جرت العادة كلما سافرت إلى سيناء أن أتخيل قصص العبور وبطولات أسطورية لمقاتلين عبروا وقاتلوا بصدور عارية، وكلما سافرت كنت أرى كأنها صفوف أرواح الشهداء يحرسون الأرض، أسمع أصواتهم وأشعر بأنفاسهم، حقيقة وليست افتراضا، سيناء ليست الأرض أو الرمل لكنها نتاج عقيدة المقاتل على مر العصور، فى العبور أو الاستنزاف، واستمرت العقيدة فى الحرب ضد الإرهاب، والتنظيمات التكفيرية التى دمرت دولا، لكنهم فشلوا فى مصر ببساطة لأنهم تحطموا على صخرة المقاتل المصرى، فقد غيّر الجيش طريقته فى الحرب على الإرهاب، حيث إنها ليست جيوشا نظامية لكنها تجمعات جرذان تخرج لتضرب بغدر وخسة وتختفى.
عرفنا أساطير لمقاتلين صنعوا المعجزات بشجاعة وخلدت سيناء أسماء أبطال الصاعقة من إبراهيم الرفاعى الأب الروحى للصاعقة مرورا بمئات الأبطال وحتى المنسى ورفاقه.
من هنا أعجبت بسلسلة قصة بطل، التى تروى القصص الحديثة لشهداء القوات الصاعقة فى مواجهة الإرهاب والتكفيريين من أعداء الحياة، ومنها قصة الرشاش عن الشهيد الرقيب عمرو أسامة، ثم تابعت قصة البطل النقيب محمد ياسر «الصقر»، واحد من سلسال أبطال الصاعقة، الفيلم الوثائقى بعنوان «الصقر» يستعرض قصة حياة واستشهاد البطل وقبلها قصته من شهادات زملائه الذين خدموا معه فى الكتيبة وقبلها تخرجوا معه فى الكلية الحربية فى يوليو 2018، حيث شاركوا قصصا وذكريات عن شخصيته ومواقفه البطولية وإنسانيته خلال فترة خدمتهم المشتركة.
ويشهد زملاء النقيب محمد ياسر له بأنه يتمتع بطباع مختلفة أهمها الصبر وطول البال فى توجيه جنوده ومنحهم الفرص المتوالية قبل محاسبتهم، وأنه قائد قوى ولين فى آن واحد، أو مرن من دون ضعف، فضلا عن اهتمامه بالجانب الإنسانى، حيث يهتم براحة جنوده ويطمئن عليهم وأحوالهم وأكلهم وشربهم لدرجة أن جنديا خدم تحت قيادته اتصل بعد ثلاث سنوات ليعزى زملاءه وهو يبكى قائدا عرفه قبل ثلاث سنوات وارتبط به.
كل الشهادات تتحدث عن النقيب محمد ياسر، القائد الصبور والقوى، الذى يتميز بمهارات عالية فى الرماية واللياقة البدنية.
أما عن رحلته مع الشهادة فقد تمسك فيها ببطولته وإرادته، يوم 30 سبتمبر 2022 تحركت المجموعة فى سيناء، وغاصت مركبة النقيب محمد ياسر فى الرمال وتلقى أوامر من قيادته بإلغاء المهمة والعودة، رفض ذلك؛ ونزل بنفسه مع جنوده من المركبة وقام بتحريرها من الرمال، ثم أبلغ قائد المجموعة بأنه نجح فى تحريرها واستأذن للانضمام إلى مجموعة الاقتحام والمشاركة فى المهمة، وكعادته تمسك بالبقاء فى الصفوف الأولى واقتحم مزرعة يتمترس فيها الإرهابيون وواجه التكفيريين وقتل منهم اثنين، قبل أن يتلقى طلقة غدر أثناء الاشتباك. بقى فى الصفوف الأمامية لمجموعة الاقتحام وتقدمهم بمركبته لدخول المزرعة التى كانت تستهدفها العملية، حيث أطلق عليه إرهابى الرصاص من برميل كان يختبئ فيه وليس فى مواجهة.
استشهد البطل النقيب محمد ياسر، وظلت ذكراه بين جنوده وأيضا بين أهالى المنطقة من المزارعين وأصحاب الأراضى، حيث كان البطل يحرص على سلامتهم وسلامة ممتلكاتهم وأرواحهم وتجنب الإضرار بأى زرع أو شجر، ما ترك أثرا طيبا فى نفوس كل من عرفه، بالإضافة إلى إشارة إلى أحد الجنود الذين خدموا تحت قيادته وهو «محمد أحمد السمنى» تواصل مع زملائه لتعزيتهم بعد أن علم باستشهاده.
ومما يرويه أهله عن سفره آخر مرة، أنه حمل حقيبته ومر على كل أهله وأسرته وسلم عليه، ثم عندما اتصل قبل استشهاده قال لأسرته إنه سيكون عندهم قبل صلاة الجمعة، وبالفعل كان هناك فى الموعد محمولا على الأعناق فى جنازة مليونية لكل من عرف سيرة الشهيد محمد ياسر الذى كان يفترض أن تتم ترقيته إلى نقيب لكنه ترقى إلى رتبة «شهيد»، ليلحق بسيرة كل أبطال الوطن حراس الأرواح والأرض.
