إن الحديث عن تطور ملف غزة في ظل هذا المشهد المتشابك للحرب القائمة بين إسرائيل وامريكا وإيران، يجب أن يبدأ من الحديث عن الإنسان، عن معاناته الشاقة اليومية التي يعيشها أهالى غزة وفلسطين جميعهم، فمن أهم حقوقهم هو الحق في الحياة؛ وليست القاسية التي تقلتهم كل يوم آلاف المرات؛ ولكن تلك الحياة الآمنة التي يحلم بها كل فلسطينى يعيش على هذه الأرض. لأن ما يجري ليس فقط صراع دول، بل هو اختبار قاسٍ لضمير العالم.
المشهد الإقليمي يتجاوز أزمات غزة والمواجهة الحالية تعيد رسم خريطة النفوذ الدولي
من جانبه أكد محمد ممدوح عضو المجلس القومى لحقوق الانسان؛ على إن التطورات الإقليمية الجارية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثًا منفصلة أو أزمات متوازية، بل هي تعبير عن تحول نوعي في بنية الصراع الإقليمي، الذي انتقل من مرحلة الاحتواء السياسي النسبي إلى مرحلة إدارة مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات، تمتد من غزة إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز وساحات إقليمية أخرى، في ظل تصاعد أدوات الردع العسكري وتزايد الاعتماد على القوة المباشرة وغير المباشرة.
مضيفاً أن المواجهة الممتدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلال الفترة الأخيرة، وما صاحبها من تصعيد عسكري وتوترات بحرية واقتصادية، تعكس انتقالًا واضحًا نحو نمط جديد من الصراعات المركبة، التي لم تعد تدور داخل حدود دولة أو إقليم واحد، بل أصبحت شبكة مترابطة من الاشتباكات التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار النظام الإقليمي والدولي، وعلى رأسها أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح أن قطاع غزة يمثل اليوم إحدى أكثر نقاط التماس حساسية داخل هذا المشهد، ليس فقط باعتباره ساحة صراع عسكري وإنساني، ولكن باعتباره جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، حيث أدى استمرار العمليات العسكرية إلى تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية، وانهيار واسع في منظومة الحماية المدنية، في ظل قيود معقدة على دخول المساعدات الإنسانية وصعوبة الوصول الآمن للمدنيين.
مؤكداً أن هذا التشابك بين المسار الفلسطيني والتصعيد الإقليمي الأوسع بين واشنطن وطهران وتل أبيب خلق حالة غير مسبوقة من “تداخل الأزمات”، بما يجعل من الصعب التعامل مع كل ساحة بمعزل عن الأخرى، ويضعف فرص الحلول الجزئية أو التهدئة المؤقتة، لصالح الحاجة إلى مقاربة سياسية شاملة تتعامل مع جذور الصراع وليس فقط تداعياته.
وأشار إلى أن استمرار هذا النمط من التصعيد في ظل غياب أفق سياسي واضح، يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة مع تنامي المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وتأثير ذلك على أسواق الطاقة العالمية، بما يعكس انتقال الأزمة من إطارها الإقليمي الضيق إلى نطاق دولي واسع التأثير.
وشدد على أن القانون الدولي الإنساني يواجه اختبارًا بالغ الخطورة في هذه المرحلة، في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزايد الضغوط على المدنيين، مشيرًا إلى أن المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة، وعلى رأسها حماية المدنيين ومبدأ التناسب وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، أصبحت مهددة بفعل واقع ميداني شديد التعقيد.
واختتم بالتأكيد على أن ما تشهده المنطقة اليوم لا يمكن اختزاله في كونه أزمة عسكرية أو إنسانية أو سياسية منفصلة، بل هو لحظة إعادة تشكيل شاملة لبنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وأن استمرار غياب الحلول السياسية العادلة سيؤدي إلى ترسيخ حالة عدم الاستقرار، وفتح المجال أمام موجات جديدة من التصعيد قد تمتد آثارها إلى خارج الإقليم لتطال النظام الدولي بأكمله، بما يجعل من التدخل السياسي العاجل والمنسق ضرورة وليست خيارًا، إذا كان الهدف هو منع انزلاق المنطقة إلى مسارات أكثر خطورة وتعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
استمرار الإفلات من العقاب في غزة يعكس خللًا في النظام الدولي
وقال وليد فاروق رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، إن توصيف الانتهاكات الجارية في غزة باعتبارها مجرد نزاع محلي أو محدود النطاق لا يعكس حقيقتها القانونية والإنسانية، مؤكدًا أنها تندرج ضمن نزاع ذي أبعاد دولية مركبة، تتداخل فيه اعتبارات القوة والتوازنات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التصعيد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يجعل من غزة بؤرة تعكس صراعًا أوسع يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية.
وأوضح فاروق؛ أن تطور الأوضاع الميدانية يُظهر بجلاء أن القطاع لم يعد فقط مسرحًا لانتهاكات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع الدولي بتطبيق قواعده، لا سيما المبادئ الأساسية مثل التمييز والتناسب، وحظر العقاب الجماعي، وهي التزامات قانونية مُلزمة لكافة أطراف النزاع دون استثناء.
وأشار الحقوقى، إلى أن وتيرة الانتهاكات التي تمارسها إسرائيل تشهد تصاعدًا ملحوظًا، من خلال استمرار العمليات العسكرية وفرض قيود مشددة على حركة المدنيين، بما يحول دون تمتعهم بحقوقهم الأساسية، وعلى رأسها الحق في التنقل والتعليم. ولفت إلى أن مشاهد اضطرار الطلاب لأداء امتحاناتهم في الشوارع أو بالقرب من المعابر تعكس انتهاكًا صارخًا للضمانات المقررة لحماية المدنيين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، في أوقات النزاعات المسلحة.
وأضاف فاروق، أن استمرار السياسات المتشددة حتى في أعقاب الإعلان عن وقف إطلاق النار يكشف عن غياب الالتزام الفعلي بمقتضيات التهدئة المستدامة، مشيرًا إلى أن مثل هذه التفاهمات تُستخدم أحيانًا كأدوات لإعادة ترتيب الأوضاع الميدانية دون معالجة جذرية لأسباب النزاع، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة.
وفي السياق ذاته، شدد على أن الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، إلى جانب الانخراط غير المباشر لإيران في المشهد الإقليمي، يسهم في تعقيد الأزمة وتعزيز حالة الاستقطاب الدولي، بما يعرقل بلورة مسار فعال قائم على احترام قواعد القانون الدولي وضمان حماية المدنيين.
وأكد أن استمرار التعنت، رغم إعلان وقف إطلاق النار، يعكس قصورًا واضحًا في آليات إنفاذ القانون الدولي، حيث تظل التدابير المتخذة غير كافية لضمان الامتثال أو تحقيق المساءلة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول ازدواجية المعايير وتأثيرها على مصداقية النظام القانوني الدولي وقدرته على حماية الحقوق الأساسية.
واختتم بالتأكيد على ضرورة تفعيل آليات المساءلة الدولية من خلال تحقيقات مستقلة وشفافة، وتفعيل الأطر القضائية المختصة بما يضمن عدم الإفلات من العقاب، مع أهمية ممارسة ضغط دولي جاد يُلزم إسرائيل بالامتثال لالتزاماتها القانونية ووقف الانتهاكات. كما دعا إلى الانتقال من نهج إدارة الأزمات المؤقتة إلى مقاربة قانونية شاملة، تقوم على إنهاء الاحتلال ورفع الحصار، وضمان الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة وتقرير المصير، مؤكدًا أن استمرار الوضع الراهن يعكس خللًا بنيويًا في النظام الدولي يستدعي مراجعة فعالية أدواته لضمان تحقيق العدالة بعيدًا عن اعتبارات القوة والمصالح الضيقة.
النساء والأطفال يتحملون العبء الأكبر في غزة ومصر تقود جهود الدعم الإنساني
وفي السياق ذاته قال أنس عقيل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة "ملاذ لدعم المرأة"، بأن ما تشهده غزة في الوقت الراهن يمثل كارثة إنسانية ممتدة، تتحمل تبعاتها الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدمتها النساء والأطفال، الذين يواجهون يوميًا تحديات تمس أمنهم واستقرارهم وحقهم في حياة كريمة.
وأوضح "عقيل" أن المرأة في غزة لم تعد فقط متأثرة بالنزاع، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على تماسك الأسرة، في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة، تشمل فقدان المأوى، ونقص الغذاء والدواء، وتراجع الخدمات الصحية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاعها النفسية والجسدية، خاصة مع تزايد أعداد الأطفال الذين يواجهون مخاطر متعددة، من بينها العنف وسوء التغذية والحرمان من الخدمات الأساسية.
وأشار "عقيل" إلى أن قضية حماية النساء والأطفال في مناطق النزاع تتجاوز البعد الإنساني، لتصبح التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا على المجتمع الدولي، بما يستدعي تحركًا أكثر فاعلية لضمان وقف الانتهاكات، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام.
وفي هذا السياق، أشاد "عقيل "بالدور المصري منذ اندلاع الأزمة، مؤكدًا أن مصر تواصل أداء دور محوري في دعم الشعب الفلسطيني، من خلال جهودها الدبلوماسية الرامية إلى التهدئة، إلى جانب استمرارها في فتح قنوات الإغاثة، واستقبال المصابين، وتقديم الدعم الإنساني.
وأضاف "عقيل" أن هذه التحركات تعكس امتدادًا لمسؤولية تاريخية وإنسانية، وتؤكد ثبات الموقف المصري الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، لا سيما الفئات الأكثر احتياجًا، وعلى رأسها النساء والأطفال.
واختتم عقيل تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب تنسيقًا دوليًا أكثر فاعلية، ينتقل من مستوى البيانات إلى خطوات عملية، بما يسهم في حماية المدنيين، والحد من تداعيات الأزمة، وتهيئة بيئة أكثر أمانًا للأطفال باعتبارهم أساس المستقبل.
وحسب تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية؛ يظهر مدى تدهور القطاع الصحي من دمار واسع يجعله غير قادر على تلبية احتياجات المرضى، لا سيما مع استمرار العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام دخول الأدوية والمعدات الطبية. وأفادت منظمة الصحة العالمية أن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي وحده بنحو 1.4 مليار دولار أمريكي، حيث دمر أكثر من 1,800 مرفق صحي بشكل جزئي أو كلي، "بدءا من المستشفيات الكبرى مثل مستشفى الشفاء في مدينة غزة، وصولا إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية الأصغر حجما، والعيادات، والصيدليات، والمختبرات"، كما أن النازحين الفلسطينيين في مراكز الإيواء يعيشون أوضاعاً صعبة، منها "انتشار القوارض والآفات"، حتى الآن من هذا العام، تم الإبلاغ عن أكثر من 17 ألف حالة إصابة مرتبطة بالقوارض أو بالطفيليات الخارجية بين النازحين في غزة، كما أبلغت أكثر من 80% من مواقع النزوح عن تسجيل إصابات جلدية، مثل الجرب، والقمل، وبق الفراش.