في مشهد يبتعد كثيرا عن قواعد العمل الإعلامي المهني، يواصل الإخوانى الهارب محمد ناصر تقديم خطاب يعتمد بدرجة كبيرة على الصراخ والتهويل والمبالغة في تناول الأحداث، فيبدو أن الهدف الأساسي هو صناعة حالة من الإثارة وجذب انتباه المشاهد، أكثر من تقديم المعلومات الموثقة أو مناقشة القضايا بصورة متوازنة.
وتتحول الشاشة، في هذا النمط من التناول، إلى ما يشبه فرشة في سوق شعبي، ترتفع فيها الأصوات لجذب المارة، وتقدم فيها كل قضية باعتبارها البضاعة الأهم، بينما تختلط الوقائع بالانطباعات، وتتحول المشكلات الحقيقية إلى مادة لإنتاج روايات أكثر إثارة وأشد قتامة.
ولا تقوم المهنية الإعلامية على ارتفاع الصوت أو المبالغة في التعبير أو القدرة على صناعة حالة انفعالية لدى الجمهور، وإنما تستند إلى دقة المعلومات، ووضوح المصادر، ووضع الأحداث في سياقها الكامل، والتمييز بين الخبر والرأي والاستنتاج. وعندما تحل الإثارة محل هذه القواعد، يصبح المشاهد أمام خطاب يستهدف التأثير في مشاعره قبل مساعدته على فهم ما يحدث.
حين تتحول الشاشة إلى فرشة سياسية
يعمل الإرهابى الهارب محمد ناصر على توظيف الأداء المسرحي طوال ثلاث ساعات متواصلة من خلال من رفع نبرة الصوت وتغيير إيقاع الحديث، إلى الانتقال السريع بين السخرية والاستعطاف والهجوم، بما يحول النقاش السياسي أو الاقتصادي إلى مشهد يعتمد على الاستعراض أكثر من اعتماده على عرض الأدلة.
ويحاول هذا الأسلوب جذب المشاهد من خلال العبارات الصادمة والانفعالات المتتالية، بحيث تصبح طريقة تقديم المعلومة جزءا من الرسالة ذاتها، وربما أهم منها في بعض الأحيان.
الإعلام لا يتحول إلى عمل مهني لمجرد أن المقدم يمتلك قدرة على إثارة الانتباه، فالمعيار الحقيقي يظل في السؤال عن مصدر المعلومة، ومدى صحتها، والسياق الذي وردت فيه، وما إذا كانت الأرقام والاستنتاجات المطروحة تعكس الواقع بالفعل أم تقدم جزءا منه باعتباره الحقيقة الكاملة.
عندما يصبح الضجيج بديلا عن الدليل
يعتمد الإرهابى الإخوانى الهارب محمد ناصر خلال خطابه على رفع حدة النبرة والمبالغة في التعبير، وكأن قوة الصوت قادرة على منح الرواية قوة لا توفرها الأدلة، لكن ارتفاع الصوت لا يثبت صحة المعلومة، كما أن تكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة، مهما طال زمن عرضه أو تكرر تداوله.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يدفع المشاهد إلى استقبال الرسالة من بوابة الانفعال، بدلا من التفكير في مضمونها، فتتحول العبارة الأكثر صخبا إلى العبارة الأكثر حضورا، بينما تتراجع الأسئلة الأساسية: ما مصدر هذه المعلومة؟ هل توجد أرقام تؤكدها؟ وهكذا يصبح الصوت المرتفع أداة لصناعة الانطباع، وليس وسيلة لإثبات الحقيقة.