في يوم ثقيل امتزج فيه الخوف بصوت الرصاص، لم يكن المجندان اللذان وقفا أمام معسكر قوات الأمن بمدينة المطرية في محافظة الدقهلية يعلمان أن دقائق قليلة ستفصل بين هدوء الخدمة المعتاد ومواجهة دامية مع الإرهاب، بعدما باغتتهما عناصر مسلحة بإطلاق نار مباشر أثناء تأدية واجبهما في حراسة المعسكر، في واحدة من الوقائع التي جسدت حجم العنف الذي عاشته مصر عقب سقوط حكم الإخوان.
هجوم إرهابي
كان المشهد يبدو عاديا في ظاهره، مجندان يؤديان نوبتجية الحراسة خارج المعسكر، شوارع شبه هادئة، وتحركات أمنية معتادة في مدينة عاشت وقتها حالة من التوتر بسبب تصاعد العمليات الإرهابية واستهداف رجال الجيش والشرطة، لكن فجأة، اخترق الرصاص سكون المكان، بعدما اقترب مسلحون يستقلون دراجة نارية وفتحوا النار بشكل عشوائي ومباشر تجاه المجندين قبل أن يفروا بسرعة وسط الظلام.

الإرهاب
في لحظات تحول المكان إلى ساحة ارتباك وخوف، هرعت قوات الأمن وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادث، بينما كان المجندان المصابان يصارعان الألم بعد إصابتهما بطلقات نارية خلال أداء مهمة لم تتجاوز في حقيقتها حماية الوطن والدفاع عن استقرار الناس.
الواقعة لم تكن مجرد هجوم عابر على نقطة حراسة، بل كانت جزءا من موجة عنف واسعة عاشتها مصر عقب سقوط حكم الجماعة، حين تحولت قوات الشرطة إلى أهداف يومية للتنظيمات المتطرفة والعناصر المسلحة التي سعت إلى نشر الفوضى وكسر هيبة الدولة عبر استهداف الأكمنة والمعسكرات والدوريات الأمنية.
انتشار الذعر
في تلك السنوات، عاش رجال الشرطة والمجندون تحت ضغط نفسي هائل، كثير منهم كانوا يغادرون منازلهم وهم لا يعلمون إن كانوا سيعودون مرة أخرى، فيما عاشت أسرهم حالة خوف دائمة مع تكرار أخبار الاغتيالات والتفجيرات والهجمات المسلحة في مختلف المحافظات.
مدينة المطرية نفسها لم تكن بعيدة عن هذا المناخ المشحون، فعقب الهجوم، سيطرت حالة من القلق على الأهالي، وأغلقت بعض المحال أبوابها مبكرا، بينما عاش السكان ساعات من الترقب خوفا من وقوع هجمات جديدة أو اشتباكات مع قوات الأمن.
الأجهزة الأمنية تحركت بسرعة بعد الحادث، وفرضت طوقا أمنيا واسعا بمحيط معسكر قوات الأمن، فيما بدأت فرق البحث الجنائي جمع الأدلة والاستماع إلى شهادات المصابين وشهود العيان، إلى جانب فحص خطوط سير الهاربين وكاميرات المراقبة لتحديد هوية المتورطين.

تنظيم الإخوان
رسالة إرهاب
وكشفت التحقيقات أن الهجوم تم التخطيط له مسبقا من قبل عناصر الجماعة التي كانت تنشط في عدد من المحافظات، وأن الهدف من العملية لم يكن فقط إصابة المجندين، بل إرسال رسالة إرهاب وتخويف إلى رجال الأمن والمواطنين على حد سواء.
ووجهت النيابة العامة للمتهمين اتهامات تتعلق بالشروع في قتل أفراد من قوات الشرطة، والانضمام إلى جماعة إرهابية أُسست على خلاف أحكام القانون، وحيازة أسلحة نارية وذخائر بدون ترخيص، واستهداف منشآت أمنية، وتكدير الأمن والسلم العام، ومقاومة السلطات.

الإخوان
كما كشفت التحقيقات أن بعض المتهمين ارتبطوا بوقائع عنف أخرى شهدتها محافظات مختلفة، تضمنت استهداف دوريات أمنية وزرع عبوات ناسفة والتحريض على مهاجمة مؤسسات الدولة، في إطار مخطط استهدف إنهاك الأجهزة الأمنية وإغراق البلاد في دائرة من الخوف والفوضى.
رغم القبض على المتهمين وصدور أحكام قضائية ضدهم، فإن هذا لم يمنع ما خلفته تلك الواقعة من حالة زعر، فخلف كل مجند كان هناك أب وأم ينتظران عودته سالما، وأسرة عاشت ساعات من الرعب بعد سماع خبر الهجوم، وخلف كل حادث إرهابي كانت هناك مدينة كاملة تفقد جزءا من إحساسها بالأمان.
ومع مرور السنوات، بقيت واقعة استهداف مجندي معسكر قوات الأمن بالمطرية شاهدا على مرحلة دفعت فيها مصر ثمنا باهظا في مواجهة الإرهاب، مرحلة حاولت فيها الجماعات المتطرفة تحويل الشوارع إلى ساحات دم، وإسقاط مؤسسات الدولة عبر الرصاص والخوف، لكن الدولة واجهت تلك الموجة بحرب طويلة انتهت بتفكيك كثير من الخلايا الإرهابية واستعادة الاستقرار تدريجيا.
وفي ذكرى 15 مايو 2014، تبقى تلك الواقعة تذكيرا بسنوات عاش فيها المصريون تحت تهديد العنف، وبحجم التضحيات التي قدمها رجال الشرطة والمجندون الذين وقفوا في الصفوف الأولى دفاعا عن أمن الوطن واستقراره.