"يارب يحبني يارب.. يارب خليه يحبني" طيلة 5 سنوات تكررها، بخليط مؤلم من اليأس والأمل. لا، ما خطر ببالك ليس صحيحًا. ليست مراهقة غرة تعيش تلك القصة المتكررة من الحب الصامت اليائس لابن الجيران الذي لا يعرف حتى أنها على قيد الحياة. وليست حتى شابة عزباء يائسة غارقة في قصة حب من طرف واحد. إنما هي زوجة "مثالية"، بل وزوجة لفارس الأحلام الذي تحبه. لم يتضح بعد الزواج أنه وغد قاسٍ سيء الخلق. على العكس. كان كما تمنته تمامًا، يحسن معاملتها، كريم وشهم وعاقل وكما تصفه أمها "لا تخرج منه العيبة". رزقت منه بطفلين وينعمان معًا بحياة مثالية ولكنها في كل مرة تراه تعرف أنه لا يحبها وتدعو الله لو يفعل يومًا.
ماذا يحدث لو تزوج "الرجل الذي لا تخرج منه العيبة" من "الفتاة المثالية"؟ هذا التساؤل الملح الذي طرحته في عقلي رواية "رائحة البحر" للكاتبة ريم بسيوني. هي عمل قديم للكاتبة، للدقة هي روايتها الأولى وقد أعادت دار نهضة مصر للنشر طباعتها قبل شهور بعد مرور 20 سنة على طبعتها الأولى.
"يارب يحبني يارب" في كل ليلة تكرر "رانيا" الزوجة المثالية بمعايير المجتمع. مطيعة، عاقلة، تحسب لكل كلمة حساب، تحب زوجها بلا حدود، تحرص دائمًا على اتباع نصائح أمها، فلا يجب أن يرى منها زوجها إلا كل ما هو جميل وطيب. حتى تلك العيوب والفوضى البشرية الطبيعية لا تسمح له أن يراها. ولكنه لا يحبها! هناك حاجزًا زجاجيًا بينهما يجعلها تشعر دائمًا أمامه بالعجز والضآلة. هو لا يحبها. هذا الرجل الوسيم المثالي الناجح الذي تذوب فيه لا يحبها! رغم كل هذا الحب في داخلها!
رغم حنانه معها وطيبته ومثاليته في التعامل معها لكنها ليست سعيدة. "لعبت كل الألعاب" النسائية التي طالما سمعت بها. حاولت أن تقترب من عالمه واهتماماته. تقرر كل يوم أن تتقمص شخصية جديدة تتوقع أنها قد تعجبه. ولكنه لم يحبها.
مشت على الحبل 5 سنوات كاملة وهي تحاول التشبث بحبه وعلاقتهما كبيضة هشة بين أناملها. مرعوبة دائمًا أن يختل توازنها لحظة فتسقط في الهاوية. تسقط من نظره. مرعوبة من فقدانه. ومرعوبة لأنها تعرف يقينًا أنها لم تملكه من الأساس. كيف تنام في حضنه كل ليلة. تحمل اسمه وتنجب له أبناءً ولا تملكه أبدًا؟ كانت هذه المعضلة المستعصية عليها. والتي لم تنفك عقدتها أبدًا إلا حين توقفت عن المحاولة!
فازت بما أرادته فقط حين خسرت كل ما كانت تخشى خسارته.
"يارب يحبني يارب.. يارب أنا مش طماعة.. نفسي بس يحبني" كانت تدعو بإخلاص كل ليلة والله قادر على كل شيء ولكن ماذا عن الأخذ بالأسباب؟ طيلة 5 سنوات سلكت مئات بل آلاف الطرق أملاً في أن يوصلها أحدها إلى قلبه. اتبعت كل النصائح التي غرست فيها منذ طفولتها.ككل فتاة مطيعة يتم تدجينها منذ الطفولة على أن تفعل كل ما يلزم لتفوز بقلب الرجل: "لو لم ترتدِ النساء الأقنعة لكانت كل البيوت الآن قد خربت.. أتفهمين؟ لا بأس من بعض التمثيل.. كلنا نمثل يا رانيا" تنصحها أختها حين تفاقم الوضع ولم يعد بإمكانها إخفاء فشلها في احتوائه. لكنها لم تكسب قلبه إلا حين ألقت كل أقنعتها وتوقفت عن التمثيل وعاشت حقيقتها.
كانت تدعو الله كل ليلة أن يحبها، ولكن كيف يحبها لو لم يعرفها؟ لهثت مرارًا وهي تحاول تحطيم الجدار الزجاجي بينهما ولم تدرك أن ما يفصل بينهما حقًا هو ذلك الزجاج الذي يحيطها هي. يمنع كل ذلك الدفء داخلها والشغف والحب من الوصول إليه، فلا يكاد يشعر بوجودها. لا يراها ولا يحسها، فكيف إذن يحبها؟
للأسف تعيش آلاف النساء مأساة "رانيا" التي تبذل جهدًا جهيدًا لتكون "زوجة مثالية" أملاً في المكافأة: قلب الرجل! أيًا كان هذا الرجل وكيفما كان حاله. لا يحتاج الرجال في بلادنا إلى ارتداء الأقنعة. يعيشون حقيقتهم كما هي. فالرجل لا يعيبه إلا جيبه. أما المرأة فيجب أن تفعل كل ما ينبغي لتفوز بهذا الرجل. تبذل الفتيات جهدًا في تعلم كيفية إرضاء الرجل، كيفية فهمه، وكيفية احتواء الخلافات معه والحفاظ على البيت والاستقرار والهدوء. ولا يحاول أحد أبدًا تعليمهن كيف يكن أنفسهن. كيف يعشن بوجوههن الحقيقية ويتعلمن أنهن يستحققن الحب.
تتطور نصائح الجدات إلى "كورسات" لتعليم الأنوثة والذكاء العاطفي وحتى فن الغواية! ويتغير شكل "كتيب التعليمات" للنساء على مر الزمان ولكن المضمون واحد: هذا هو قناع الأنثى. ارتديه إذا أردتِ الفوز بالرجل والاحتفاظ به.
ينجح كتيب التعليمات مع بعض النساء اللائي تتطابق بالصدفة مواصفات "الأنثى النموذجية" فيه مع ذوق الرجل الذي فزن به. يفشل الكتيب مع الكثيرات، فيعتقدن أنهن بالتأكيد أخطأن في تحضير التعويذة. ولكن سواء نجحت التعليمات أو فشلت في مساعدتهن على الاحتفاظ بالرجل، لا شك أبدًا أن كل من تتبع الكتيب تخسر متعة أن تعيش كنفسها! تقول ما تحسه، تفعل ما تريده، ترتاح في جسدها وشخصيتها. وتتيقن أنها جديرة بالحب تمامًا كما هي!