أبناء بلا عائلات الأب 2.. حكايات جدات ينتظرن الأحضان الغائبة.. تجارب عربية داعمة للاستضافة تضمن ارتباط الأطفال بجذورهم.. تحذيرات من استخدام الابن غنيمة حرب.. دراسات علمية تعتبر العائلة الممتدة ليست رفاهية

الأربعاء، 06 مايو 2026 06:00 م
أبناء بلا عائلات الأب 2.. حكايات جدات ينتظرن الأحضان الغائبة.. تجارب عربية داعمة للاستضافة تضمن ارتباط الأطفال بجذورهم.. تحذيرات من استخدام الابن غنيمة حرب.. دراسات علمية تعتبر العائلة الممتدة ليست رفاهية الدكتورة أية عبد المجيد استشارى أسرى وتربوى

تحقيق / أحمد عرفة

<< عزة محمد: أعيش على ذكريات أحبابي وأنتظر لحظة قد لا تأتي

<< نائب: النظام الأسري المتكامل يؤدي إلى تحقيق ثلاث وظائف رئيسية في حياة الطفل

<< إيناس الدسوقي: لم ارتكب خطأ كي لا أرى أحفادي

<< أستاذ بكلية أصول الدين: الحضانة ليست ملكية ولا يجوز شرعا اعتبار الجد والعم أجنبيا

<< فتحي بسيوني لا يستطيع الذهاب لرؤية أحفاده لكبر سنه

<< محامي: الرؤية لا تحقق الحد الأدنى من التواصل الإنساني أو التربوي بين الطفل ووالده وعائلته

 

في شقة هادئة تكسوها صور قديمة لأيام كانت أكثر دفئا، تجلس عزة محمد حامد، 60 عاما، تحدق في ملامح أحفادها التي توقفت عند آخر لقاء عابر، لا شيء يؤلمها أكثر من ذلك الفراغ الممتد بين قلبها وبينهم، فراغ لم تصنعه المسافات، بل صنعه قانون لم يضع في اعتباره وجع الجدة ولا حق الأطفال في حضن عائلة أبيهم.

تحكي عزة قصتها المؤلمة قائلة: أنا جدة محرومة من أحفادي بسبب قانون الأحوال الشخصية، لا يوجد أي تواصل بيني وبينهم، سوى رؤية محدودة للغاية لا تكفي لإشباع شوق يتراكم كل يوم، أعيش على ذكرياتهم، وأنتظر لحظة قد لا تأتي."

لم تكن عزة تتخيل أن تتحول حياتها إلى هذا الانتظار الطويل، حيث يصبح اللقاء بأحفادها أمنية مؤجلة، تحددها إجراءات معقدة لا تراعي البعد الإنساني للعلاقات الأسرية، حيث تؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ما تعيشه لا يقتصر عليها فقط، بل يمتد أثره إلى الأطفال أنفسهم، الذين يحرمون من جزء أصيل من عائلتهم.

هذا الوضع أثر على السيدة المسنة نفسيا بشكل كبير، لكن الأهم أنه حرم الأطفال من وجود عائلة الأب في حياتهم، من جدتهم وأعمامهم وكل الروابط التي تمنحهم الإحساس بالأمان والانتماء، حيث ترى عزة أن الحل يكمن في إعادة النظر في بعض بنود قانون الأحوال الشخصية، بما يحقق مصلحة الطفل أولا، ويحفظ تماسك الأسرة الممتدة.

توجه رسالة تتضمن مطالب واضحة تحمل بين كلماتها رجاء وأملا :" "أطالب بإلغاء نظام التخيير، وتطبيق نظام الاستضافة الذي يتيح للأطفال قضاء وقت حقيقي مع عائلة الأب، بما يحقق مصلحتهم النفسية والاجتماعية. كما أطالب بتخفيض سن الحضانة، حتى لا يطول هذا الحرمان أكثر من ذلك."

 

العائلة الممتدة ليست رفاهية

في خضم الجدل الدائر حول قانون الأحوال الشخصية وتأثيره على الروابط الأسرية، يشدد النائب محمد فؤاد، على أهمية إعادة النظر في فلسفة القانون بما يضمن الحفاظ على تماسك الأسرة الممتدة، وعدم قصر علاقة الطفل على دائرة ضيقة بعد الطلاق.

ويؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الدراسات العلمية الحديثة تدعم هذا التوجه، مشيرا إلى دراسة بعنوان "الأطفال في الأسر أحادية الوالد والعائلات الممتدة: دور الأجداد في تحسين المهارات الاجتماعية"، والتي نُشرت عام 2009 في الجمعية الأمريكية لعلم النفس، حيث إن نتائجها تؤكد أن الطفل لا ينمو داخل وحدة ثنائية تضم الأم والأب فقط، بل داخل نظام علاقات أوسع يشمل الأجداد والأقارب.

دور النظام الأسرى المتكامل
دور النظام الأسرى المتكامل

 

ويوضح أن هذا النظام الأسري المتكامل يؤدي إلى تحقيق ثلاث وظائف رئيسية في حياة الطفل، أولها الأمان العاطفي الممتد، حيث إن وجود أكثر من مصدر للدعم يساهم في تقليل مشاعر القلق وعدم الاستقرار، خاصة في حالات الانفصال أو الطلاق، مشيرا إلى أن الوظيفة الثانية تتمثل في التعلم الاجتماعي، إذ يتعرض الطفل داخل العائلة الممتدة لأنماط مختلفة من التفكير والسلوك، ما يعزز من قدرته على التفاعل مع المجتمع بشكل أكثر توازنا ومرونة.

ويضيف أن الوظيفة الثالثة تتمثل في ترسيخ الهوية والانتماء، وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في مجتمعات مثل مصر، التي تقوم بنيتها الاجتماعية على العائلة الممتدة، وليس فقط على الأسرة النووية الصغيرة، لافتا إلى أن حرمان الطفل من التواصل مع أجداده وأقاربه لا يمثل فقط خللا اجتماعيا، لكن قد يكون له تأثيرات نفسية وسلوكية بعيدة المدى وهو ما يتطلب ضرورة أن تعكس التشريعات هذا الفهم العلمي والاجتماعي، بما يحقق مصلحة الطفل الفضلى ويحافظ على تماسك المجتمع.

 

حرمان قسري

قصة أخرى لجدة أيضا وهي إيناس الدسوقي، 63 عامًا، تتحدث عن معاناتها مع قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي حرمها من أحفادها لمدة عامين كاملين، رغم أنها لم أرتكب أي خطأ، لكن القانون لم ينصفها مثل غيرها من أمهات الآباء.

وتؤكد الجدة في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا الحرمان القسري لم يكن مجرد بعد جسدي، بل ترك أثرا نفسيا عميقا عليها وعلى أحفادها، الذين حُرموا من دفء العلاقة مع جدتهم، مشيرة إلى أن الطفل في هذه الحالات يفقد جزءا من توازنه العاطفي وانتمائه العائلي.

وتطرح إيناس الدسوقي عددا من المطالب التي تراها ضرورية لإصلاح الوضع الحالي، في مقدمتها تطبيق نظام الاستضافة بدلا من الرؤية التقليدية، قائلة: "لابد أن يكون هناك استضافة يومين في الأسبوع، بحيث يكون هناك تواصل حقيقي بين الأطفال وعائلة الأب، وليس مجرد رؤية محدودة لا تكفي لبناء علاقة طبيعية."

وتشير إلى ضرورة ترتيب أحقية الأب في الحضانة بشكل عادل قائلة: "الأب لابد أن يكون في المرتبة الثانية بعد الأم، لأنه الأقدر على رعاية أبنائه بعد المطلقة، وليس إبعاده عنهم بالشكل الحالي"، لافتة إلى أهمية توحيد جهة الفصل في النزاعات المالية المرتبطة بالأسرة، بحيث تكون كل دعاوى النفقات أمام قاض واحد، لتقليل التضارب والإسراع في الفصل بالقضايا، والحافظ على استقرار الأسرة.

 

الأطفال ليسوا غنائم حرب

في سياق الجدل المتجدد حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية، يحذر الدكتور علي محمد الأزهري، عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة و الفلسفة كلية أصول الدين جامعة الأزهر من استمرار ما وصفه بـ"الثغرات التشريعية" التي تحول بعض النزاعات الأسرية إلى أدوات للانتقام، وتؤدي في بعض الحالات إلى قطع صلة الأرحام بين الأطفال وأسرهم الممتدة، لا سيما عائلة الأب من أجداد وأعمام وعمات.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المشهد المتكرر داخل ساحات المحاكم، حيث يقف الجد أو الجدة في محاولة للحصول على إذن لرؤية حفيدهما، يكشف عن أزمة إنسانية وتشريعية في آن واحد، موضحا أن بعض تطبيقات قانون الأحوال الشخصية جعلت من الطفل ساحة صراع بين الأطراف، رغم أن الشريعة الإسلامية تؤكد أن صلة الرحم حق أصيل لا يسقط بالطلاق ولا يجوز التنازل عنه.

 

قطيعة رحم

وانتقد ما سماه "الإرهاب العاطفي وقطيعة الرحم الممنهجة"، حيث إن حرمان الطفل من التواصل مع عائلة والده لا يمكن اعتباره مجرد إجراء تنظيمي، بل هو قطيعة رحم مكتملة الأركان، مستشهدا بقوله تعالى "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ".

 

الحضانة ليست ملكية

وفي سياق نقده لحرمان الأبناء من صلة الرحم بعائلة الأب، يوضح الأزهري أن الإشكال الأساسي يكمن في التعامل مع الحضانة باعتبارها "حق ملكية" لأحد الوالدين، في حين أن الفقه الإسلامي ينظر إليها باعتبارها "ولاية رعاية" هدفها مصلحة الطفل وليس الصراع بين الأطراف، مضيفا أن القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار" تفرض إعادة النظر في أي تطبيق يؤدي إلى ضرر نفسي أو اجتماعي للطفل، بما في ذلك قطع صلته بعصبته من جهة الأب، ورفع الضرر مقصد شرعي لا يجوز تجاهله في أي تشريع.

ويشدد على أن عائلة الأب ليست طرفا هامشيا في حياة الطفل، بل هي امتداد أصيل له من الناحية الشرعية والاجتماعية، متسائلا: كيف يمكن أن يكون الجد وليا في النكاح ووارثا في المال، ثم يُعامل كأنه غريب عند رؤية حفيده؟

ويستحضر في هذا السياق عددا من النصوص الشرعية التي تحث على صلة الأرحام، محذرا من خطورة التفريق بين الأطفال وأصولهم، لما لذلك من آثار نفسية وتربوية طويلة المدى، حيث إن القاعدة الكلية تقضي بأن "الضرر يُزال"، فإذا كان بقاء الطفل في حضانة الأم - وهو حق أصيل لها - يترتب عليه ضرر محقق بقطع صلته بعصبته وهم أهل أبيه، فإن الشريعة توجب التدخل لرفع هذا الضرر، والمنع هنا هو ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، ولا يجوز لقانون أن يشرعن الظلم باسم حماية الطفل.

تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق
تأثير رفع سن الحضانة على معدلات الطلاق

 

ويتابع :"الشرع جعل للجد مكانة الأب عند فقده، وللعم مكانة السند، فكيف يستقيم عقلا أو دينا أن نجعله أجنبيا في الرؤية، موضحا أن الدليل من السنة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من التفريق بين ذوي الأرحام صراحة حين قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، وبالقياس، فإن التفريق بين الطفل وأصوله وعصبته هو نقيض لروح الإحسان التي أمر بها القرآن حتى في حالة الفراق "تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ"، متسائلا: أين الإحسان في جد يموت غصة لأنه لا يعرف ملامح حفيده؟

 

من الرؤية إلى الاستضافة

وانتقد نظام الرؤية المقيدة داخل الأماكن المغلقة، واصفا إياه بأنه لا يحقق الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للعلاقات الأسرية، داعيا إلى الانتقال إلى نظام الاستضافة الذي يتيح للطفل علاقة طبيعية وممتدة مع أسرته الكبيرة، خاصة أن مقصد الشريعة يقوم على تحقيق السكينة والرحمة، وإشراك الأجداد والأعمام في حياة الطفل يحقق مبدأ التعاون على البر والتقوى، ويحميه من آثار التفكك الأسري والصراعات القانونية المستمرة.

ويؤكد عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة و الفلسفة كلية أصول الدين جامعة الأزهر، ضرورة تعديل قانون الأحوال الشخصية بما يضمن حق صلة الرحم والاستضافة لعائلة الأب ليس انحيازا لطرف على حساب آخر، بل هو استعادة لميزان العدالة الأسرية الذي كاد أن يختل، محذرا من أن استمرار سياسات المنع والقطع التي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، قائلا: "من يزرع المنع اليوم سيحصد العقوق غدا، وصلة الرحم ليست خيارا اجتماعيا، بل قيمة دينية وإنسانية معلقة بالعرش".

 

حلم جد في رؤية أحفاده

فتحى إبراهيم بسيوني، محامى وجد لأبناء، لشهور عديدة يسعى لأن يرضى أحفاده دون جدوى، فالقانون لا يسمح له سوى برؤية بمدة ثلاث ساعات أسبوعيا، ونظرا لأن مركز الشباب بعيدا عليه وعدم قدرته نظرا لكبر سنه من الذهاب بشكل مستمر للرؤية أصبح محروما من احتضان أبناء نجله.

ويؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن القوانين الحالية للأحوال الشخصية تحرم كبار السن من التواصل مع أحفادهم، والمعاناة ليست مجرد حرمان عاطفي بل أثرها ممتد على الأسرة بأكملها، متابعا: "لم نعد نستطيع رؤية أحفادي يوسف ومريم، القانون لا يتيح لي استضافتهم أو رؤيتهم، وهذا أمر مؤلم للغاية".

ويشير إلى أن الحل يكمن في تعديل القوانين لتسمح بالاستضافة وليس الرؤية فقط، قائلا: "لابد من استبدال الرؤية بالاستضافة حتى نتمكن من استضافة أحفادنا في بيوتنا، وحثهم على صلة الرحم، وغرس القيم الأسرية والدينية في نفوسهم".

ويضيف بسيوني أن إبقاء التواصل محدودا أو خاضعا للتخيير يجعل الجد عاجزا عن المشاركة في حياة أحفاده طوال حياتهم، خصوصا بعد انتهاء سن الحضانة، لأن بعض الأمهات المطلقات تتعمد رفض زيارة أبنائها لأهل الأب، وهذا يقطع الروابط بين الأجيال ويؤثر على نفسية الأطفال.

ويوضح أن حرمان الجد من الأحفاد ليس فقط مساسا بالحقوق القانونية، بل أيضا يقوض الدور الطبيعي للعائلة الممتدة في التربية والدعم النفسي للأطفال، متابعا: "لا يمكن أن تكون عائلة الأب بعيدة عن أحفادها، وهم ينتمون لهم بطبيعتهم، وصلة الرحم حق مقدس للأطفال وللكبار على حد سواء، ويجب أن ينظر التشريع إليها كجزء من حماية الأسرة والمجتمع".

 

بين النص والتطبيق

تتزايد شكاوى الآباء وعائلاتهم من القيود المفروضة على رؤية الأطفال بعد الطلاق، وسط مطالبات بإعادة النظر في التشريعات الحالية بما يحقق مصلحة الطفل ويحافظ على الروابط الأسرية، وهنا، يكشف المستشار حسام حسن الجعفري، المحامي، عن أوجه القصور في نظام الرؤية الحالي، مؤكدا أنه لم يعد مناسبا للواقع الاجتماعي المعاصر.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن ثلاث ساعات بالأسبوع تعادل ستة أيام في السنة، لا تكفي لرؤية الأب لابنه، موضحا أن هذا النظام لا يحقق الحد الأدنى من التواصل الإنساني أو التربوي، خاصة في ظل احتياج الطفل إلى وجود فعلي ومستمر لكلا الوالدين في حياته.

 

نظام لا يواكب التغيرات الاجتماعية

ويضيف، أن قانون الرؤية في مصر لا يتناسب مع الوضع الراهن والتعديلات التشريعية الحالية، ولا يتناسب أيضا مع الأجيال الموجودة حاليا، خاصة في ظل ارتفاع حالات الطلاق بين الزوجين، خصوصا في حالة وجود أطفال بينهما، مؤكدا أن العلاقة بين الأب والأم والطفل هي علاقة ثلاثية يجب أن يسودها الانسجام، وإذا حدث انفصال بين الزوجين، يجب ألا يحدث انفصال في تربية الأطفال، والرؤية هي ما يربط الأب بأولاده في حالة الانفصال، وكلما شعر الأبناء بترابط الأب والأم بعد الطلاق، كانوا أكثر قدرة على مواجهة الصعاب.

ويشير الجعفري إلى أن المشكلة تعود إلى عدم تطوير نصوص الرؤية بما يتماشى مع تطور سن الحضانة، قائلا: " الطفل يظل في فترة الحضانة حتى سن 15 عاما، وعند تشريع قانون الرؤية الحالي كانت مدة الحضانة بين 7 و9 سنوات، وبالتالي كانت مادة الرؤية متناسبة مع هذا العمر، وفي عام 1985 تم رفع سن الحضانة إلى 12 سنة، ثم إلى 15 سنة في 2005، دون أي تعديل في مادة الرؤية".

مشكلات الأبناء بعد الطلاق
مشكلات الأبناء بعد الطلاق

 

ويوضح الجعفري أن الرؤية وفقا للقانون الحالي تبيح للطرف غير الحاضن رؤية صغيره ثلاث ساعات أسبوعيا بإحدى مراكز الشباب، أي بإجمالي ستة أيام في السنة، وهو أمر لا يتماشى إنسانيا، نظرا لأن الصغير يحتاج إلى عاطفة الأبوة كما يحتاج إلى عاطفة الأمومة، متسائلا: "هل يعقل أن يقوم الأب برعاية ابنه داخل مركز شباب أو تربيته وتعليمه وإرشاده لطريق الصواب داخل هذه الأماكن؟ لاسيما أن ذلك يؤثر سلبا على العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن.

ويشير إلى أن القانون نظم ذلك في المادة (20) من القانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 4 لسنة 2005، وقرار وزير العدل رقم 1087 لسنة 2000، والذي حدد أماكن الرؤية في الأندية الرياضية أو الاجتماعية، ومراكز الشباب، ودور رعاية الأمومة والطفولة، والحدائق العامة على أن تكون مدة الرؤية بحد أدنى ثلاث ساعات أسبوعيا بين الساعة التاسعة صباحا والسابعة مساء.

الرعاية المشتركة الحل المقترح

ويؤكد الجعفري، أنه لابد من إلغاء قانون الرؤية واستبداله بنظام الرعاية المشتركة، لأن العلاقة الثلاثية بين الأب والأم والطفل لابد أن يسودها الانسجام، وإذا حدث انفصال بين الزوجين يجب ألا يحدث انفصال في تربية الأطفال، مقترحا أن يكون نظام الاستضافة مرة أسبوعيا لمدة 24 ساعة داخل منزل الطرف غير الحاضن، وخلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر في الأسبوع الأول والثالث، وفي الأعياد اليوم الثاني والثالث من عيد الفطر، والثالث والرابع من عيد الأضحى لأن ذلك يساهم في توطيد العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن.

متوسط سن الزواج خلال الفترة (2020 - 2024 )
متوسط سن الزواج خلال الفترة (2020 - 2024 )

 

ويحدد الجعفري ضوابط واضحة لتطبيق هذا النظام، حيث ربط حق الرعاية المشتركة والاستضافة بالإنفاق، وفي حالة امتناع الطرف غير الحاضن عن دفع النفقات لمدة 3 أشهر، يسقط حقه في الاستضافة لنفس المدة، ويتم تسليم وتسلم الطفل من خلال أقرب مركز شباب أو نادي أو مركز أمومة وطفولة، وتعيين أخصائي نفسي واجتماعي لمتابعة حالة الطفل أثناء التسليم.

 

تجارب عربية داعمة للاستضافة

ويؤكد أن الاستضافة لا تخالف الشريعة الإسلامية، مستشهدا بقوله تعالى: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض"، وما ذكره الفقيه الحنفي ابن عابدين بأن الولد متى كان عند أحد الأبوين لا يمنع الآخر من النظر إليه وتعاهده، مستندا إلى اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، التي تنص على ضرورة الحفاظ على الروابط الأسرية، وعدم فصل الطفل عن والديه إلا لمصلحة راجحة، إضافة إلى نصوص الميثاق الإفريقي وميثاق حقوق الطفل العربي، التي تؤكد حق الطفل في الرعاية المشتركة والتواصل الأسري.

واستعرض الجعفري تجارب عدد من الدول العربية التي تطبق نظام الرعاية المشتركة، مؤكدًا أنها نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، ففي الإمارات، ووفقا للقانون الاتحادي رقم 28 لسنة 2005، يحق للطرف غير الحاضن زيارة الطفل واستزارته واستصحابه، كما يحق للأجداد والأقارب ذلك، ويحدد القاضي عدد مرات الرؤية والمبيت، وفي البحرين ينص القانون رقم 19 لسنة 2017 على حق الطرف غير الحاضن في زيارة الطفل واستصحابه، مع تنظيم ذلك قضائيًا بما لا يضر بمصلحة الطفل، كذلك بدولة الكويت، ينص قانون الأحوال الشخصية رقم 51 لسنة 1984 على حق الأبوين والأجداد في رؤية الطفل، مع إمكانية تحديد مواعيد دورية للرؤية تتيح لبقية العائلة التواصل معه.

ويوضح أن مبيت الطفل مع والده لا ينتقص من حضانة الأم، بل يعزز من استقراره النفسي، وينشأ الطفل سليما خاليا من الاضطرابات، مشيرا إلى ضرورة تبني رؤية تشريعية جديدة تضع مصلحة الطفل في المقام الأول، وتعيد التوازن إلى العلاقة بين جميع أطراف الأسرة.

 

الأسرة منظومة متكاملة من المسؤوليات

في زاوية هادئة من صراعات ما بعد الانفصال، حيث تختلط مشاعر الغضب بالخذلان، يبقى الطفل هو الطرف الأضعف الذي يتحمل تبعات قرارات لم يكن يوما جزءا منها، وفي خضم الجدل الدائر حول قوانين الأحوال الشخصية، تبرز أصوات الخبراء محذرة من اختزال الأزمة في نصوص قانونية، بينما جذورها أعمق بكثير وتمتد إلى وعي الأفراد وسلوكهم اليومي.
وتقول الدكتورة آية عبدالمجيد، استشاري أسري وتربوي، إن تحقيق التوازن في حياة الطفل لا يبدأ من القوانين بقدر ما يبدأ من إدراك كل طرف لدوره الحقيقي والتزامه به، موضحة أن الأسرة ليست مجرد إطار قانوني، بل منظومة متكاملة من المسؤوليات والعلاقات الإنسانية، حيث إن الأب حين يلتزم بمسؤولياته الأساسية من إنفاق ورعاية ومشاركة فعالة في التربية، بالتوازي مع دور الأم في الاحتواء والتنشئة اليومية، مما يساهم في تشكيل مناخ صحي وآمن يمنح الطفل الاستقرار النفسي الذي يحتاجه.

الدكتورة أية عبد المجيد استشارى أسري وتربوي
الدكتورة أية عبد المجيد استشارى أسري وتربوي


وتؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا المناخ المتزن يخلق بيئة طبيعية لتواصل الطفل مع عائلة الأب، دون الحاجة إلى فرض أو صراع أو تدخل قانوني، مشيرة إلى أن العلاقات السليمة لا تُبنى بالإجبار، بل تنمو في بيئة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
وتشير إلى أن القانون، رغم أهميته، يظل أداة لتنظيم الحقوق والواجبات المادية والإجرائية، لكنه لا يستطيع أن يفرض مشاعر أو يصنع قبولا نفسي، لافتة إلى أن قضايا مثل الولاية والاستضافة وتواصل الطفل مع العائلة الممتدة، تعتمد في جوهرها على مستوى الوعي وجودة التربية، إلى جانب الإحساس بالأمان والثقة بين الأطراف المختلفة.
وتحذر من أن غياب هذا الوعي يحول العلاقات الأسرية إلى ساحة صراع، يدفع الطفل ثمنها نفسيا، في حين أن وجوده يساهم في تبسيط كثير من التعقيدات القانونية، لأن العلاقات حينها تُدار بروح المسؤولية لا بنصوص الإلزام.

عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024
عدد عقود الزواج والطلاق من 2020 حتى 2024


وفي سياق متصل، تشدد الدكتورة آية عبدالمجيد، على أن بناء بيئة صحية للطفل لا يتوقف فقط على ما تنص عليه القوانين، بل يعتمد بالدرجة الأولى على نضج الأطراف وإدراكهم أن مصلحة الطفل تتحقق من خلال التكامل والتعاون، لا الصراع والإقصاء، مؤكدة أهمية دور عائلة الأب في حياة الطفل بعد الانفصال، خاصة أن تجاهل هذا الدور أو إقصاءه يترك آثارا نفسية عميقة.

وتضيف أن حرمان الطفل من أجداده وأعمامه وعماته لا يعد مجرد إجراء تنظيمي، بل قطيعة تؤثر على هويته وانتمائه، إذ ينتمي الطفل بطبيعته إلى عائلة ممتدة توفر له الدعم والاحتواء، وليس فقط إلى أب وأم، مشيرة إلى أن عائلة الأب غالبا ما تتحمل تبعات نزاع لم تكن طرفا فيه، وتُحرم من دورها الطبيعي في دعم الطفل، خاصة في أوقات الأزمات التي يكون فيها في أمس الحاجة إلى شبكة أمان عائلية واسعة.

وتوضح ضرورة وجود وعي مشترك من الأب والأم بأهمية خلق مناخ صحي يضمن تواصلا آمنا ومنظما بين الطفل وعائلة الأب، بعيدا عن التعقيدات القانونية، مشددة على أن إدماج العائلة الممتدة ليس رفاهية، بل ضرورة حقيقية لبناء بيئة قائمة على الاحتواء، تحفظ للطفل توازنه النفسي وانتماءه الأسري.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة