أحمد إبراهيم الشريف

سيما ألف ليلة.. حين تتحوّل الحياة إلى شاشة عرض

السبت، 02 مايو 2026 09:31 ص


انتهيت من قراءة رواية "سيما ألف ليلة" للكاتب أشرف ضمر، الصادرة عن دار إشراقة، وقد وجدت نفسي أمام عمل لا يكتفي بالحكي، بل يسعى إلى استعادة زمن كامل، وإعادة تركيبه سرديًا ومعرفيًا، انطلاقًا من حي روض الفرج في النصف الأول من القرن العشرين، ذلك الحي الذي كان في لحظة ما مركزًا نابضًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وملاذًا للوافدين إلى القاهرة، بين باحث عن فرصة، وهارب من هواجسه وظروفه وضيق المكان الأول.

الرواية تبنى على تعددية الشخصيات، لكنها لا تترك القارئ في فوضى الأصوات، بل تمنحه نقطة ارتكاز واضحة عبر عائلة "سيد العافية"، التي تمثل مدخلًا لفهم التحولات، والسرد هنا لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك بين زمنين، عودة إلى الجذور لرصد البدايات، ثم اندفاع نحو لحظة مفصلية تمثلها ثورة 1952، بوصفها نقطة إعادة تشكيل للمجتمع.

وواحدة من نقاط قوة الرواية أنها لا تكتفي بالمكان القاهري، بل تفتح مسارًا موازياً نحو الصعيد، تحديدًا قنا، حيث نلتقي بعالم آخر، مختلف في شروطه، لكنه متصل في مصيره، من خلال أسرة عبد النور بن أحمد شراع البحر، وخاله حسونة الشقيان، تتكشف صورة التغريبة الداخلية، وكيف كان الخروج من الصعيد ضرورة أكثر منه اختيارًا، هنا لا يقدم الكاتب وصفًا سياحيًا، بل يشتغل على البنية الاجتماعية نفسها، وعلى آليات القهر التي دفعت الناس إلى الرحيل.

وتأتي حكاية التوأم ياسين وعزوز بوصفها واحدة من أكثر الخطوط دلالة في الرواية، حيث تستخدم لكشف طبيعة الإقطاع بوصفه نظامًا اقتصاديًا ومنظومة قهر كاملة، تهين الإنسان وتجرده من قيمته.

إن الشخصيات في الرواية كثيرة، لكن اللافت أنها لا تقدم كأسماء فقط، بل كنماذج دالة من مراد أفندي عزيز، وشعبان العبد، والأسطى حلي جاد الله، وغيرهم الكثير صناع الدراما والأحداث، فجميعهم يشكلون خريطة بشرية للمكان، تقرب المعنى وتجسد التحولات، وهذه الكثافة لا تشتت القارئ، لكنها على العكس تصنع تراكمًا وتمنح النص عمقًا اجتماعيًا واضحًا.

أما العنوان "سيما ألف ليلة"، فهو ليس مجرد إحالة مكانية إلى دار سينما، بل مفتاح قراءة للعمل كله، الرواية تلمح بوضوح إلى أن الحياة نفسها تعرض كفيلم، وأن ما نراه من أحداث ليس سوى مشاهد متتابعة، تحمل قدرًا من الدراما يفوق أحيانًا ما يمكن تخيله، وهذا الاشتباك بين الواقع والصورة، بين العيش والمشاهدة، يمنح الرواية بعدًا تأمليًا، دون أن يغادر أرضها الواقعية.

وعلى مستوى القضايا، تنشغل الرواية بفكرة الوطنية المصرية في مواجهة الاحتلال الإنجليزي، وتقدم موقفًا واضحًا من النظام الملكي في عهد الملك فاروق، لكنها تفعل ذلك من داخل الحكاية، لا عبر خطاب مباشر، وفي الوقت نفسه، تمرر قدرًا معتبرًا من المعلومات التاريخية، من نشأة سيرك الحلو، إلى ملامح التكوين الاجتماعي لشبرا وروض الفرج، إلى تفاصيل لعبة الملاكمة وقوانينها في ذلك الزمن.

في النهاية يمكن القول نحن أمام رواية تدرك أن الحكي وسيلة لفهم مجتمع، وأن استعادة الماضي تعني التفكيك وإعادة القراءة، "سيما ألف ليلة" عمل يراهن على الذاكرة، ويستخدم السرد أداة لكشف ما كان، وكيف صار، ولماذا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة