رانيا يوسف تكتب: فيلم آخر المعجزات: كيف تتحول الصدفة إلى خرافة

الجمعة، 08 مايو 2026 10:37 م
رانيا يوسف تكتب: فيلم آخر المعجزات: كيف تتحول الصدفة إلى خرافة رانيا يوسف

0:00 / 0:00

قدم المخرج عبد الوهاب شوقي أحد أشهر القصص الشعبية المختارة من مجموعة خمارة القط الأسود بعنوان "معجزة" لتكون امتداد لنفس الروح لعالم محفوظ السحري، تحت عنوان "آخر المعجزات".

 

حصل الفيلم على الجائزة الذهبية ضمن مسابقة الأفلام المصرية، خلال الدورة الأخيرة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.

 

أعاد المخرج عبد الوهاب شوقي تقديم القصة بأسلوب معاصر مؤكدا على فرضية ان الزمن يتغير لكن اعتقاد الإنسان بوجود ولي يتكئ عليه في حياته تظل ثابتة.

 

الفيلم نجح في تصوير الصراع بين الهوية الانسانية للبطل وبين الهوية الأسطورية التي منحها له مريديه. نرى يحيي يحاول التمسك بإنسانيته وعفويته في مواجهة  الخرافة لكنه يستسلم في النهاية امام اصرار  الناس إلي تحويله إلي صورة تتجاوز حقيقته البشرية.



احتفظ الفيلم بروح النص الأصلي مع بناء عالم بصري موازي للقصة، من خلال تجسيد الأضرحة وتهافت المريدين واضافة اللوحات والرموز التي تحمل شعار طائفة وهمية، وهي اضافة ذكية من المخرج حيث منح بها الخرافة شكل مؤسسي حي قادر على التوريث والاستمرار من جيل لجيل.

 

ليس دفاعا عن الخرافة، لكن القصة عمدت إلى توضيح النشأة والتكوين لأجيال تربت في كنف هذه الأفكار حتى أصبحت بالنسبة لهم جزء أصيل من العقيدة، مجاورة أهل البيت وأصحاب المقامات وانتزاع البركة والتردد على الأضرحة أصبحت من الموروثات الشعبية والدينية التي اتخذت شكل من أشكال التطهير والنجاة.


الإنسان عندما يعجز عن تفسير الواقع لصالحه يلجأ أحيانا إلى الخرافة، وسيلة البسطاء للتواصل مع العالم.

 

الفيلم يغوص في سيكولوجية الدراويش ويضع المجتمع أمام مسئولية مشاركته في صناعة المعجزة، من خلال الفهم الخاطئ للمواقف وتضخيم الحدث وتداوله كـ سيرة شعبية حتى وضعه في مقام اسطوري، جعل بطل الفيلم يتحول من نكرة إلى ولي، عبر صدفة منحت له شرعية العقيدة والقداسة المزيفة.

 

اعتمد الفيلم علي بناء بصري قائم على القلق والالتباس، يحاكي ارتباك البطل "يحيى" خلال رحلة بحثه عن "محمد شيخون الماوردي" أو ميمون الشخصية الأسطورية التي اختلقها عقله وأمن بها من حوله.

 

اعتمد المخرج على إضاءة نفسية قاتمة تتصارع بين العتمة والنور، كأن الكاميرا تتحرك في المنطقة الرمادية بين الحقيقة والخيال.

 

جاءت الظلال الثقيلة لتعزيز أجواء الحضرة وسوداوية الحكاية التي تستمد طاقتها من ظلام الجهل والبحث عن الخلاص الغيبي.

 

حاصرت اللقطات المتوسطة ملامح البطل في معظم المشاهد، وجعلت الجمهور شريكا في ذهوله أمام الكاميرا، التي لم ترصد المعجزة كحدث خارجي، بل رصدت انعكاسها على وجه يحيى.

 

حملت ملامح يحيي المتغيرة مزيجا من الصدمة والارتباك، ثم الخوف من تلك القداسة التي أصابته دون إشارات مسبقة، وعبر الضيق في الكادرات عن عزلته الروحية، رغم زحام المريدين حوله، ظل يحيي حبيس الكادر.

 

موت البطل أم موت الأسطورة؟

ينتهي الفيلم بموت البطل لتنهار قدسيته علي يد من منحوه تلك السلطة. فالمجتمع هو من يصنع الولي، ثم يعدمه حين لا تأتي المعجزة بثمارها.

 

استبدال المخرج لعنوان القصة هل كانت هذه آخر المعجزات حقا، يطرح سؤالا حول الية زمننا المعاصر في اتباع السير الشعبية والدينية والتراثية، هل مازالت الأجيال الجديدة تهتم باستجلاب البركة من أصحاب المقامات وأل البيت، أم أننا نشهد اندثار هذه الأفكار تدريجيا وببطء، مع هجوم التكنولوجيا وسطوة الحداثة.

 

رغم الهجوم الذي تعرض له الفيلم منذ إعلان عرضه، لكن المخرج أثبت أن موضوعات أدب نجيب محفوظ لا تزال حية حتى يومنا هذا، وان زمن ما بعد بعد الحداثة لم يستطع أن يطمس الهوية الثقافية والتراثية لمجتمعنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة