يُعد الأدب المصري القديم واحدًا من أقدم أشكال التعبير الإنساني، إذ لم يكن مجرد نصوص دينية أو كتابات ملكية، بل مرآة عكست التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر عبر آلاف السنين. وفي كتاباته حول تاريخ وأدب مصر القديمة، يؤكد عالم الآثار المصري الكبير سليم حسن أن فهم الأدب الفرعوني لا يكتمل دون التوقف أمام السياق التاريخي الذي نشأ فيه، باعتبار أن ازدهار الدولة أو ضعفها كان ينعكس مباشرة على النتاج الأدبي.
وفي استعراضه لفترة الأسرات من العشرين حتى الثالثة والعشرين، يقدم سليم حسن في موسوعته الشهيرة "مصر القديمة" صورة لعصر اتسم بالتحولات الكبرى، بين القوة والانهيار، وصعود الكهنة، وتراجع السلطة المركزية، وصولًا إلى التدخلات الأجنبية.
الأسرة العشرون.. مجد رعمسيس الثالث وبداية التراجع
بحسب سليم حسن، يُعد الملك رعمسيس الثالث مؤسس الأسرة العشرين (1200–1090 ق.م)، وأحد آخر الفراعنة الكبار الذين تمكنوا من تحقيق إنجازات عسكرية بارزة في البر والبحر، حيث سجل انتصارات مهمة وحافظ على مكانة مصر السياسية.
لكن الحال تغيّر بعد وفاته، إذ حمل خلفاؤه اسم "رعمسيس" دون أن يمتلكوا قوته أو قدرته على إدارة الدولة، ما أدى تدريجيًا إلى تراجع هيبة الحكم، وانزلاق البلاد إلى الضعف والانقسام.
ويلفت سليم حسن إلى أن هذه الفترة شهدت ظهور واحدة من أهم الوثائق الأدبية والتاريخية، وهي بردية ضخمة عُثر عليها في قبر رعمسيس الثالث، تضمنت وصفًا لأوضاع البلاد قبل توليه الحكم، وإصلاحاته السياسية والدينية، إضافة إلى اهتمام خاص بالمعابد ومكانتها.
الأسرة الحادية والعشرون.. صعود الكهنة
مع نهاية حكم الرعامسة، بدأت سلطة الكهنة، خاصة كهنة آمون، تتضخم بصورة غير مسبوقة، حتى أصبحوا القوة الحقيقية المسيطرة في البلاد.
ويشير سليم حسن إلى أن رئيس كهنة آمون المعروف باسم حرحور أسس حكمًا جديدًا في طيبة خلال الأسرة الحادية والعشرين (1090–945 ق.م)، بينما ظهرت مراكز سلطة أخرى في مدن مختلفة، مثل حكم سمندس في مدينة تانيس، ما يعكس تراجع وحدة الدولة المركزية.
الأسرة الثانية والعشرون.. حكم الليبيين
في الأسرة الثانية والعشرين (945–745 ق.م)، دخلت مصر مرحلة جديدة مع صعود الأمير الليبي شيشنق، الذي تمكن من اعتلاء العرش وتأسيس حكم جديد بعد سنوات طويلة من استقرار الليبيين داخل مصر.
ويرى سليم حسن أن هذا العصر شهد انقسامًا سياسيًا، حيث حكمت الأسرة الليبية البلاد من خلال إمارات متعددة، ما أضعف سلطة الدولة وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
الاحتلالات الأجنبية ومحاولات النهضة
لم يتوقف الأمر عند الانقسام الداخلي، إذ شهدت مصر لاحقًا الفتح الإثيوبي عام 712 ق.م، ثم الغزو الآشوري سنة 670 ق.م، وهي أحداث تركت أثرًا عميقًا في وجدان المصريين، الذين شعروا بمرارة الاستعباد وفقدان الاستقلال.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الملك ابسماتيك الأول (663–525 ق.م)، الذي قاد جهودًا لاستعادة استقلال البلاد، وأطلق مشروعًا لإحياء العلوم والفنون القديمة، في ما يشبه نهضة ثقافية مبكرة، شبّهها سليم حسن بعصر النهضة الأوروبية.
غير أن هذه النهضة، بحسب المؤرخ المصري، لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما عادت البلاد إلى الضعف، حتى سقطت في يد الفرس عام 525 ق.م.
الأدب مرآة السياسة
ويخلص سليم حسن إلى أن الأدب المصري القديم كان دائم التأثر بالظروف التاريخية، ففترات القوة والاستقرار أنتجت نصوصًا تمجد الإنجازات والهوية المصرية، بينما حملت عصور الانهيار والانقسام نبرة من القلق والتأمل في مصير البلاد.
ولهذا، فإن دراسة الأدب الفرعوني لا تنفصل عن قراءة التاريخ نفسه، باعتبار أن النصوص القديمة كانت شاهدًا حيًا على صعود الحضارات وأفولها.