من الصعب النظر إلى الدورة الثانية عشرة لمهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير باعتبارها مجرد نسخة جديدة من مهرجان اعتاد أن يمر كل عام ببرنامج عروض وحفل افتتاح وصور جماعية للنجوم، لأن ما حدث هذه المرة تجاوز حدود المناسبة الفنية إلى ما يشبه الظاهرة الثقافية التي فرضت نفسها على المدينة وعلى المتابعين معًا، فالمهرجان بدا في هذه الدورة أكثر ثقة في صورته، وأكثر رسوخًا في مكانته، والأهم أنه بدا مدركًا تمامًا أن نجاحه لم يعد مرهونًا فقط بعدد الأفلام المشاركة أو أسماء الضيوف، بل بقدرته على صناعة حالة سينمائية حقيقية تجعل من الإسكندرية، ولو لأيام قليلة، مدينة تعيش على إيقاع الشاشة.
هذه الثقة ظهرت أولًا في حجم المشاركة الذي عكس اتساع الدائرة التي بات المهرجان يتحرك داخلها، إذ لم تعد الأفلام المختارة مجرد محاولات شبابية متفرقة أو تجارب هامشية تبحث عن نافذة عرض، بل بدت المسابقات هذا العام أشبه بخريطة مكثفة لتحولات الفيلم القصير عربيًا ودوليًا، تنوع واضح في الجنسيات، اختلاف في المدارس البصرية، حضور لافت لأفلام تنشغل بأسئلة الإنسان المعاصر من الحرب إلى العزلة إلى التشظي النفسي، بما منح البرنامج ثقلًا فنيًا حقيقيًا وجعل المشاهدة نفسها فعل اكتشاف لا مجرد متابعة. اللافت أن إدارة المهرجان أحسنت الرهان على هذا التنوع، فلم تسقط في فخ الحشد العددي بقدر ما سعت إلى خلق برنامج يحمل إيقاعًا متوازنًا بين التجريب، والدراما الإنسانية، والسينما البصرية، وهو ما منح العروض حالة من الحيوية المستمرة، بحيث لم يشعر المتابع أنه أمام عروض متشابهة بقدر ما شعر أنه ينتقل بين عوالم متعددة تختبر قدرة الفيلم القصير على قول الكثير في زمن قليل.
لكن القيمة الأهم لهذه الدورة لم تكن على الشاشة وحدها، بل أمامها أيضًا، أمام القاعات المزدحمة، وصفوف الانتظار الطويلة، والحضور الشبابي الكثيف الذي بدا كأنه يعيد تعريف العلاقة بين الجمهور المصري والفيلم القصير. لسنوات طويلة ظل هذا النوع من السينما حبيس النخبة أو الدوائر المتخصصة، وظلت المهرجانات العربية في معظمها تعاني من مفارقة مؤلمة: أفلام تُعرض أمام صناعها وبعض الصحفيين والضيوف، بينما تبقى المدينة خارج الحدث. غير أن الإسكندرية هذا العام كسرت هذه المعادلة بوضوح، المدينة حضرت، والجمهور حضر، والفضول الفني كان حاضرًا بقوة لافتة، حتى إن بعض العروض تحولت إلى ما يشبه التظاهرة الجماهيرية الصغيرة، وهو مشهد لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا تنظيميًا عابرًا، بل باعتباره أحد أهم مؤشرات نجاح المهرجان. فالمهرجان الحقيقي لا يقاس فقط بما يعرضه، وإنما بمن يقنعهم بالمشاهدة، والإسكندرية نجحت هنا في تحقيق المعادلة الأصعب: أن تجعل الفيلم القصير، بكل ما يحمله من تكثيف وتجريب وابتعاد عن السرد التجاري السهل، مادة جذب لجمهور واسع ومتعطش. وهذا يعني أن المهرجان خلق جمهوره الخاص، وهو أجمل ما يمكن أن يصل إليه أي حدث ثقافي.
ثم يأتي البعد الثالث في هذه الدورة، وهو الحضور العام الذي منح المهرجان ملمحًا احتفاليًا دون أن يفقده جديته، فحفل الافتتاح، والندوات، والنقاشات، والوجود اللافت للفنانين وصناع السينما، كلها عناصر صنعت طاقة بصرية وإعلامية مهمة، لكن اللافت أن هذا البريق لم يبتلع الجوهر، بل ظل محكومًا بخدمة الفعل السينمائي نفسه. لم تكن النجومية هنا بديلًا عن الأفلام، بل كانت مظلة أوسع جذبت الانتباه إلى الأفلام. وهذه نقطة فارقة تحسب لإدارة المهرجان التي أدركت أن الصناعة الحديثة لأي مهرجان تقوم على مزج الذكاء الإعلامي بالقيمة الفنية، فلا ينعزل الحدث في برج نقدي مغلق، ولا يتحول في المقابل إلى كرنفال صور بلا مضمون. لذلك بدا المشهد العام للدورة الثانية عشرة أقرب إلى إعلان نضج: نضج في البرمجة، نضج في التنظيم، نضج في فهم الجمهور، نضج في إدراك أن السينما لا تُصنع فقط داخل الكادر، بل في المسافة بين الكادر والعين التي تشاهده.
ربما لهذا تحديدًا يمكن القول إن هذه الدورة لم تحقق نجاحًا عاديًا، بل حققت ما هو أبعد: استعادت الثقة في فكرة المهرجان نفسها. ففي وقت تتراجع فيه أسئلة المشاهدة الجادة أمام سطوة المنصات السريعة والاستهلاك البصري الخفيف، جاء مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير ليقول إن الجمهور لا يزال مستعدًا لأن يذهب إلى القاعة، وأن ينتظر دوره، وأن ينشغل بفيلم لا تتجاوز مدته دقائق، شرط أن يشعر أن ما يقدَّم له يستحق. وهذه هي القيمة الكبرى التي صنعتها الدورة الثانية عشرة: أنها لم تقدم أفلامًا فقط، بل قدمت دليلًا حيًا على أن السينما حين تُدار بشغف ووعي تستطيع أن تتحول من حدث إلى حالة، ومن مهرجان إلى موعد ينتظره الناس بالفعل.