لا شىء لدى حزب الله أكثر من الصلف والبجاحة. يرفع نعيم قاسم سبّابته، ويُحذر البلد بكامله من مغبّة بحثه عن النجاة.
ولسان حال المُستبدّ المأزوم؛ أنه لا خيار فى متناول اللبنانيين إلا الإذعان لجنون العدو القريب باسم المقاومة؛ حتى يدفعهم مثل القرابين المجانية إلى مذبح العدو البعيد.
تعترض الميليشيا على السياسة، ولا تتوافر على القوة اللازمة لحسم النزاع فى الميدان.
كأنها أخذت الناس رهائن لحسابها، أو كُلّفت برهن البلاد والعباد معا لصالح آخرين، بمنطق تذوب فيه الحدود الدقيقة بين الوطنية والخيانة، وبين الشجاعة والحماقة، أو المُحتل والمُختل!
كان الالتحاق بجبهة الطوفان سريعا، لدرجة الإيحاء بأنه قرار ذاتى خالص.
غير أن الطبيعة الولائية وتبعية الحزب الكاملة للمرشد الأعلى وحرس الثورة فى إيران، يقطعان بما لا يحتمل الشك بأنه تلقى أمرا صريحا بالاشتباك.
وجرت التضحية بالجبهة اللبنانية، لاعتبارات لا تخص إلا الجمهورية الإسلامية.
والتكرار أشد جلاء وتثبيتا للوقائع. إذ تجرّع الحزبيون مرارة الهزيمة والصمت بعد جولة تصعيد عالية السقف، أطاحت بالأمين العام التاريخى حسن نصر الله، وأغلب الصف الأول للقيادة.
فضلا على الانكشاف وثقل وطأة الضربات النوعية مثل عملية تفجير البيجر؛ ما ألجأه مضطرا إلى اتفاق مائل لوقف النار، احترمه قهرا، ولم يتوقف الاحتلال عن اختراقه، إلى أن جاءت تعليمات طهران بعد خمسة عشر شهرا بالرد.
الغباء أن تعود للفعل نفسه مُتوقعا نتائج مُغايرة، والتواطؤ على الذات والبلد أن تُقدم مصالح الآخرين على بيئتك وشركاء الوطن.
أما مُنتهى المأساة فأن تكون واجهة لمشروع لا يراك ندًّا أو شريكا، ويُصادر وجودك وقرارك دون مشاورة أو إخطار.
والمؤشرات تُرجح للأسف أن عودة الجناح العسكرى للاشتباك مع الصهاينة فى مارس؛ إنما جرى بإملاء فارسى مباشر، ومن دون المرور على المستوى السياسى فى الحزب من الأساس.
تبلغ الوقاحة مُنتهاها، عندما يتحدث ضباع العصابة الحزبية عن الوفاق والإجماع، وقد شقوا البلد مرة بعد أخرى، وأخذوه للحرب على غير إرادة أو مصلحة.
صنعوا الأزمة ويرفضون أن يتحملوا نصيبهم منها، أو أن يُبادر سواهم إلى بحث المخارج المُمكنة، ويُغرون سفهاءهم بالسلطة الشرعية؛ كى لا تُقدِم على استعادة الدولة من الدويلة.
وتصل السفالة بهم إلى تخوين رئيس الحكومة، نوّاف سلام، ورَميه بالتصهين، وإلى تهديد الرئيس عون بمصير السادات، البطل والشهيد، والوحيد الذى انتصر على إسرائيل دون شعاراتٍ ساذجة، وأعاد أرضه بلا تجارة أو مُزايدات، وحذاؤه أرفع وأشرف من قتلته والراقصين على دمه الطاهر ماضيا وحاضرا.
قُتل الرئيس المصرى الأسبق فى مناسبة احتفال، وبخيانةٍ لا تأويل لها أو براءة منها، ولغت فيها الأُصولية الدينية كعادتها الدنيئة مع كلِّ مصلحة وطنية ظاهرة وملموسة.
أمّا الحزب؛ فخسر قادته فى مخابئهم تحت الأرض، ونُحِرَ مرشدُه الأعلى، بالرغم من مبالغته فى التخفّى، وإفراطه فى الصبر الاستراتيجى والصَّغَار واحتمال المَذلّة والهوان!
تحرّر الجنوب قبل ما يزيد على ربع القرن. حزم الاحتلال حقائبه ورحل بلا اتفاق، ونُسِب الفضل كاملاً للحزب، باختزال وتبسيط؛ فكان ما كان من اختطافه للمجال العام، وفرض إرادته على الجميع لاحقا.
تسرّب فى شرايين الإدارة، واستأسد على السنيورة وحكومته. اقتحم العاصمة بالسلاح، وفرض بدعة «الثلث المُعطّل» فى الدوحة، وقتل الحريرى وطابور من الأطهار؛ لمُجرّد أنهم لا يُقرّونه على اختزال بلد بناسه فى عصابة وعمامة!
خرج الأسد من لبنان سباحة فى الدم، وورثته إيران. ولأسباب تخص رغبة الاستئثار الكامل بالداخل، أو حرف الأنظار لصالح الجمهورية الإسلامية، فى فصل مُبكّر من نزاعات برنامجها النووى؛ كانت المعركة المُخترعة فى يوليو 2006، وقد اصطنعها «نصر الله» بخطف الجُنديين، وعقّب عليها بالندم الضمنىّ، تحت شعار «لو كُنت أعلم ما فعلت»!
أربعون سنة ما أثبت الحزب فيها أنه بجانب لبنان حصرًا، ولا أنه يَعُد نفسه وسيلة لصالحها، لا غاية تعلوها وتضع ازدهار الجزء فوق بقاء الكُل واستدامته.
والسنوات الأخيرة أقامت الحجّة، وبرهنت على ما كان يشُكّ فيه البعض، وظهّرت ما أضمره الحزبيون طويلاً، وجمّلوه بالدعاية والخطابة وجاذبية البطولات الوهمية والمجانية.
كان الذهاب للحرب خطأ، والإصرار عليها خطيئة، ورفض التفاوض جناية على الحاضر والمستقبل. توازنات القوى مُختلة، وزادها محور المُمانعة بغباوته اختلالا، ولا يُرجى أى خير من الصدام أو الجمود.
غزة قبل ثلاث سنوات كانت أفضل، ولبنان، وإيران نفسها. كان السنوار مُختلّاً فى قرار الطوفان، ومكّن المُحتل النازى من إنجاز ما لم يكن يجرؤ عليه بتلك النزعة الإبادية الفجّة.
الحصيلة أن حماس أوشكت على الغرق، والحزب تداعى وتآكلت قدراته ولو ادّعى العكس. وطهران تحتاج عقودًا لتعويض ما خسرته فى شهور.
إسرائيل تضررت شبرًا وتجرأت ذراعا، وفى الحساب الختامى ستكون مع الرابحين. فلسطين أكبر الخاسرين، والدولة اللبنانية، وشعوب فى أغلبهم صاروا ضحايا لنزوات المُحتلين والمُختلّين معًا.
يحتاج الشيخ نعيم قاسم لممارسة سطوته داخل البيت لا خارجه، بدلاً من تجنيبه لصالح ضبّاط الحرس الثورى، واتخاذ القرارات بمعزل عنه، ثم تكليفه بالدفاع عنه كأى بوق أجير.
وعلى الحزب أن يُحدد هويّته، ويعرف أن الوطنية لا تتآخى مع المذهبية والاستتباع لبلد آخر.
وعلى دولة الملالى أن تلعق جراحها ببطء وتواضع، وتُخلّى سبيل رهائنها من الأتباع والميليشيات الرديفة؛ لأنهم عاجزون عن حمايتها، وعاجزة هى عن إسنادهم، ويتسببون معًا فى الإضرار ببلدان ومُجتمعات لا ناقة لها ولا جمل.
إسرائيل خطر، والأصولية الإسلامية أخطر. وإصبع الشيخ نعيم نتوء فى صورة ما عادت تحتمل الصخب وادّعاء البأس، ولا تغريها بلاغة حسن نصر الله وشعبويته، ناهيك عن أن الذين ورثوه أثبتوا عمليا أنهم أشدّ منه غباء، وأقل قدرة على المراوغة والخداع، وخلط الحق بالباطل كما اعتاد لثلاثة عقود أو يزيد!