أحمد إبراهيم الشريف

"ضحيت بشبابي".. هل أخطأ محمد صلاح؟

السبت، 30 مايو 2026 08:57 ص


قال اللاعب الكبير محمد صلاح "ضحيت بشبابي"، فانشغل الناس بما قاله، وهذا أمر طبيعي، يتصل بمكانة صلاح من ناحية، وبطبيعة الجملة نفسها من ناحية أخرى، فقد تحولت العبارة سريعًا إلى مادة سجال، لأن كلمة "التضحية" في المجال العام العربي محملة بذاكرة أخلاقية واجتماعية ثقيلة.

هناك من تلقاها بوصفها اعترافًا إنسانيًا من لاعب بدأ مبكرًا، ودفع من عمره وراحته من أجل الاحتراف، وهناك من اعترض عليها، معتبرًا أن التضحية كلمة تنتمي إلى من يدفعون أثمانًا قاسية في الفقر والعمل والمرض والحياة اليومية، أكثر مما تنتمي إلى نجم حقق المجد والثروة والشهرة.
غير أن تحليل الخطاب يبدأ من السياق قبل الحكم، فصلاح كان يتحدث عن مساره الشخصي، عن سنوات التدريب والابتعاد والانضباط والتخلي عن الحياة العادية التي يعيشها كثير من الشباب، وفي هذا السياق، تحمل كلمة "ضحيت" معنى البذل والتنازل عن جزء من العمر من أجل هدف، وهذا المعنى حاضر في الاستعمال اللغوي، إذ يقال "ضحى بالشيء"، أي بذله وتنازل عنه.

وتتكون الجملة من فعل وضمير وموضوع شخصي "ضحيتُ بشبابي"، والضمير هنا يصنع المعنى، فالمتكلم يقدم نفسه فاعلًا اختار الطريق ودفع ثمنه، أما "شبابي" فتحول الزمن إلى ملكية شخصية (عمري، راحتي، حياتي الخاصة، فرصي الصغيرة في العيش العادي)، لذلك بدت الجملة مؤثرة لدى جمهور، ومستفزة لدى جمهور آخر، لأنها تجمع بين لغة الألم وموقع الامتياز.

ويكشف الاعتراض على الجملة عن صراع أعمق بين نوعين من التضحية، تضحية اختيارية تقود إلى إنجاز، وتضحية قهرية يفرضها الواقع على الفقراء والمهمشين، ومحمد صلاح يتحدث من داخل النوع الأول، بينما يرد عليه بعض الجمهور من ذاكرة النوع الثاني، ومن هنا بدا الخلاف كأنه خلاف على كلمة، لكنه في الحقيقة خلاف على من يملك الحق في تمثيل الألم.
بهذا المعنى، تكشف الجملة طبيعة العلاقة المعقدة بين النجم والجمهور، النجم يريد أن يذكّر الناس بأن النجاح له ثمن، والجمهور يريد أن يذكّر النجم بأن هناك أثمانًا أخرى تُدفع بلا مجد ولا شهرة ولا نهاية خيالية، وبين الطرفين تقف كلمة "التضحية" مفتوحة على أكثر من معنى، وعلى أكثر من عدالة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة