الحرب الأمريكية الإيرانية لم تكن أول حرب خلال عقود لكنها تنضم إلى حروب لم تتوقف فى الشرق الأوسط طوال أربعة عقود على الأقل، منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين لم يمر عقد من دون حرب كبرى شهدت استخدام أحدث الأسلحة وأشدها فتكا، فلم تنته الحرب العراقية الإيرانية عام 1989 بعد تسع سنوات حتى اندلعت حرب تحرير الكويت عام 1991، وتم فرض حصار على العراق انتهى بالغزو عام 2003، وقبلها الحرب على أفغانستان بعد 11 سبتمبر وخلالها حروب الاحتلال الإسرائيلى على غزة والضفة ثم حرب 7 أكتوبر 2023 وتداعياتها الممثلة فى عدة حروب استمرت على غزة عامين، وامتدت إلى لبنان وإيران وأخيرا هذه الجولة من الحرب التى توقفت فى الهدنة.
كل هذه الحروب استخدمت فيها أحدث الأسلحة والقنابل والمتفجرات والصواريخ طويلة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيرة فضلا عن طلعات الطيران، وخلال الحروب المختلفة شهدت طبقات الجو عمليات خلخلة، بجانب إطلاق ملايين الأطنان من الغازات والمواد الخطرة التى تعلق بالأجواء وتصنع أمطارا حمضية خطرة، بجانب تغيرات مناخية حادة تغير من طبيعة التكوينات المناخية، وأيضا التوازن البيئى للأنواع الطبيعية، وأن الحرب أدت لإطلاق كميات هائلة من الغازات السامة والانبعاثات الكربونية، التى تتسلل إلى الغلاف الجوى، لتضيف عبئا جديدا على أزمة التغير المناخى التى يعانى منها العالم بالفعل، ومع كل انفجار، لا تُدمر البنية التحتية فحسب، بل يُفتح باب جديد لتلوث الهواء والتربة والمياه.
وفى تحقيق مهم للزميل أحمد عرفة فى «اليوم السابع»، هناك رصد يستند إلى معلومات وتقارير دولية وعلمية عن حجم الأضرار البيئية الكارثية التى تخلفت عن الحرب الأخيرة فقط وتؤدى إلى اختلالات اتضحت فى التقلبات المناخية التى شهدها الإقليم خلال الشهرين الماضيين، والتى تضع الشرق الأوسط تحت سحابة سوداء تتجاوز تلوث الهواء إلى تهديد الأمن الغذائى، وتجعل 45 مليون مهددين بالجوع، ويرصد أنه خلال أسبوعى الحرب تم إطلاق خمسة ملايين طن من الانبعاثات و150 مليون لتر وقود محترق و529 ألف طن انبعاثات.. وهذه الضغوط تضاعف من تحولات المناخ الحادة، وتضاعف من تأثيرات أزمات شح المياه، وتوقعات من المستشار الدولى للتنمية المستدامة بارتفاع 2.5 درجة وهو رقم كبير.
وفى سياق التغير المناخى، فإن هذه الحرب لا تكتفى بتسريع وتيرة الاحتباس الحرارى، بل تسهم فى خلق أنماط مناخية أكثر تطرفا، من موجات حر شديدة إلى عواصف ترابية أكثر كثافة، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة السكان، والزراعة، والاقتصاد، ومع غياب الاستقرار، تتراجع الجهود البيئية، وتتوقف المبادرات المناخية، ليصبح البقاء هو الأولوية، ولو على حساب المستقبل، وقد فسرت بعض التقارير عمليات سقوط أمطار كثيفة على كل من إيران والعراق ودول الخليج إلى ما سببته عمليات القصف لبعض محطات الاستمطار التى يبدو أنه كانت تسهم فى توجيه الأمطار إلى اتجاهات مختلفة، وأن تعطل هذه المحطات أعاد اتجاهات الرياح والسحب لطبيعتها، خاصة مع وجود تقارير سابقة عن جفاف شديد تعانى منه إيران خلال السنوات الأخيرة، لدرجة إعلان عن احتمالات نقل العاصمة طهران، التى تقع ضمن المناطق الأكثر جفافا فى إيران، وتساءلت بعض التقارير عما إذا كان وراء الجفاف أنشطة غير طبيعية مثل المحطات النووية وعمليات التنقيب عن المعادن النادرة.
وبحسب دراسة صادرة عن مركز برو للدراسات بعنوان «عسكرة المياه فى الصراعات الإقليمية: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نموذجا» فى 8 أبريل، أكدت أن الضربات على البنية التحتية للمياه فى الحرب على إيران جاءت ضمن توجه عالمى متصاعد أصبحت فيه مصادر المياه على رأس الأهداف العسكرية، وقالت إن الطلب المتزايد على المياه، وتغير المناخ، وسوء إدارة المياه، قد أدى أيضا إلى زيادة التوتر حول الموارد المائية.
وبالتالى فإن الحرب الحالية وما سبقها من نزاعات وصراعات تشهد استعمال أشد الأسلحة فتكا، تضاعف من كوارث التغير المناخى وشح المياه وتدمير التوازن البيئى، وهو ما يجعل كل المشاركين فى الحرب شركاء فى جرائم تدمير البيئة والمصادر الطبيعية بجانب توقعات بمواليد مشوهين وتغيرات مناخية حادة تتضاعف خلال السنوات المقبلة.
