دندراوى الهوارى

«نعرين».. من جيش رمسيس الثانى إلى الصاعقة المصرية.. عقيدة النار لا تموت

الأحد، 17 مايو 2026 12:00 م


عندما يصلنا أول شاهد أثرى لتوحيد القطرين على يد الملك مينا «نارمر» مؤسس الأسرة الأولى، والذى يحمل اسم «صلاية نارمر» وتبرز على أحد وجهيها صورة الملك وهو يقود جيشه ويؤدب أعداءه، والوجه الثانى، صورة الملك منتصرًا ويرتدى التاج الأحمر، وهو تاج الدلتا، دلالة على توحيد البلاد، نتأكد من أن المصريين ترسخت لديهم عقيدة أن مصر عبارة عن جيش خُلقت له دولة، ووجوده مع وجود خلق الكون، ومن ثم فإننا نتحدث عن عقيدة عسكرية وقتالية لا يتمتع بها جيش آخر، فالجيش المصرى بجانب قوته وأنه رقم صحيح فى معادلة أقوى الجيوش فى العالم، والرقم الأهم فى الإقليم، فإنه يرتكز على الخبرات والدروس المستفادة من الماضى، وهى من أبرز الأسس التى تُبنى عليها العقيدة العسكرية على مختلف مستوياتها، أى أن التاريخ العسكرى مصدر فعال وناجح لبناء العقيدة العسكرية وتطويرها.


نعم، الجيش المصرى لم يكن يوما من الأيام مجرد مؤسسة عسكرية تؤدى واجبا وظيفيا، وإنما كان - وعبر آلاف السنين - تعبيرا حقيقيا عن روح الدولة المصرية ذاتها، والتى عرفت معنى التنظيم والانضباط وفنون الحرب قبل أن تعرفها أمم كثيرة بقرون طويلة، ولهذا لم يكن اسم «نعرين» الذى ارتبط بأهم فرقة عسكرية بجيش الملك رمسيس الثانى، والتى أبلت بلاء حسنا فى معركة قادش، ومسجل اسمها على الصرح الأول بمعبد الأقصر، إلا عنوانا مبهجا للعقيدة العسكرية المصرية.


اسم نعرين، كان حاضرا داخل وجدان الصاعقة المصرية وهى تؤدى تمرين اختراق الضاحية فى شوارع مدينة العبور، خلال الساعات القليلة الماضية، ما يؤكد أن «نعرين» ليس مجرد نقش تاريخى على جدران المعابد، أو اسم يطلق على فرقة أو سرية، وإنما رمز ممتد لعبقرية المقاتل المصرى وصلابته وعقيدته القتالية، وسردية كاملة عن أمة خاضت الحروب كى تحمى السلام، وأبدعت فى التنظيم العسكرى حتى أصبحت مدرسة تتعلم منها الإمبراطوريات القديمة.
«نعرين» تعد أول قوات خاصة فى التاريخ، وبرز اسمها فى معركة قادش، والتى خاضها الملك رمسيس الثانى، أحد أبرز الملوك شهرة وإثارة فى التاريخ القديم، والذى خطت فى عهده أول معاهدة سلام مكتوبة، وتوجد نسخة منها بمقر الأمم المتحدة.


نعرين، سطرت أروع البطولات فى معركة قادش ضد الحيثيين فى القرن الـ13 قبل الميلاد، وهى المعركة التى تعد من أعظم معارك التاريخ القديم وأكثرها توثيقا على جدران المعابد، مثل معابد الأقصر والرامسيوم وأبوسمبل، وتبرز النقوش بجانب الروايات التاريخية إلى أن «نعرين» كانت قوة نخبوية عالية التدريب، تدخلت فى لحظة فارقة لإنقاذ الموقف العسكرى المصرى خلال المعركة، بعدما تعرض أحد الفيالق المصرية لكمين مفاجئ من الحيثيين.
نعرين، كانت قوة تتحرك بسرعة خاطفة، وتتمتع بقدرات هجومية كبيرة، ما دفع كثيرا من المؤرخين والباحثين، إلى اعتبار تلك الفرقة، شكلا مبكرا للغاية من تشكيلات القوات الخاصة، المدربة تدريبا خاصا والذى يطلق عليها حاليا «الصاعقة» .


وتؤكد الدراسات والروايات العسكرية المصرية أن اسم «نعرين» ظل حاضرا بوصفه الأب الروحى لفكرة القوات الخاصة المصرية الحديثة.
وعندما نتأمل الفرقة «نعرين» نكتشف أننا أمام عقيدة عسكرية، متقدمة بالنسبة لعصرها، وتعد قوة تدخل سريع تعتمد على عنصر المفاجأة وسرعة الحركة، والقتال المباشر خلف خطوط العدو، وهو ما يتطابق مع عقيدة القوات الصاعقة فى عصرنا الحالى.  


الشاهد أيضا، أن المصريين القدماء أدركوا ومنذ أكثر من 5 آلاف سنة، أن الحروب لا تحسم بعدد الجنود فحسب، وإنما بكفاءة العناصر المختارة، والقدرة على التدريب الشاق، والصلابة والتحمل والفداء، والتمتع بالروح القتالية القوية، وعدم مهابة الموت فى سبيل الدفاع عن مقدرات الوطن.


وإذا كانت معركة قادش قد خلدت اسم «نعرين» كفرقة قوات خاصة ومن طراز رفيع، فإن هذه العقيدة استمرت راسخة عبر تاريخ مصر فى مراحله المختلفة، حتى ظهور قوات الصاعقة فى تدريب اختراق الضاحية بشوارع العبور، فالمتأمل فى تاريخ الجيش المصرى يكتشف أن هناك خيطا ممتدا من العقيدة والانضباط والإصرار، يبدأ من جيش مينا موحد القطرين ثم أحمس وأمنحوتب الثالث وتحتمس الثالث ورمسيس الثانى، إلى جيش حطين وعين جالوت، وصولا لانتصار أكتوبر 1973 المدوى.


لذلك لا عجب مطلقا أن يرتبط اسم «نعرين» القوة الخارقة للجيش المصرى إبان عهد رمسيس الثانى من الأسرة التاسعة عشر، بقوات الصاعقة المصرية، حاليا، باعتبارها الامتداد الطبيعى لفكرة المقاتل الاستثنائى الذى يخوض أصعب المهام ويقهر المستحيل.


ورغم الفارق الزمنى الشاسع والهائل بين العصرين، قديما وحاليا، فإن الروح تكاد تكون واحدة، مستنسخة، فالمقالتل المصرى ما زال حتى اليوم يعرف بقدراته المذهلة على التحمل والصبر والتكيف فى أقسى الظروف، وهى الصفات ذاتها التى صنعت «نعرين» قبل آلاف السنين. 


مصر ليست دولة تبحث عن أمجاد وهمية فى الماضى، لتعوض ضعفا فى الحاضر، وإنما دولة عظيمة حافظت على جيشها متماسكا وقويا عبر آلاف السنين، وفى الوقت الذى اختفت فيه جيوش وإمبراطوريات كاملة واندثرت من التاريخ، ظل الجيش المصرى قائما مترابطا، يتغير شكله وتتطور أسلحته، لكن تظل عقيدته وروحه القتالية ثابتة وراسخة.


هذه الروح هى التى جعلت علاقة الشعب المصرى، وارتباطه بجيشه، استثنائية لا تشبه علاقة شعوب أخرى بجيوشها، فالمصرى يرى فى جيشه امتدادا لهويته وكرامته الوطنية، وليس مجرد مؤسسة رسمية، لذلك عندما يتحدث المصريون بفخر عن جيشهم، فهم لا يتحدثون فقط عن انتصارات معاصرة أو قدرات تسليحية حديثة، بل عن تاريخ ممتد عمره آلاف السنين.


مصر وعبر تاريخها ولادة بالمقاتلين الأشداء، ولهذا سيبقى اسم «نعرين» أكثر من مجرد اسم فرقة عسكرية قديمة، إنه رمز للقوة والقدرة والجدارة والعبقرية العسكرية، ودليل واضح يقطن كبد السماء، أن الأمم العظيمة لا تموت ذاكرتها، ولا تنقطع جذورها، ولا تتخلى عن عقيدتها وروحها القتالية مهما مرت القرون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة