- إلياس أبو صفية: أبي يتعرض للعزل والتجويع والإهمال الطبي المتعمد داخل السجن
- نجل الطبيب الفلسطيني: والدي مصاب بتضخم في عضلة القلب
- الطبيب إلياس: أبي مصاب بـ 6 شظايا ولم يعُرض على طبيب مختص حتى الآن
- الطبيب الفلسطيني إلياس: حجم التعاطف مع أبي يمنحنا القوة والاستمرار
- إلياس أبو صفية: لم يُسمح لنا بزيارة والدي منذ اعتقال ونراسله عبر المحامين
- إلياس: الاحتلال سجن أبي وقتل شقيقي وهذا ترك جرحا عميقا في قلوبنا
- إلياس أبو صفية: أخي إبراهيم ليس أغلى من دماء أبناء شعبنا في غزة
- إلياس: وجود والدي بجانب أبناء شعبه كانت رسالة صمود وتحدي لإنقاذ المئات من الأطفال والجرحى
بعض الصور لا تحتاج إلى تعليق، ولا إلى بيانات رسمية أو تقارير حقوقية تشرح ما حدث، صورة واحدة قد تختصر شهورا طويلة من الألم، وتروي حكاية إنسان قضى حياته كلها في مداواة الآخرين، قبل أن يجد نفسه عاجزا عن مداواة جراحه هو، هكذا كانت أول صورة ظهر فيها الدكتور حسام أبو صفية منذ اعتقاله، كانت صادمة لرجل عرفه العالم واقفا بين أسرة المرضى بثبات وقوة، فإذا به يظهر منهكا، شاحب الوجه، هزيلا إلى درجة يصعب معها التعرف إلى ملامحه التي حفظها الفلسطينيون والعالم خلال أشهر الحرب.
لم يكن الدكتور حسام أبو صفية اسما عاديا في المشهد الإنساني الفلسطيني، فقد تحول خلال الحرب إلى رمز للطبيب الذي رفض مغادرة موقعه مهما كانت التهديدات والمخاطر، بينما كانت القذائف تتساقط حول المستشفى، وأوامر الإخلاء تتوالى، بقي الرجل متمسكا بمكانه، متنقلا بين الأطفال الجرحى والمرضى والمصابين، مؤمنا بأن رسالته الإنسانية لا تسمح له بتركهم في أكثر اللحظات قسوة وخطورة، لم يكن يحمل سلاحا سوى سماعته الطبية، ولم يملك وسيلة للمواجهة سوى الإصرار على إنقاذ حياة من يستطيع إنقاذهم.
خلال تلك الأشهر الثقيلة، لم يدفع الدكتور حسام ثمن موقفه من حريته فقط، بل دفع من قلبه أيضا، حيث فقد نجله إبراهيم خلال الحرب، ليجد نفسه أمام أقسى اختبار يمكن أن يواجهه أب في حياته، جاء جثمان نجله للمستشفى ليصلى عليه صلاة الجنازة ثم يدفنه، وبينما كان يعيش وجع الفقد، واصل عمله داخل المستشفى، محاولا أن يخفف آلام عشرات العائلات التي كانت تفقد أبناءها يوما بعد يوم، كان يحمل حزنه بصمت، ويواصل الوقوف إلى جانب الجرحى وكأن وجعه الشخصي مؤجل إلى إشعار آخر.
جاءت لحظة الاعتقال خلال اقتحام الاحتلال لمستشفى كمال عدوان التي يترأسها، اقتيد الطبيب الذي أمضى حياته بين المرضى إلى السجن، وغابت أخباره لأشهر طويلة خلف الجدران والأسلاك، خلال تلك الفترة لم تعرف عائلته عنه سوى ما ينقله المحامون من معلومات محدودة عن ظروف احتجاز قاسية، شملت العزل والتجويع والإهمال الطبي، في وقت كان يعاني فيه من مشكلات صحية وإصابات تحتاج إلى متابعة وعلاج متخصص، وبين الانتظار والخوف والترقب، كانت أسرته تتعلق بأي خبر أو رسالة أو معلومة تؤكد أنه ما زال صامدا رغم كل ما يمر به.
وحين ظهر أخيرا خلال جلسة أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، لم يكن المشهد مجرد ظهور قانوني لمعتقل، بل لحظة إنسانية مؤلمة لعائلة بأكملها، ظهر الرجل الذي اعتاد الناس رؤيته واقفا بثقة داخل أروقة مستشفى كمال عدوان وكأن سنوات من المعاناة مرت فوق جسده خلال أشهر قليلة، كان الهزال واضحا، والتعب باديا على ملامحه، بينما حملت عيناه قصة طويلة من الصبر والقهر والحرمان، لم تكن تلك الصورة مؤلمة لعائلته وحدها، بل لكل من تابع قصة طبيب اختار البقاء إلى جانب مرضاه عندما كان بإمكانه الرحيل، وفضل أداء واجبه الإنساني على البحث عن نجاته الشخصية.
ورغم السجن وفقدان الابن والمرض والعزلة، ظل الدكتور حسام متمسكا بالهوية التي عاش من أجلها، ففي رسالته التي نقلها من داخل قاعة المحكمة، لم يقدم نفسه باعتباره شخصية سياسية أو طرفا في صراع، بل باعتباره طبيب أطفال كرس حياته لعلاج المرضى والمصابين والضعفاء، مطالبا بحقه في الحرية والعدالة بعد أشهر طويلة من الاعتقال.
في هذا الحوار، يتحدث الطبيب إلياس نجل الدكتور حسام أبو صفية عن اللحظة التي شاهد فيها والده للمرة الأولى بعد شهور من الغياب، والألم الذي تركته تلك الصورة في نفوس أفراد العائلة، كما يكشف تفاصيل ما يتعرض له والده داخل السجن، ورسائله التي لا تزال تصل من خلف القضبان، وحكاية طبيب خسر ابنه وحريته وصحته، لكنه لم يتخل يوما عن رسالته الإنسانية التي جعلت منه واحدا من أبرز رموز الصمود الطبي خلال الحرب، وإلى نص الحوار..

إلياس حسام أبو صفية
كيف رأيت صورة والدك أثناء التحقيق معه أمام المحكمة الإسرائيلية العليا؟
بالطبع.. للأسف الشديد كانت من أصعب اللحظات في حياتي، رأيت والدي منهكا بشكل كبير للغاية، وقد بدت عليه آثار التجويع والمرض بوضوح، لم أكن أرى فقط انخفاضا في الوزن، بل رأيت معاناة أشهر طويلة من الاعتقال والعزل والقهر في عينيه خلال محاكمته أمام المحكمة الإسرائيلية.
صورة الدكتور حسام أبو صفية خلال محاكمته أمام المحاكم الإسرائيلية
ماذا عن رسالته التي طلب فيها من أنس الشريف -رحمه الله- الحديث عن الأسرى؟
في الحقيقة هذا إن دل فهو دليل قاطع ويؤكد مدى عزل والدي عن العالم الخارجي، أبي لا يعلم ما يجري في غزة، ولا يعرف حتى أن الصحفي أنس الشريف قد استشهد، الأسرى الفلسطينيين محرومون داخل سجون الاحتلال من أبسط حقوقهم في معرفة أخبار أهلهم ووطنهم.
ما أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها والدك؟
بحسب ما ينقله المحامون، يتعرض الدكتور حسام أبو صفية لظروف قاسية للغاية تشمل العزل والتجويع والإهمال الطبي المتعمد داخل السجن، مع العلم بأن والدي مصاب بتضخم في عضلة القلب، وأيضا لديه ست شظايا إثر إصابته الأخيرة في مستشفى كمال عدوان خلال اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لها، وحتى هذه اللحظة لم يعُرض على طبيب مختص لإزالة هذه الشظايا.
هل هناك جهود للإفراج عنه؟
نحن نتحرك مع المحامين ومنظمات حقوقية، ونناشد كل الجهات الدولية للضغط من أجل الإفراج عن والدي وعن كل الأسرى وحمايتهم.
كيف ترى حجم التعاطف والحب لوالدك؟
بالنسبة لنا كأسرة الطبيب حسام أبو صفية، هذا الحب يمنحنا القوة والاستمرار، والدي لم يكن شخصية سياسية أو عسكرية، بل هو طبيب كرس حياته لإنقاذ الأطفال والجرحى، ولذلك وصلت قصته إلى قلوب الناس في كل مكان.

الطبيب إلياس حسام أبو صفية
هل ما فعله من علاج الجرحى ورفضه ترك مستشفى كمال عدوان والنزوح للجنوب خلال الحرب هو سبب انتقام الاحتلال منه؟
أعتقد أن الاحتلال يعاقبه لأنه بقي إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة، جريمته الوحيدة أنه اختار الإنسانية والوفاء لرسالته الطبية في أصعب الظروف.
كيف ترى اعتبار إسرائيل لوالدك مقاتلا غير شرعي؟
بالطبع هذا القرار إسرائيل أقرت به حتى تبرر وجود الأطباء في السجن بدون أي لائحة اتهام وبدون أي تهمة واضحة، اعتبار الطبيب مقاتل غير شرعي لدى إسرائيل ليس لوالدي فحسب، بل كل الكوادر الطبية تم تصنيفهم كمقاتلين غير شرعيين لأنهم رفضوا الاستجابة لأوامر الجيش بإخلاء المستشفيات والمراكز الصحية التي تقدم الخدمات الطبية باعتبارها مناطق قتال خطيرة. فطبعاً هذا أمر مؤلم ومجحف.
ما ردك على الاتهامات الإسرائيلية لوالدك؟
والدي معروف للعالم كله كطبيب أطفال ومدير مستشفى وكانت مهمته إنقاذ الأرواح لا إزهاقها، لكن كل تاريخ إسرائيل هو تاريخ دموي بحق هؤلاء الأبرياء وبحق هؤلاء الأطفال.
هل هناك زيارات من جانب الأسرة لوالدكم داخل السجن؟
للأسف لا، منذ اعتقال والدي لم يُسمح لنا بزيارته أو التواصل معه بشكل مباشر، فقط يتم عبر المحامي.

الدكتور إلياس حسام أبو صفية
هل حاولتم إرسال رسائل له؟
نعم، نحاول دائما إرسال رسائل محبة وصمود ومعنوية لوالدي عبر المحامين، على أمل أن يعلم أننا ننتظره ونقف إلى جانبه، وأن العالم لا زال يتذكر مواقفه البطولية المشرفة الإنسانية.
متى كانت آخر زيارة للمحامين إلى والدك؟
الزيارة تتم بشكل محدود جدا وعقب إجراءات معقدة، وهي المصدر الأساس لمعرفة أوضاع والدي ونقل رسائل له وكذلك نقل رسالته إلى العائلة، وآخر زيارة للمحامي لم تكن زيارة، ولكن كانت مقابلة في محكمة العدل العليا في القدس يوم الأربعاء 10 يونيو، وشاهدناها عبر اللقاء المرئي وليس بالحضور الشخصي في محكمة العدل العليا في إسرائيل.

الدكتور حسام أبو صفية داخل سجون الاحتلال
والدك قال في رسالته للمحكمة "أنا طبيب أطفال أقدم الرعاية الطبية للمرضى والمصابين والضعفاء في القطاع أنا قمت بعملي وفقا للقانون الدولي ووفقا للمعايير الإنسانية اعتقالي هو اعتقال ظالم وتعسفي وأطالب بالإفراج عني".. كيف ترى رسالته؟
في الحقيقة، كانت رسالة إنسانية مؤثرة وصادقة من إنسان طبيب مظلوم، والدي ذكر المحكمة بأنه طبيب أطفال، أدى واجبه المهني والإنساني فقط وطالب بحريته وكرامته وحقه في العدالة.
هل تتوقع أن تستجيب المحكمة لطلبه؟
نتمنى ذلك لكن التجربة حتى الآن لا تمنحنا الكثير من الثقة، رغم ذلك سنواصل المطالبة بحقه قانونيا وإنسانيا حتى يتم الإفراج عن والدي وكل الأسرى وخصوصاً من الكوادر الطبية المعتقلين في داخل السجون الإسرائيلية.
برأيك .. لماذا مُنع الصحفيون من حضور جلسة محاكمة حسام أبو صفية؟
نعتقد أنه تم منع الصحفيين من تغطية الجلسة داخل قاعة المحاكمة بهدف حجب ما يجري عن الرأي العام، ومنع توثيق الحالة الصحية الصعبة التي وصل إليها والدي وظروف اعتقاله الحقيقية، والظروف الصعبة التي يعيشها الأسرى في داخل السجون الإسرائيلية.
الاحتلال خلال الحرب ارتكب جرائم عديدة ضد عائلتك .. كيف أثر هذا على أسرتكم؟
الاحتلال سجن والدي وقتل شقيقي، هذا ترك جرحا عميقا في قلوبنا، فقدنا أخي وافتقدنا وجود والدي في الوقت نفسه، لكننا نحاول أن نصمد وأن نحمل رسالته ونواصل الدفاع عنه حتى يعود لنا.
الدكتور حسام ابو صفية يصلى صلاة الجنازة على ابنه داخل المستشفى
كيف كان شعورك عندما علمت باستشهاد أخيك خلال الحرب؟
دماء أخي إبراهيم ليست أغلى من دماء أبناء شعبنا في غزة، غزة تستحق منا كل التضحيات، القطاع يستحق منا كل الصمود، شعبنا يستحق أن يعيش بكرامة، فدماؤنا ليست أغلى من دماء أبناء مدينتنا.
في النهاية .. ماذا تريد أن تقول عن والدك الذي ضحى من أجل إنقاذ شعبه خلال الحرب؟
ما فعله أبي خلال الحرب كانت رسالة إنسانية مهمة، ووجود والدي بجانب أبناء شعبه كانت رسالة صمود وتحدي لإنقاذ المئات من الأطفال والجرحى، الذين كان والدي هو الأمل الوحيد المتبقي لهؤلاء الأطفال.