منذ سنوات طويلة لم يتغير الخطاب الاقتصادي لجماعة الإخوان كثيرًا؛ فالمفردات ذاتها تتكرر مع كل أزمة عالمية أو تحد إقليمي: «إفلاس وشيك»، «انهيار الجنيه»، «هروب الاستثمارات»، «سقوط الاقتصاد»، وبينما تتبدل الحكومات والظروف الاقتصادية وتتعاقب الأزمات الدولية، يبقى السيناريو الدعائي ثابتًا، التنبؤ الدائم بالسقوط، حتى لو جاءت الوقائع والبيانات الدولية في الاتجاه المعاكس.
المفارقة أن هذا الخطاب لا يطرح برنامجًا اقتصاديًا بديلًا ولا يقدم رؤية إصلاحية أو حلولًا واقعية للتحديات القائمة، وإنما يقوم أساسًا على توظيف الضغوط الاقتصادية المعيشية لتغذية الإحباط العام وتحويل كل تحد اقتصادي إلى دليل مزعوم على فشل الدولة، بغض النظر عن طبيعة الأزمة أو أسبابها أو السياق الدولي المحيط بها.
وفي مقابل هذا الخطاب التعبوي، تظهر تقارير المؤسسات المالية الدولية أكثر ارتباطًا بلغة الأرقام والمؤشرات، إذ لا تتعامل مع الاقتصاد المصري باعتباره اقتصادًا بلا مشكلات، لكنها في الوقت نفسه لا تتحدث مطلقًا عن سيناريو الانهيار الذي تروج له المنصات التابعة للجماعة الإرهابية، لكنها تصف اقتصادًا يمر بمرحلة إصلاح عميقة نجح خلالها في استعادة قدر كبير من التوازن رغم واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في الاقتصاد العالمي.
لماذا تسقط رواية «الانهيار» أمام اختبار الواقع؟
لو كان الاقتصاد المصري يسير بالفعل نحو الانهيار كما تدعي الجماعة، لكان أول انعكاس لذلك هو فقدان المؤسسات الدولية ثقتها في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وتوقف برامج التمويل الدولية، وارتفاع مستويات المخاطر السيادية بصورة غير قابلة للاحتواء.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا، فالبنك الدولي لم يكتف بالإبقاء على شراكته التمويلية مع مصر، لكنه أيضا وافق على حزم دعم وتمويل جديدة تستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص العمل ودعم القطاع الخاص، كما واصل صندوق النقد الدولي مراجعاته الدورية للبرنامج الاقتصادي المصري مع الإشادة بالتقدم المحرز في عدد من ملفات الإصلاح الهيكلي والمالي والنقدي.
وهنا يبرز سؤال منطقي: هل يمكن لمؤسسات دولية تمتلك أكبر قواعد بيانات اقتصادية في العالم أن تضخ مليارات الدولارات في اقتصاد ترى أنه على وشك الانهيار؟!!
الإجابة العملية جاءت من قرارات هذه المؤسسات نفسها، والتي استمرت في تقديم التمويل والدعم الفني والتوصية بمواصلة الإصلاحات، وهو ما يعكس قناعة بأن الاقتصاد يمتلك مقومات الاستمرار والتعافي، وإن كان لا يزال يواجه تحديات تحتاج إلى معالجة مستمرة.
تجاهل متعمد للسياق العالمي
ومن الملاحظ أن إحدي أبرز أدوات الخطاب الإخواني تتمثل في عزل الاقتصاد المصري عن البيئة الدولية المحيطة به، فعندما ارتفعت معدلات التضخم عالميًا بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، تم تصوير الأمر باعتباره أزمة مصرية خالصة، وعندما تعرضت سلاسل الإمداد الدولية للاضطراب وارتفعت أسعار الغذاء والطاقة في معظم دول العالم، جرى التعامل مع هذه التطورات وكأنها نتيجة قرارات داخلية فقط.
الأمر ذاته تكرر مع تداعيات الحرب في غزة والتوترات في البحر الأحمر، والتي أثرت بصورة مباشرة على حركة التجارة العالمية وإيرادات الملاحة في قناة السويس، فبدلًا من قراءة الأزمة ضمن سياقها الجيوسياسي الطبيعي، جرى تقديمها باعتبارها دليلًا جديدًا على ما يسمى «فشل الإدارة الاقتصادية».
هذا النوع من المعالجة الانتقائية لا يهدف إلى الفهم أو التفسير، وإنما إلى تكريس رواية مسبقة مهما تغيرت الوقائع على الأرض.
المشروعات القومية بين الدعاية والوظيفة الاقتصادية
ويعد أحد أكثر الملفات التي ركزت عليها الجماعة خلال السنوات الأخيرة الهجوم المستمر على مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة وشبكات الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية، وقد جرى تصوير هذه المشروعات باعتبارها عبئًا ماليًا بلا عائد اقتصادي، في حين تنظر المؤسسات الدولية إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا.
ففي الرؤي الاقتصادية الحديثة لا تُقاس جدوى البنية التحتية بالعائد النقدي المباشر فقط، وإنما بقدرتها على جذب الاستثمارات وخفض تكلفة الإنتاج وتحسين كفاءة حركة التجارة والنقل وتوسيع الرقعة العمرانية وتهيئة بيئة الأعمال، ولهذا السبب تؤكد المؤسسات الدولية باستمرار أهمية تطوير البنية الأساسية كأحد الشروط الرئيسية لزيادة مساهمة القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز الضريبية، بل يبحث أيضًا عن طرق وموانئ ومناطق صناعية وشبكات طاقة واتصالات قادرة على دعم النشاط الاقتصادي بكفاءة واستدامة.
العام.. بين الأرقام المجتزأة والقراءة الاقتصادية
كما يُعد ملف الدين العام السلاح الدعائي الأكثر استخدامًا في الخطاب الإخواني، ففي كل مرة يتم الإعلان عن رقم جديد للدين، يُقدم الرقم منفصلًا عن بقية المؤشرات الاقتصادية، وكأنه دليل نهائي على الإفلاس، لكن القراءة الاقتصادية المهنية لا تتوقف عند حجم الدين فقط، وإنما تنظر إلى قدرة الدولة على السداد، وهيكل الدين، ومعدلات النمو، والفائض الأولي، وإدارة الالتزامات المالية، وحجم الأصول والاستثمارات وقدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات.
ولهذا السبب تركز المؤسسات الدولية في تقييماتها على مؤشرات الاستدامة المالية وليس على الأرقام المجردة، كما أن استمرار الدولة في الوفاء بكافة التزاماتها الخارجية، والحفاظ على علاقاتها الائتمانية، وتنفيذ برامج الإصلاح المالي، يمثل مؤشرات عملية لا تتفق مع سردية «الإفلاس الوشيك» التي يتم تكرارها منذ سنوات دون أن تتحقق.
ماذا تقول المؤسسات الدولية فعليًا؟
والحقيقة أنه عند مراجعة تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، نجد أن الرسالة الأساسية تكاد تكون واحدة: «الاقتصاد المصري واجه ضغوطًا استثنائية خلال السنوات الأخيرة، لكنه أظهر قدرة على الصمود والتكيف.»
كما تشير هذه التقارير إلى تحسن تدريجي في معدلات النمو، وتراجع الضغوط التضخمية مقارنة بذروتها السابقة، وتحسن أوضاع الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وزيادة الاهتمام بتمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، لا تتجاهل هذه المؤسسات التحديات القائمة، سواء ما يتعلق بارتفاع تكلفة التمويل، أو الحاجة إلى زيادة الاستثمارات الخاصة، أو ضرورة تعزيز الحماية الاجتماعية، أو تأثير التوترات الإقليمية على بعض مصادر النقد الأجنبي، أي أنها تقدم تقييمًا متوازنًا يجمع بين رصد النجاحات والتنبيه إلى المخاطر، وليس خطابًا قائمًا على التهويل أو التطمين المطلق.
بين الاقتصاد والدعاية
الحقيقة التي تكشفها تقارير المؤسسات الدولية أن المعركة ليست حول وجود تحديات اقتصادية من عدمه، فهذه التحديات موجودة وتعترف بها الدولة نفسها قبل أي طرف آخر، وإنما حول كيفية قراءة هذه التحديات وتفسيرها، فبينما تتعامل المؤسسات الاقتصادية الدولية مع الأرقام باعتبارها أدوات لقياس الأداء وتحديد نقاط القوة والضعف واقتراح مسارات الإصلاح، يتعامل إعلام الإخوان مع الأرقام باعتبارها مادة دعائية تُنتزع من سياقها وتُستخدم لإنتاج حالة مستمرة من التشاؤم وفقدان الثقة.
ولهذا تبدو الفجوة واسعة بين خطاب يراهن على صناعة اليأس، وتقارير دولية تتحدث عن اقتصاد يواجه تحديات حقيقية لكنه يواصل الإصلاح ويحتفظ بقدر معتبر من القدرة على النمو والتعافي واستقطاب التمويل والاستثمار، وبين الروايتين، تبقى المؤشرات والوقائع هي الحكم الحقيقي، لا الشعارات ولا الحملات الدعائية الموجهة.