف التنمية المستدامة بالقارة الأفريقية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة