ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنه بالتزامن مع انعقاد فعاليات الدورة الـ79 لجمعية الصحة العالمية بمدينة جنيف بسويسرا خلال الفترة من 18 حتى 23 مايو الجاري؛ لمناقشة الاستعداد العالمي للأوبئة، ظهرت أزمة جديدة لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، لتختبر مجددا قدرة العالم على احتواء التفشيات الوبائية.
ففي 15 مايو، أعلنت الكونغو الديمقراطية رسميا تفشي سلالة جديدة لوباء إيبولا في مقاطعة إيتوري شرقي البلاد، بعد تأكيد مخبري لعدة إصابات وعشرات الوفيات المشتبه بها. وسرعان ما تأكد انتقال العدوى إلى أوغندا. وبعد يومين فقط، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا، وذلك في خطوة غير مسبوقة تم اتخاذها دون دعوة لجنة الطوارئ للاجتماع، ما يعكس خطورة الوضع.
وأكدت المجلة الأمريكية أن الأسئلة المطروحة في مثل هذه الحالات تبدو مألوفة، وهي: ما مدى انتشار الوباء؟ هل يمكن تعقب الإصابات بسرعة؟ هل تتوفر لقاحات فعالة؟ وما مستوى الخطر على الدول الغربية؟ لكن السؤال الأهم ربما هو: كيف يمكن لأنظمة صحية هشة أصلا أن تتحمل مثل هذه الأزمات؟
ونبهت المجلة إلى أن القيود العملية التي تواجه الاستجابة الحالية للتفشي في الكونغو الديمقراطية يصعب تجاهلها. فسيطرة حركة "إم 23" أو 23 مارس المتمردة المسلحة المدعومة من رواندا على أجزاء واسعة من شرق الكونغو الديمقراطية أدت إلى تفكك السلطة وتعقيد وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من النزاع.
ودللت المجلة على ما ساقته بالإشارة إلى أنه خلال التفشي الكبير للإيبولا في شرق الكونغو الديمقراطية بين عامي 2018 و2020، وبسبب النزاع هناك، فشلت إجراءات الفحص والاحتواء بين السكان المتضررين، حيث إن المجتمعات التي تعيش وسط العنف المزمن وسوء التغذية والملاريا لا تنظر إلى إجراءات مثل تتبع المخالطين أو "الدفن الآمن"، علاوة على المشاكل الخطيرة المرتبطة بالهجمات على المنشآت الصحية والعاملين في المجال الطبي، والتي تؤثر بشدة على جهود مكافحة الأوبئة.
ونوهت "فورين بوليسي" إلى أنه رغم أن السلالة الحالية من فيروس إيبولا، المعروفة باسم "بونديبوجيو"، لا يتوفر لها حتى الآن لقاح معتمد أو علاج مثبت فاعليته، إلا أن ذلك لا يعني أن العالم يواجه سيناريو كارثيا، شريطة معالجة الخلل الجوهري المرتبط بعدم تطبيق نموذج "الاحتواء التكنولوجي" في الدول الموبوءة على غرار ذلك سابق تطبيقه مع جائحة (كوفيد-19)، بالتركيز على اللقاحات والتقنيات الحيوية وأدوات المراقبة، وإن كان الأمر صعبا للغاية في دول تعاني بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
وواصلت المجلة أنه بينما تنشغل المفاوضات حول اتفاقية الأوبئة التابعة لمنظمة الصحة العالمية بقضايا الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، يجري تجاهل عوامل أخرى تحدد ما إذا كان بالإمكان احتواء أي تفش وبائي خطير. فبينما نجحت الدول الغربية في خفض معدلات الأوبئة داخليا عبر الاستثمار في الصرف الصحي والإسكان والتغذية والبنية التحتية، ظلت السياسات الصحية في الدول الفقيرة تعتمد على حملات رأسية تستهدف مسببات مرضية محددة بدلا من بناء أنظمة صحية متكاملة، والتي يمكن لغيابها تحويل التفشي المحدود إلى كارثة عالمية.
وحول معايير الغرب المزدوجة في التعاطي مع مثل هذه التفشيات، شددت المجلة على أنه في حين أن الإيبولا مرض مرعب بسبب ارتفاع معدل الوفيات، إلا أن انتقاله عبر سوائل الجسم يجعله أقل قدرة على الانتشار مقارنة بالفيروسات التنفسية، وهو ما يجعل إجراءات مكافحة العدوى فعالة نسبيا. وقد أظهرت أزمة الإيبولا في غرب إفريقيا بين 2014 و2016 حجم الدمار الذي يمكن أن يلحقه المرض بالأنظمة الصحية والاقتصادات المحلية، لكنها كشفت أيضا أن الخطر المباشر على معظم الدول الغربية ظل محدودا نسبيا. وهذا ما يفسر جزئيا مفارقة سياسية نادرا ما يعترف بها علنا، وهي أن الحكومات الغربية تبدو، على النقيض من خطاباتها الرسمية، أقل قلقا، خاصة حينما تكون الأمراض أقل قدرة على شل الاقتصادات المتقدمة.
وعليه، فإن الإيبولا تكشف عن صدع عميق في النظام العالمي يتمثل في غياب العدالة الصحية. فالأوبئة مثل الإيبولا والكوليرا والملاريا وشلل الأطفال تظهر غالبا في البيئات المتأثرة بالنزاعات، حيث تؤدي الحروب والفقر والنزوح وضعف الاستثمار إلى إنهاك الأنظمة الصحية. وتزداد الصورة قتامة مع استهداف البنية الصحية في مناطق النزاعات، حيث تتراجع حملات التطعيم، وتضعف أنظمة الرصد الوبائي، وتنتشر الأمراض بفعل الاكتظاظ والنزوح وانهيار خدمات الصرف الصحي.
لذا، يجب على السياسات الدولية ألا تتعامل مع الأوبئة باعتبارها أحداثا بيولوجية منفصلة تحتاج فقط إلى حلول تقنية، بل يتم النظر إليها بوصفها أعراضا مباشرة لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. كما أن الإجراءات، التي وصفتها المجلة، ب"الاستعراضية" مثل الفحص الحراري في المطارات أثبتت محدودية فعاليتها في كشف تفشيات مثل الإيبولا وكوفيد-19 مبكرا، وأن الحل يكمن في أنظمة الرصد المجتمعي وفحوص مياه الصرف الصحي والمختبرات اللامركزية.
وأخيرا، لا يتعلق الاستعداد للأوبئة بالعلم وحده، بل بالسياسة أيضا. فاستمرار حالات الطوارئ الصحية العالمية، مثل شلل الأطفال والإيبولا، لا يعود إلى نقص المعرفة العلمية، بل إلى الحروب وعدم المساواة وضعف أنظمة التطعيم والهشاشة السياسية التي تقوض أسس الصحة العامة.
وبناء عليه، قد لا تأتي الجائحة المقبلة من مختبر أو سوق للحيوانات، بل من إحدى مناطق الصراع المعاصرة، حيث يؤدي تدمير المستشفيات واستنزاف الكوادر الطبية وانهيار البنية التحتية إلى خلق بيئة مثالية لظهور أزمات بيولوجية جديدة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت المؤشرات التحذيرية موجودة، بل ما إذا كان العالم مستعدا للاعتراف بها قبل فوات الأوان.