تُعد طريقة تعامل جماعة الإخوان مع المنشقين عنها واحدة من أبرز الأدلة التي تكشف طبيعة البنية الفكرية والتنظيمية للجماعة، والتي تقوم على احتكار الحقيقة واعتبار التنظيم ممثلًا وحيدًا للإسلام، وهو ما يفسر حالة العداء التي تُظهرها الجماعة تجاه كل من يختلف معها فكريًا أو تنظيميًا.
وفي هذا السياق، قال عماد عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان ارتكبت على مدار تاريخها العديد من الأخطاء الفكرية والتنظيمية، يأتي في مقدمتها “تقديم التنظيم باعتباره معادلًا للدين”، موضحًا أن الجماعة لا تتعامل مع نفسها باعتبارها حزبًا سياسيًا أو حركة دعوية قابلة للنقد أو الاختلاف، وإنما تتعامل مع نفسها باعتبارها “جماعة المسلمين”، ومن ثم فإن الخروج عليها يُصور داخل التنظيم باعتباره خروجًا عن الحق والدين.
الجماعة تنفي خبثها.. عقلية الاستعلاء التنظيمي
وأضاف عبد الحافظ، في تصريحات خاصة، أن الإخوان استخدمت لعقود طويلة تعبيرًا شهيرًا تجاه كل من يترك التنظيم، وهو أن “الجماعة تنفي خبثها”، معتبرًا أن هذا التعبير يكشف بوضوح عن العقلية الاستعلائية التي تحكم التنظيم، والتي ترى أن كل من يختلف معها شخص منحرف أو ضعيف الإيمان أو مدفوع من خصوم الجماعة.
وأشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن تاريخ الإخوان شهد موجات متعددة من الانشقاقات منذ تأسيس الجماعة عام 1928، بداية من “جماعة شباب محمد” في الأربعينيات، مرورًا بخروج شخصيات بارزة مثل أحمد السكري والشيخ محمد الغزالي والشيخ أحمد الباقوري، وصولًا إلى انشقاقات ما بعد ثورة يناير 2011 وما أعقب سقوط الجماعة من الحكم بعد عام 2013.
الجماعة ترفض مراجعة أخطائها
وأكد عبد الحافظ أن الجماعة لم تتوقف يومًا أمام أسباب الانشقاقات الحقيقية، ولم تُجر مراجعات فكرية أو تنظيمية جادة، موضحًا أن الإخوان دائمًا ما تُرجع أسباب الخروج إلى “خلل في الفرد” أو “ضعف إيمانه” أو “تأثره بخصوم الجماعة”، بينما ترفض الاعتراف بوجود أخطاء داخل بنيتها الفكرية والتنظيمية.
وأوضح أن القيادي الإخواني فتحي يكن، في كتابه المتساقطون على طريق الدعوة، عبّر بوضوح عن رؤية الجماعة تجاه المنشقين، إذ وصف الخارجين عن التنظيم بأنهم يتحركون بدافع الحقد أو الانتقام، بل واتهم بعضهم بالتعاون مع "أعداء الإسلام”، وهو ما يعكس – بحسب عبد الحافظ – خلطًا متعمدًا بين التنظيم والدين.
التشويه والتخوين أبرز أدوات التعامل مع المنشقين
ولفت إلى أن الجماعة تعتمد على عدة آليات في مواجهة المنشقين، تبدأ بمحاولات الاحتواء والضغط النفسي والعاطفي، ثم التخويف من انتقاد الجماعة أو إعطاء الفرصة لما تسميهم "أعداء الإسلام" للهجوم عليها، وفي حال إصرار العضو على الانشقاق، تبدأ مرحلة التشويه والتخوين والتشكيك في النوايا.
وأضاف أن الإخوان تلجأ أيضًا إلى الضغط الأسري والاجتماعي على المنشقين، خاصة إذا كانت أسرهم تضم عناصر منتمية للتنظيم، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المنشقين تعرضوا لضغوط كبيرة بسبب انتقادهم للجماعة أو كشفهم لأفكارها الداخلية.
احتكار الدين أحد أخطر أوجه التطرف
وأكد الباحث أن أخطر ما في فكر الإخوان هو “الاستعلاء التنظيمي”، إذ تعتبر الجماعة نفسها فوق النقد، وترفض التنوع الفكري داخلها، وهو ما يجعلها تنظيمًا مغلقًا غير قادر على التطور أو التكيف مع الواقع، ويؤدي باستمرار إلى مزيد من الانشقاقات والصراعات الداخلية.
وشدد عماد عبد الحافظ على أن الجماعة تحاول دائمًا إظهار نفسها باعتبارها “الإسلام الحقيقي”، بينما تصف المختلفين معها بأنهم مبتعدون عن الطريق المستقيم، وهو ما يمثل – بحسب وصفه – أحد أخطر أوجه التطرف الفكري، لأن التنظيم هنا لا يكتفي بالعمل السياسي أو الدعوي، بل يحتكر الدين نفسه ويُسقطه على مشروعه التنظيمي.
وأشار إلى أن هذا النهج تسبب في خسارة الجماعة لكثير من كوادرها التاريخية، كما كشف حجم الجمود الفكري داخل التنظيم، موضحًا أن استمرار الإخوان في التعامل مع النقد والانشقاقات بعقلية التخوين والتكفير السياسي سيؤدي إلى مزيد من التراجع والعزلة، خاصة مع اتساع دوائر الوعي بخطورة توظيف الدين لخدمة التنظيمات السياسية.