أدى ارتفاع تكاليف الأعلاف والجفاف إلى انخفاض أعداد الماشية في الولايات المتحدة الأمريكي إلى أدنى مستوياتها منذ 60 عاماً، حيث يدفع الطلب المتزايد من المستهلكين المتعطشين للبروتين إلى ارتفاع الأسعار.
ماذا رصدت فاينانشيال تايمز داخل مزادات الماشية في تكساس؟
ورصد تقرير موسع لصحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، انحسار حركة البيع والشراء في مزادات الماشية في مزارع مقاطعة كورييل بولاية تكساس، التي كانت تتسم بالازدحام واعتاد المزايدون على إعلان الأسعار بسرعة وبشكل متقطع حتى ساعات الصباح الباكر كل أسبوع.
لكن في ظل النقص الحاد في الماشية، فإن المزادات شرعت في الانحسار وباتت تنفض تماماً ما بين "حوالي الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً"، حسبما قالت بلاير برنارد، وهي مربية ماشية تدير حوالي 17 ألف رأس سنوياً، وتابعت قائلة: "نشهد الآن انخفاضاً في عدد العجول بنسبة تتراوح بين 20 و30%" مقارنة بالعام الماضي".
وتشير الصحيفة إلى أن أسعار لحوم الأبقار الأمريكية قفزت إلى عنان السماء- إذ زادت بنسبة 75 في المائة منذ عام 2020، وفق إحصاءات بنك الاحتياط الفيدرالي في سانت لويس- الأمر الذي دفع المشرعين، وقادة الصناعة، وجماعات حماية المستهلكة إلى السعي للتعرف على أسباب تلك القفزات، ووجهوا اللوم لعدد من القطاعات المتنوعة في سلسلة تربية الثروة الحيوانية في الولايات المتحدة. من جانبها، أطلقت وزارة العدل الأمريكية تحقيقاً لمكافحة الاحتكار انصب على شركات تعبئة وتغليف اللحوم.
لكن خبراء اقتصاد رأو أن سنوات من الجفاف وارتفاع تكاليف المدخلات تسببت في انخفاض أعداد قطعان الماشية إلى أدنى مستوياتها منذ 60 عاماً، وتزامن ذلك مع حدوث زيادة كبيرة في طلب المستهلكين على البروتين الحيواني.
ويقول كبير خبراء اقتصاديات البروتين الحيواني في "بنك كوبانك"، برايان إرنست،: "يجني مربو الماشية أرباحاً طائلة من أسعار الماشية لم يسبق لها مثيل في التاريخ".
وتلفت "فاينانشيال تايمز" الانتباه إلى أن ارتفاع أسعار لحوم الأبقار يعتبر أحد أكبر محركات التضخم الغذائي في الولايات المتحدة، في وقت أصبحت فيه القدرة على تحمل التكاليف وارتفاع أسعار البقالة من القضايا السياسية الساخنة في عام الانتخابات النصفية. وقد زاد ذلك من التدقيق في صناعة تعبئة اللحوم شديدة التركيز.
وقال أخصائي تسويق الماشية في جامعة ولاية أوكلاهوما، ديريل بيل: "من الناحية السياسية، تولي الإدارة الأمريكية اهتماماً بالغاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومن السهل استهداف لحوم الأبقار تحديداً نظراً لوصول أسعارها إلى مستويات قياسية، وهم يسعون جاهدين، من وجهة نظر سياسية، للقول: ’إننا نتخذ إجراءً حيال ذلك’".
تمتد سلسلة توريد الماشية ولحوم الأبقار في الولايات المتحدة من مزارع الأبقار إلى مزارع التسمين، ثم إلى عدد قليل من شركات تعبئة اللحوم الكبيرة قبل أن تصل اللحوم إلى مصانع التجهيز والمتاجر الكبرى والمطاعم.
وعلى عكس الدورات السابقة، لم تحفز الأسعار القياسية إعادة بناء سريعة لقطعان الماشية في الولايات المتحدة.
وقالت المديرة التنفيذية للتمويل في قطاع الماشية في شركة "خدمات الائتمان الزراعي الأمريكية"، فالون سافاج، إنه على الرغم من أن ميزانيات المزارع "الأقوى" منذ سنوات عديدة، فإنه لم يتم تنفيذ أي عملية إعادة بناء مُنسقة للقطعان. وأضافت سافاج: "كان الكثير منها بحاجة إلى تحسين ميزانياتها"، مشيرةً إلى أن الجفاف والمنافسة على الأراضي يشكلان عائقين إضافيين.
وقالت سافاج: "كان لديهم حافز قوي لتصفية ليس فقط أجزاء من قطيعهم، بل وبعض الأبقار الحلوب أيضاً". ومع انخفاض أعداد إناث العجول القادرة على إنتاج الجيل القادم، يصبح إعادة بناء القطعان أكثر صعوبة.
وأضافت: "أعتقد أننا ربما نشهد وضعاً طبيعياً جديداً يتمثل في النمو التدريجي".
كانت وزارة العدل قدر أكدت، في وقت سابق من هذا الشهر، أنها تحقق فيما إذا كانت شركات تعبئة اللحوم الكبرى قد استخدمت "التلاعب بالأسعار والتواطؤ" لرفع أسعار لحوم البقر. وتسيطر شركات "تايسون فودز"، و"جيه بي إس"، و"كارجيل"، و"ناشونال بيف" مجتمعة على ما يقارب 85% من عمليات معالجة لحوم البقر في الولايات المتحدة.
وأعلنت "جمعية مربي الماشية الأمريكية"، التي تمثل المزارعين، دعمها للتحقيق، وأن التدقيق في "التلاعب المحتمل بالسوق والممارسات المنافية للمنافسة" كان ضرورياً.
وحثت الجمعية الجهات التنظيمية على ضمان أن تعمل أي إجراءات تصحيحية على استهداف "المشاكل الهيكلية في السوق، وليس المزارعين الأمريكيين العظماء الذين ينتجون لحوم البقر في هذه البلاد"، حسبما صرح رئيسها، جاستن تابر.
يقول منتقدو هذه الصناعة إن تركز السوق بين أكبر شركات المعالجة سمح تاريخياً لشركات التعبئة والتغليف بتوسيع الفجوة بين أسعار الماشية وأسعار لحوم الأبقار من خلال تقييد طاقة الذبح، وهو ادعاء يُمثل محور العديد من الدعاوى القضائية الجارية المتعلقة بمكافحة الاحتكار. وتنفي الشركات ارتكاب أي مخالفات.
تشير "فاينانشيال تايمز" إلى أن شركة "تايسون" سبق لها تسوية العديد من الدعاوى القضائية التي تزعم ممارسات منافية للمنافسة في صناعة لحوم الأبقار، بما في ذلك اتفاقيات العام الماضي لدفع 55 مليون دولار للمستهلكين، و87 مليون دولار أخرى لصغار تجار التجزئة وموردي لحوم الأبقار الجاهزة للتعبئة في يناير. ونفت الشركة ارتكاب أي مخالفات في كلتا التسويتين.
وقال "معهد اللحوم"، وهو جماعة ضغط تمثل صناعة التعبئة والتغليف: "لا يؤثر تركز السوق على أسعار لحوم الأبقار، نظراً لوجود أربع شركات فقط في السوق منذ 30 عاماً. وخلال هذه الفترة، تتحرك تكاليف المستهلكين، وأسعار الماشية، وهوامش الربح ارتفاعاً وانخفاضاً تبعاً للعرض والطلب. إنها سوق ديناميكية وشفافة".
ويعلق أخصائي تسويق الماشية في جامعة أوكلاهوما، ديريل بيل، مجدداً على الأوضاع قائلاً: "لقد استطاع التيار الشعبوي في هذه الصناعة أن يكسب تأييد هذه الإدارة. بسبب طبيعة هذه الإدارة واستعدادها للاستماع إلى هذا الهراء، فإنهم يستغلون الوضع... إذا نجحوا في مسعاهم وفككوا شركات تعبئة اللحوم، فسوف يدمرون كل ما يفيدهم الآن، وقد يلحقون الضرر بهذا البلد لعشر أو عشرين سنة".
ويرى اقتصاديون وعاملون في هذا القطاع أن دورة الماشية الحالية أدت إلى تحول حاد في "قوة التسعير" وانتقالها إلى المراحل الأولى من سلسلة التوريد، الأمر الذي منح مربي الماشية نفوذاً غير مسبوق على الماشية التي باتت نادرة، بينما يكافح بقية العاملين في السلسلة مع هوامش ربح متضائلة.
يقول الخبير الاقتصادي في مجال الثروة الحيوانية بـ"جامعة تكساس إيه آند إم"، ديفيد أندرسون،: "يتعرض الجميع خارج نطاق المزارع لضغوط متزايدة على هوامش أرباحهم". ويضيف أن شركات التعبئة والتغليف "تتكبد خسائر فادحة، لأنه على الرغم من ارتفاع أسعار لحوم البقر بالجملة، فإن أسعار الحيوانات الحية ارتفعت بوتيرة أسرع وبنسبة أعلى من أسعار الجملة".
وتعتبر المسالخ الحديثة منشآت ضخمة كثيفة رأس المال، تتطلب تدفقاً مستمراً من الحيوانات لتغطية التكاليف الثابتة والتشغيل بكفاءة. ولكن مع شح إمدادات الماشية، تعمل بعض المصانع بأقل من طاقتها المثلى.
ويقول خبير البروتين الحيواني في "بنك كوبنك"، بريان إرنست: "صُممت هذه المصانع للعمل بكامل طاقتها الإنتاجية".
وقد أغلقت شركة "تايسون فودز" مصنعاً للحوم البقر في نبراسكا، وخفضت عدد الورديات في تكساس، حيث أدى شح إمدادات الماشية إلى تراجع معدلات الاستخدام في جميع أنحاء القطاع، في حين حذرت شركات منافسة، من بينها "كارجيل"، من تزايد الضغوط على اقتصاديات معالجة لحوم البقر.
وأعلنت شركة "تايسون" أيضاً عن تكبدها خسائر قدرها 240 مليون دولار في قسم لحوم الأبقار خلال الربع المنتهي في مارس، على الرغم من الأسعار القياسية للحوم الأبقار، وتوقعت خسائر سنوية تصل إلى 500 مليون دولار هذا العام مع استمرار ارتفاع تكاليف الماشية.
وفي حين أن "هوامش ربح شركات تعبئة اللحوم تكاد تكون دائماً سلبية"، وفقاً لـ"معهد اللحوم": "يحقق مربو الأبقار ومربي الماشية أرباحاً قياسية من بيع الماشية".
أما مربية الماشية بلاير برنارد، التي قالت لـ"فاينانشيال تايمز" في بداية التقرير إن العديد من مربي الماشية ما زالوا يرون أن شركات تعبئة اللحوم تتمتع بنفوذ غير متناسب على القطاع، عادت لتشير إلى أن سنوات من انخفاض أسعار الماشية قد ثبطت عزيمة المنتجين عن الحفاظ على قطعانهم وإعادة بنائها.
وقالت برنارد، التي تشتري العجول قبل بيعها لمزارع التسمين: "في السابق، كنت أكسب 100 دولار عن كل عجل". أما الآن، فهي "تخسر 3 دولارات عن كل عجل"، على حد قولها.
وأضافت برنارد: "لو كانوا يدفعون لمربي الماشية سعراً مناسباً، بصراحة، لا أعتقد أننا كنا سنصل إلى هذا الوضع"، واختتمت قائلة إن "العلاقة حينذاك ستكون تكافلية أكثر من كونها علاقة تنافسية".