فى ظل استمرار التصريحات اليومية من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وردود متفرقة من أطراف عسكرية إيرانية، يستمر الوضع فى لعبة عض الأصابع، ومناورات واضحة، الولايات المتحدة تتمسك بالحصار البحرى، وإيران تتسمك بإغلاق مضيق هرمز، وتتجمد المفاوضات علنا، بينما تتواصل القنوات الخلفية للتفاوض، والتى تكون أصدق من التصريحات الموجهة غالبا إلى جمهور على مواقع التواصل أو أمام الشاشات، وكل من أمريكا وإيران تحاول إعلان الانتصار، بينما الطرفان عالقان فى وضع مجمد انتظارا لأن يقبل أحدهما الشروط التى يطرحها الطرف الآخر، بعيدا عن تصريحات موجهة لجمهور داخلى، حيث ذهب الطرفان إلى الحرب بسرعة، نتنياهو لا يريد التوقف عن الحروب فى كل الجبهات، وهو ما جذب معه ترامب، بينما اليمين فى إيران، خاصة الحرس الثورى يبدو المسيطر فيما بعد اغتيال القيادات السياسية والمرشد الأعلى السابق.
واضح أن هناك انقسامات داخل القيادة الإيرانية بين تيار المحافظين «الحرس الثورى» والتيار المعتدل، وهو انقسام طبيعى فى ظل أوضاع طبيعية، واستقطاب، بينما يبدو الآن أكثر عمقا فى ظل غياب السياسة، وارتفاع وتيرة الحرس بطبيعته التهديدية، وفى نفس الوقت فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يواجه ضغوطا من اليمين الأمريكى والإسرائيلى الذى يخشى البرنامج الصاروخى الإيرانى، إيران تراهن على أن ترامب ربما لا يعود للحرب مرة أخرى، خاصة مع اقتراب مهلة الكونجرس، أو الضغوط الداخلية، وأيضا الابتعاد الأوروبى عن أمريكا بشكل واضح يعترف به الرئيس الأمريكى ترامب بقوله إن «بريطانيا لم تساعدنا فى حرب إيران، وستارمر قال إن بريطانيا ستساعدنا بعد انتهاء الحرب وقلت لن نحتاج لكم عندها، وكنت محبطا جدا لأن حلفاءنا فى الناتو لم يلبوا دعوتى للمساعدة».
لكن ترامب قال، إن لدى أمريكا معلومات عما يمكن أن تكون إيران قد جهزته من سلاح أثناء الهدنة، وقال «كوشنر أخبرنى إننا فى وضع جيد جدا بشأن إيران، ونسبة التضخم فى إيران فى أعلى مستوياتها، والاقتصاد الإيرانى ينهار وعملتهم لا قيمة لها»، مضيفا: «ربما تكون إيران قد جلبت معدات عسكرية خلال وقف إطلاق النار ونعلم أين تقع ولذا يمكن تدميرها بدقائق.
وبالتالى فإن رهان الجانب الإيرانى على استبعاد الحرب، وارد، لكن أيضا هناك احتمالات لضربات مفاجئة، محدودة، مع الضغوط الاقتصادية لاستنزاف إيران، لكن ترامب يعلم أن إيران تعيش فى حصار اقتصادى طوال عقود، وأن انتهاء الحرب ربما يكون هو الدافع للانكشاف، وأن الحصار والحرب قد يمثلان غطاء يخفف من الضغوط الداخلية، خاصة مع تقارير عن حجم خسائر كبير، فى المنشآت والمبانى والبنية التحتية والمنشآت العلمية والطبية والنووية، وبالتالى فإن الطرفين يقعان فى منعطف سيناريوهات الحرب مع الأخذ فى الاعتبار أن الحصار تسبب فى نقص الغذاء والمواد الأساسية، التى لا تستطيع الحدود الأخرى لإيران مع باكستان أو بحر قزوين تعويضها.
وقد رفض ترامب - حتى الآن - مقترح إيران بفتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحرى، وتأجيل نقاش الملف النووى، لأن الطرح الإيرانى يعنى العودة إلى ما قبل مفاوضات جنيف، وتدرك واشنطن أن الملف النووى هو الأصل، ولهذا رفض رجال الأمن القومى تجزئة الأزمة، بينما إيران تراهن على عامل الوقت، معتقدة أن ترامب لن يغامر بالدخول فى حرب شاملة قد ترفع أسعار النفط وتؤثر سلبا على حظوظه السياسية.
لكن ترامب أبدى رفضا لمقترح إيران فى اتصاله مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، عندما قال له أن يهتم بمشكلة أوكرانيا، وإن كان قال إن روسيا تتفق مع أمريكا فى منع امتلاك إيران سلاحا نوويا، وهناك احتمالات لأن يكون اتصال ترامب ببوتين تطرق إلى كيفية التعامل مع اليورانيوم الإيرانى المخصب، ثم إن أوروبا بدأت تتحرك لحماية مصالحها، والتعامل مع ما تعكسه تداعيات الحرب وتحركات إيران فى مضيق هرمز، أوروبا تسعى لحفظ مصالحها الاقتصادية التى تضررت، وربما تدعم مطالب إقليمية مصرية وعربية لصياغة «نظام أمنى إقليمى» جديد وأكثر توازنا فى الشرق الأوسط، وهو الموقف الذى طالما نادت به مصر لضمان استقرار المنطقة.

مناورات عض الأصابع بين واشنطن وطهران