تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي توترًا غير مسبوق، في ظل تصاعد حدة الخلافات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من الدول الأوروبية، على خلفية الحرب في إيران، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل التحالف العسكري الأهم في العالم منذ تأسيسه عام 1949.
ضغوط ترامب على دول الناتو تجعلهم يتحدون ضده
وبحسب تقديرات دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين، فإن الضغوط التي يمارسها ترامب على حلفائه للانخراط عسكريًا في الصراع مع إيران جاءت بنتائج عكسية، حيث دفعت الدول الأوروبية إلى التكتل بشكل أكبر، ولكن هذه المرة في مواجهة السياسات الأمريكية، وليس تحت قيادتها.
قادة أوروبا يبحثون سيناريوهات انسحاب أمريكا من الناتو
وخلال اجتماعات مغلقة ومناقشات غير رسمية في عواصم أوروبية، لا سيما في بروكسل، بدأ قادة أوروبا في بحث سيناريوهات محتملة، من بينها انسحاب الولايات المتحدة من الناتو أو تقليص دورها فيه، وهي فرضيات لم تكن مطروحة بهذا الشكل الجدي من قبل.
ويعكس هذا التحول حالة من القلق العميق داخل الأوساط الأوروبية، حيث يرى مسؤولون أن الهجوم المتكرر من ترامب على دول مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا يكشف عن شرخ متزايد في العلاقات عبر الأطلسي، ما يهدد بتقويض أسس التعاون الدفاعي المشترك.
ومن ناحية أخرى، نقلت صحيفة بولتيكو عن دبلوماسي أوروبي قوله إن الحلف أصبح «مشلوًلا»، مشيرًا إلى صعوبة عقد اجتماعات فعالة في ظل التوترات الحالية، فيما حذر مسؤول آخر من أن الناتو ينهار بالفعل ، داعيًا إلى تحرك أوروبي عاجل لتعزيز القدرات الدفاعية بشكل مستقل.
تفاقم الأزمة مع ترامب إثر رفض الدعم العسكرى فى عملياته ضد ايران
وتفاقمت الأزمة مع رفض عدة دول أوروبية تقديم دعم عسكري مباشر للولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران، حيث امتنعت عن السماح باستخدام قواعدها العسكرية أو مجالها الجوي، في خطوة تعكس رفضًا واضحًا للانخراط في الصراع.
وأغلقت إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية، فيما فرضت فرنسا قيودًا على استخدام أجوائها لنقل شحنات عسكرية، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيدًا غير مسبوق في العلاقات بين الجانبين.
كما شهدت العاصمة الفنلندية هلسنكي اجتماعًا غير رسمي ضم عددًا من قادة دول شمال أوروبا، ناقشوا خلاله تداعيات الأزمة، واتفقوا على رفض الانضمام إلى العمليات العسكرية ضد إيران، مؤكدين في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي.
ونشرت صحيفة بولتيكو فى تقريرها أن هذه الأزمة تختلف جذريًا عن مواقف سابقة، مثل حرب العراق عام 2003، التي شهدت انقسامًا أوروبيًا واضحًا، بينما يظهر الموقف الحالي درجة عالية من التوافق بين الدول الأوروبية في رفض السياسات الأمريكية.
من جانبه، حاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر احتواء التصعيد، مؤكدًا التزام بلاده الكامل بحلف الناتو، رغم تعرضه لانتقادات مباشرة من ترامب، الذي شكك في قيادته ووصفه بأنه «ليس ونستون تشرشل».
كما كشفت تصريحات مسؤولين بريطانيين عن حالة من الاستياء داخل لندن، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لإنهاء الحرب، إلى جانب التداعيات الاقتصادية المرتبطة باضطراب إمدادات الطاقة والتجارة في المنطقة.
الاتحاد الأوروبى يدرس تخصيص 150 مليار لدعم دوله عسكريًا
من ناحية أخرى، بدأ الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات عملية لتعزيز استقلاليته الدفاعية، حيث يدرس تخصيص نحو 150 مليار يورو لدعم القدرات العسكرية للدول الأعضاء، إلى جانب تفعيل بنود الدفاع المشترك داخل الاتحاد.
كما تتجه بعض الدول إلى تعزيز أطر تعاون دفاعي بديلة، مثل قوة التدخل السريع المشتركة، التي تقودها بريطانيا، وشراكات شمال أوروبا، في محاولة لتأمين القارة في حال تراجع الدور الأمريكي داخل الناتو.
كما يثير هذا الوضع قلقًا متزايدًا بشأن تماسك التحالف، خاصة في ظل التشكيك المتكرر من ترامب في مبدأ الدفاع المشترك، الذي يعد الركيزة الأساسية لردع أي تهديدات، لا سيما من جانب روسيا.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إضعاف مصداقية الناتو، ما يمنح خصومه الاستراتيجيين فرصة لاستغلال الانقسامات داخل الغرب.