يعتقد كثيرون أن تأجيل موعد النوم لساعات متأخرة لا يتجاوز كونه نمطًا شخصيًا أو تفضيلًا يوميًا، خاصة لدى من يشعرون بالنشاط والإنتاجية خلال الليل. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذا السلوك قد يتجاوز حدود العادة ليؤثر بصورة مباشرة في التوازن البيولوجي للجسم، وهو ما قد ينعكس على الحالة النفسية، والتمثيل الغذائي، وصحة القلب، وحتى جودة الحياة على المدى الطويل.
وفقًا لتقرير نشره موقع Health، فإن الاعتياد على السهر لوقت متأخر يرتبط بمجموعة من التأثيرات الصحية التي تشمل زيادة احتمالات اضطرابات المزاج، واختلال تنظيم سكر الدم، واضطراب الشهية، إضافة إلى تأثيرات واضحة على كفاءة الجسم خلال ساعات النهار.
لماذا يميل بعض الأشخاص إلى السهر بطبيعتهم؟
يرتبط توقيت النوم والاستيقاظ بما يُعرف بالإيقاع اليومي الداخلي، وهو الساعة البيولوجية التي تنظم فترات النشاط والراحة على مدار اليوم.
هذا النظام يتأثر بعوامل وراثية تجعل بعض الأشخاص أكثر ميلًا للنشاط الليلي، بينما يشعر آخرون بأفضل مستويات التركيز صباحًا. لذلك، لا يكون السهر دائمًا نتيجة عادات مكتسبة، بل قد يكون جزءًا من التكوين البيولوجي للفرد.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتعارض هذا النمط الطبيعي مع متطلبات الحياة اليومية، مثل مواعيد الدراسة أو العمل المبكرة.
التأثير على المزاج والصحة النفسية
الأشخاص الذين ينامون في ساعات متأخرة يكونون أكثر عرضة للتقلبات المزاجية وصعوبات التحكم في الانفعالات.
يرتبط اضطراب مواعيد النوم بارتفاع احتمالات الشعور بالإجهاد الذهني، وتراجع القدرة على التكيف مع الضغوط، وزيادة الميل إلى التوتر أو الانزعاج السريع.
كما أن عدم التوافق بين الساعة البيولوجية ومتطلبات الاستيقاظ المبكر قد يفاقم الإرهاق النفسي بصورة مستمرة.
علاقة خفية باضطرابات السكر
السهر المتكرر قد يربك آليات تنظيم الجلوكوز داخل الجسم. فعندما تتغير دورة النوم الطبيعية، تتأثر الهرمونات المسؤولة عن التمثيل الغذائي، ما قد يضعف استجابة الخلايا للأنسولين.
وهذا الخلل قد يرفع قابلية الإصابة بمشكلات تنظيم السكر، خصوصًا لدى من لديهم عوامل خطورة أخرى مثل زيادة الوزن أو التاريخ العائلي.
الشهية الليلية وزيادة الوزن
إحدى النتائج الشائعة للسهر هي الميل إلى تناول الطعام في ساعات متأخرة، وغالبًا ما تكون الخيارات الغذائية في هذا التوقيت مرتفعة السعرات وغنية بالسكريات والدهون.
كما أن اضطراب النوم يؤثر على هرمونات الجوع والشبع، فيزيد إفراز الهرمونات المحفزة للشهية، بينما ينخفض تأثير الهرمونات المسؤولة عن الإحساس بالامتلاء.
هذه المعادلة قد تؤدي تدريجيًا إلى زيادة الوزن وصعوبة التحكم في العادات الغذائية.
ضغط الدم وصحة القلب
عدم انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ يضع الجهاز الدوري تحت ضغط مستمر.
التغيرات المتكررة في جدول النوم قد تربك الإشارات العصبية والهرمونية التي تنظم ضغط الدم، ما قد يزيد فرص ارتفاعه بمرور الوقت.
الحفاظ على توقيت ثابت للنوم يساعد في دعم التوازن الطبيعي الذي يحتاجه القلب والأوعية الدموية.
لماذا يشعر الساهرون بالخمول صباحًا؟
حتى إذا حصل الشخص على عدد ساعات نوم مقبول، فإن النوم في توقيت غير متوافق مع الساعة البيولوجية قد يقلل جودة الراحة.
النتيجة تكون شعورًا بالثقل الذهني، وصعوبة التركيز، وتراجع الانتباه خلال الساعات الأولى من النهار.
هذا التأثير يكون أوضح عندما يضطر الشخص للاستيقاظ مبكرًا رغم نومه المتأخر.
هل توجد فوائد للسهر؟
تشير بعض الملاحظات إلى أن أصحاب النمط الليلي قد يتمتعون أحيانًا بقدرة أفضل على الإبداع أو التواصل الاجتماعي في ساعات المساء.
لكن هذه الفوائد لا تلغي ضرورة الحفاظ على عدد كافٍ من ساعات النوم وجودتها، لأن الجسم لا يعوض نقص الراحة بسهولة.
كيف يمكن تعديل الساعة البيولوجية؟
الانتقال التدريجي إلى نوم أبكر يُعد أكثر فاعلية من التغيير المفاجئ.
يمكن تحقيق ذلك عبر تقديم موعد النوم عدة دقائق يوميًا، مع الالتزام بموعد استيقاظ ثابت، والتعرض لضوء الشمس صباحًا، وتقليل الإضاءة الساطعة ليلًا.
كما قد تساعد بعض الوسائل العلاجية الموصى بها طبيًا في إعادة ضبط الإيقاع اليومي.
متى يحتاج الأمر إلى تدخل؟
إذا كان السهر يسبب إرهاقًا دائمًا، أو يؤثر في الأداء الدراسي أو المهني، أو يصاحبه اضطراب مستمر في النوم، فقد يكون من الضروري تقييم الحالة مع مختص لتحديد السبب ووضع خطة مناسبة.