سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 28 أبريل 1969 ..ديجول يستقيل من رئاسة فرنسا تنفيذا لوعده للفرنسيين بالاستقالة إذا خسر الاستفتاء على إصلاحاته ويترك الإليزيه قائلا: «لم يعد لى ما أفعله وعلىّ أن أرحل»

الثلاثاء، 28 أبريل 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 28 أبريل 1969 ..ديجول يستقيل من رئاسة فرنسا تنفيذا لوعده للفرنسيين بالاستقالة إذا خسر الاستفتاء على إصلاحاته ويترك الإليزيه قائلا: «لم يعد لى ما أفعله وعلىّ أن أرحل» الرئيس الفرنسى شارل ديجول

كانت الساعة الثانية عشرة ظهر 28 أبريل، مثل هذا اليوم، 1969 حين أعلن الرئيس الفرنسى شارل ديجول تخليه رسميا عن رئاسة فرنسا بعد 11 عاما رأس خلالها الجمهورية الفرنسية، وفيما استقبلت فرنسا الخبر بهدوء، تفجرت بعد مضى دقائق من إعلانه مظاهرات الطلبة فى شوارع باريس، حسبما تذكر «الأهرام» فى عددها يوم 29 أبريل 1968.

جاءت الاستقالة بعد ثلاثة أيام من الكلمة التى وجهها ديجول إلى الفرنسيين يوم 25 أبريل 1969، حول الاستفتاء الذى سيجرى يوم 27 أبريل عن إصلاحات تشمل «اللامركزية وإعادة تنظيم مجلس الشيوخ»، وحذر فيها من أنه فى حال عدم حصوله على الأغلبية سيترك منصبه، وقال: «أنتم الذين غالبا ما تكلمت معكم من أجل فرنسا، اعلموا أن ردكم الأحد يوم الاستفتاء سيؤثر فى مصيرها، ستصبح مهمتى الحالية مستحيلة بالتأكيد وسأتوقف على الفور عن ممارسة مهامى»، وحسب جريدة «الحياة» التى كانت تصدر من لندن يوم 13 يناير 1999: «كان ديجول يتوقع نتيجة الاستفتاء وعبر فى جلساته الخاصة عن شعوره، بأن كل شىء انتهى بالنسبة إليه وأن فرنسا باتت أمام فصل جديد من تاريخها».

كان الاستفتاء خطوة فى طريق محاولات ديجول للخروج من الأزمة التى تولدت بثورة الطلبة الفرنسيين يوم 2 مايو 1968، وتواصلت ثمانية أسابيع، وانضم إليها باقى فئات الشعب، فطرح ديجول إصلاحاته فى محاولة أخيرة لعلاج الأوضاع المتأزمة، وفى كتاب «قصة الإليزيه» المنشور بجريدة «البيان الإماراتية» من 21 نوفمبر 2007، عرض وتقديم محمد مخلوف، يتتبع مؤلفه «فرانسوا دورسيفال» دراما الأسابيع الأخيرة فى حكم هذا الزعيم التاريخى، الذى قاد المقاومة ضد الاحتلال النازى لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، بإطلاق ندائه من لندن فى يونيو 1940: «أيها الفرنسيون لقد خسرنا معركة، لكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نيران الاحتلال».

ظهرت نتيجة الاستفتاء يوم 28 أبريل «مثل هذا اليوم 1969»، 52% قالوا: لا، وبهذه النتيجة ترقب العالم قرار ديجول، وبعد عشر دقائق من منتصف الليل صدر بيان موجز من سطرين سمعه الفرنسيون بصوت ديجول: «أعلن توقفى عن ممارسة مهامى رئيسا للجمهورية، يصبح هذا القرار نافذا عن ظهر اليوم 29 أبريل 1969».

نفذ «ديجول» تهديده بالاستقالة، وتمت وسط دراما عاشها فى «الإليزيه»، فحسب رواية «دورسيفال»: «أدرك من خلال ردود الأفعال على اقتراح الاستفتاء العام أنه أخطأ الهدف، وذلك بعد أن لاحظ الحالة التى بدا عليها مساعدوه، قال لمستشاره جاك فوكار: «كان كل منهم يريد المساومة وقد أحاط نفسه بأساتذة من ورؤساء جامعات ومستشارين من كل نوع، كانوا يريدون فى الواقع استمرار الحال على ما هو عليه، والنتيجة هى كما ترى، انفجر كل شىء فجأة لأنه ليس لدى رجال دولة وليس لدى حكومة»، وقال لوزير ماليته ميشيل دوبريه: «لا أتمنى أن يحظى الاستفتاء بموافقة أغلبية الفرنسيين، ذلك أن فرنسا والعالم فى وضع لم يعد هناك ما يمكن فعله حياله، وأمام الشهيات المفتوحة والتطلعات وأمام واقع أن جميع المجتمعات غير راضية عن نفسها لا يمكن فعل أى شىء، إن العالم كله مثل نهر لا يريد لمجراه أن يواجه أية عقبة، ولم يعد لى ما أفعله وبالتالى علىّ أن أرحل، ومن أجل أن أرحل ليس أمامى أية صبغة سوى أن أجعل الشعب الفرنسى يقرر بنفسه مصيره».

يكشف مؤلف «قصة الإليزيه» عن لقاء مؤثر على مائدة الطعام بين ديجول وزوجته وولدهما الضابط فيليب الذى قال: «لاحظت البرود على الرسميين الذين قابلتهم عند مدخل الإليزيه، بل أشاحوا بنظرهم عنى، وأخبرنى البعض أن بعض الوزراء والموظفين الكبار أو حتى مستشارى الرئيس تركوا مراكزهم، ولم يعد الاتصال بهم ممكنا حتى بواسطة الهاتف».

انفرد ديجول بالابن بعد تناول الطعام ولم يعرف أحد ما دار بينهما، لكن الابن قال فيما بعد فى مذكراته عن أبيه أنه قال له: «لم تعد لى سلطة على أحد، لقد فقدت عمليا السيطرة على الحكومة، بومبيدو «رئيس الوزراء» يترك الأمور تتعفن، فإلى متى؟، ويقول الابن فيليب، إنه أثار أباه عن قصد عندما قال له: «ينبغى أن تدرك أن حكمك انتهى وأن الفرنسيين لم يعودوا يريدونك».

بعد استقالته بثلاثة أيام، تحدث عنه جمال عبدالناصر فى خطابه بعيد العمال «1 مايو 1969»، قائلا: الجنرال ديجول تفهم قضيتنا، وصمم على أن يقف ضد العدوان «5 يونيو 1967»، وصمم على أن يقف مع المبادئ، وصمم على أن المعتدى يجب أن ينسحب من جميع الأراضى المحتلة، وكان هذا مكسبا لنا، ونحن على ثقة فى استمرار موقف فرنسا من العرب، والشعب الفرنسى رفع لواء الثورة فى يوم من الأيام، ورفع هذه المبادئ العظيمة فى يوم من الأيام، وحينما كان الجنرال ديجول فعلا يتخذ هذا الموقف، كنا نشعر فعلا أنه ينفذ الأهداف التى نادت بها الثورة الفرنسية.

ذهب ديجول من الإليزيه إلى داره فى «كولومبيه لى دوزيغلير»، ومضى سنته الأخيرة حيث توفى يوم 9 أكتوبر 1970.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة