أحمد إبراهيم الشريف

إذا غلق الحب أبوابه.. سليمان الأسعد وقصائد الخوف من العالم

الأحد، 17 مايو 2026 08:34 ص


انتهيت مؤخرًا من قراءة ديوان "إذا غلق الحب أبوابه" للشاعر السورى سليمان منذر الأسعد، الصادر عن دار الأدهم، وشغلنى مفهوم الشعر عند سليمان، ورؤيته للعلاقة بين فن العرب الأول والقدرة على توظيف العاطفة وجعلها بوابة لقول الكثير، وتبدو القراءة الأولى أننا أمام قصائد عن الحب، لكن الديوان يذهب إلى مساحة أبعد، إلى مساحة من القلق والرثاء ومحاولة التمسك بما تبقى من المعنى.

من العنوان تبدأ الإشارة الأولى، عبارة "إذا غلق الحب أبوابه" تحمل بناءً شرطيًا يفتح النص على سؤال الخوف ماذا يحدث حين ينسحب الحب من العالم؟ والعنوان هنا يضع الحب فى صورة بيت له أبواب ويضع الإنسان فى الخارج أمام احتمال الإغلاق، ومن هذه النقطة تتشكل نبرة الديوان، حيث يبدو الحب طاقة نجاة ووسيلة لمقاومة الانهيار الداخلي.

"ليس سوى صوتها"

هذه الجملة الشعرية تكشف طبيعة حضور المرأة فى الديوان، فهى تأتى غالبًا بوصفها أثرًا، لا نعرف منها سوى صوت/ رائحة/ ذكرى/ خيال، والصوت هنا يؤدى وظيفة تعويضية، إنه البقية التى تتشبث بها الذات حين تفقد القدرة على الإمساك الكامل بما تحب، ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته "خطاب الأثر" حيث يحضر الغائب من خلال علاماته الصغيرة.

أتخيل مشيتها حين تقبل نحوي
أحسُّ بساعدها
بيدها
خصلة الشعر
منديلها يمسح الحزن عن ذكرياتي

هذه الأبيات تقوم على فعل التخيل، فالشاعر يستدعى الحبيبة من خلال أجزاء صغيرة هى المشية/ الساعد/ اليد/ خصلة الشعر/ المنديل، وكل تفصيلة تعمل كعلامة ضد النسيان، فأثر الحبيبة يمتد إلى الذاكرة نفسها، ويعيد ترتيب الماضى بما يجعله قابلاً للاحتمال.
ومن هنا تصبح اللغة فى الديوان أداة حفظ، الشاعر يكتب حتى لا تتبدد الصورة، وحتى تبقى الحبيبة قابلة للاستعادة، لذلك تتكرر أفعال الإدراك والحواس "أتخيل"، "أحس"، "أتابع"، "أراقب"، "أخمن"، هذه الأفعال تكشف ذاتًا يقظة، منشغلة بالتفاصيل، خائفة من أن تفقد العالم

" وألزم نافذتي

أن أرى ما أريد"

هذه الجمل الشعرية شديدة الأهمية، لأنها تكشف أن الرؤية عند سليمان الأسعد إعادة تشكيل للواقع، فالنافذة تخضع لرغبة الذات، والشاعر يطلب من العالم أن يظهر فى الصورة التى تحتملها روحه، وهنا يتقدم الخيال بوصفه قوة دفاعية.
ويمكن ملاحظة أن الخوف فى الديوان يتكرر بوصفه بنية داخلية فيقول:

 "أخاف على ذكرياتي"

والخوف هنا يتجه إلى الذكرى نفسها، وهى منطقة يفترض أن تمنح الطمأنينة، لكن الذكرى عند سليمان تحمل قوة مزدوجة، تحفظ ما مضى، وتؤلم لأنها تذكر الذات بما فقدته، ومن ثم يتحول الحنين إلى عبء، لأنه يربط الإنسان بزمن أكثر صفاءً من حاضره، ويجعله يقيس العالم الراهن على عالم داخلى لم يعد قائمًا.
وتبلغ هذه الرؤية بعدها الثقافى حين يقول:

"وأحرسها من غبار الحضارة
أحرسها من جحيم الحداثة"

هنا ينتقل الديوان من منطقة العاطفة الخاصة إلى سؤال أوسع عن الإنسان فى العالم الحديث، وعبارتا "غبار الحضارة" و"جحيم الحداثة" تقدمان الحضارة الحديثة بوصفها قوة تترك أثرًا خشنًا على الروح، والشاعر لا يناقش الحداثة كمفهوم فكري، بل يلتقط أثرها الوجدانى ومن ذلك السرعة والجفاف وفقدان البراءة وانطفاء الدهشة، لذلك يبدو الحب فى الديوان مساحة دفاع عن الإنسان، ومحاولة لحماية ما تبقى من رقته الأولى.

ويظهر هذا المعنى أيضًا فى طريقة بناء صورة الحبيبة، فهى ترتفع أحيانًا إلى مقام رمزي:

"عندما يسجد الشعر للعاشقين
وترفض عيناك أن تسجدا
لأنهما عسلٌ والبرايا تراب"

الصورة هنا تقوم على مفارقة قيمية بين "العسل" و"التراب"، عينا الحبيبة تمثلان النقاء والحلاوة والارتفاع، بينما يتحول العالم المحيط إلى مادة أرضية ثقيلة، ومن هنا تصير الحبيبة معيارًا للجمال، والشعر نفسه يسجد للعشق، بينما تبقى عيناها فى مقام أعلى من الخضوع.

ومن السمات المهمة فى الديوان أن سليمان الأسعد يكتب بنبرة خافتة، الجملة قصيرة فى مواضع كثيرة، والصورة تعتمد على اللمس والصوت والرائحة، والتوتر يأتى من الداخل، فلا يحتاج الشاعر إلى صخب بلاغى حتى يصنع أثره، فهو يراهن على الهمس، وعلى تراكم العلامات الصغيرة، وعلى حركة الشعور البطيئة داخل النص.

لذلك يمكن قراءة الديوان من خلال ثلاثة مسارات متداخلة، مسار الخوف من الفقد، ومسار الحنين إلى الصفاء، ومسار الدفاع عن المعنى فى مواجهة عالم خشن، هذه المسارات تمنح الديوان وحدته الداخلية، وتجعل الحب فيه مدخلًا لقراءة أوسع لحالة الإنسان حين يجد نفسه أمام إغلاق متكرر يتمثل فى إغلاق الحب، إغلاق الزمن، إغلاق العالم.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة