في عالم لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالكلمة والصورة والمعلومة، تبرز منظومة الإعلام الإخواني كأحد أخطر أدوات المواجهة غير التقليدية، حيث تتقاطع السياسة مع المال، وتلتقي الأجندات مع منصات البث، لتشكل شبكة دعائية معقدة تُدار من خارج الحدود، وتستهدف الداخل المصري بخطاب محسوب، ومحتوى مُصمم بعناية لضرب الثقة، وبث الشك، وإعادة تشكيل الوعي العام وفق سرديات تخدم مصالح التنظيم.
هذه المنظومة لم تعد مجرد اجتهادات إعلامية متفرقة، أو أصوات معارضة تقليدية، بل تحولت إلى ما يشبه بآلة منظمة تعمل وفق هيكل إداري وتمويلي محكم، قائم على ضخ أموال ضخمة، وتوظيف كوادر مدربة، وإدارة محتوى موجه بدقة، بما يجعلها أقرب إلى غرفة عمليات متكاملة تُدار بعقلية الشركات الكبرى، لا بعشوائية الجماعات السياسية.
فخلف كل منصة، وكل برنامج، وكل مقطع فيديو، تقف شبكة تمويل واضحة المعالم، تحركها حسابات الربح والخسارة بقدر ما تحركها الأهداف السياسية.
وتكشف الوقائع أن هذه الشبكة لا تكتفي بإنتاج محتوى إعلامي، بل تسعى إلى خلق حالة مستمرة من التشويش، عبر تكرار الرسائل، وتضخيم الأزمات، وانتقاء الوقائع بما يخدم رواية واحدة، في محاولة لفرض واقع بديل على الجمهور، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الساحة الأهم لتوجيه الرأي العام، وتشكيل الانطباعات.
الأخطر أن هذه المنظومة تعتمد على إغراءات مالية ضخمة لضمان استمرارية عملها، حيث تحولت بعض المنصات إلى مصدر دخل مغرٍ لعدد من العاملين بالخارج، ممن يجدون في هذه المساحة فرصة لتحقيق مكاسب مادية كبيرة، مقابل إنتاج محتوى يستهدف الدولة المصرية بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي قلب هذا المشهد، تتكشف ملامح إدارة مركزية تتحكم في مسار هذه المنظومة، وتدير التمويل والتوجيه من خلف الستار، عبر مجموعة محدودة من الأسماء التي تتولى توزيع الأدوار، وتحديد الرسائل، وضخ الأموال في القنوات والمنصات المختلفة، بما يضمن استمرار تدفق المحتوى، واتساع دائرة التأثير.
وفي هذا السياق، كشف ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن من يقف خلف تمويل إعلام الجماعة الإرهابية هو عبد الرحمن أبو دية، مشيرًا إلى أنه رجل فلسطيني الأصل حاصل على الجنسية البريطانية، ويقيم في بريطانيا، ويعمل ضمن مجموعة تضم أسماء بارزة، على رأسهم عزام التميمي ومحمد جمال هلال، بالإضافة إلى مدير إعلام الجماعة أحمد الشناف.
وأوضح «فرغلي» في تصريحاته لـ«اليوم السابع» أن هذه المجموعة تمثل ما يشبه بمجلس إدارة يتحكم في كل مفاصل الإعلام الإخواني، سواء من حيث التمويل أو التوجيه أو توزيع الأدوار، مضيفا "هم دول اللي معاهم كل الفلوس وبيصرفوا مبالغ ضخمة جدا على الإعلام الإخواني لتشويه صورة مصر".
وأضاف أن صانع محتوى على منصة يوتيوب، يقتصر دوره على إنتاج فيديوهات تستهدف تشويه صورة مصر، قد يحصل على ما يصل إلى 10 آلاف جنيه شهريًا على مقطع الفيديو الواحد فقط، بينما تتجاوز رواتب بعض الإعلاميين التابعين للجماعة 500 ألف جنيه شهريًا، وهو ما يمثل عامل جذب رئيسي للعديد من المتواجدين خارج البلاد للانخراط في هذه المنظومة مقابل عوائد مالية كبيرة.
شبكة استثمارات عابرة للحدود
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن عبد الرحمن أبو دية، المعروف باسم «أبو عامر»، يُعد أحد أبرز القيادات المرتبطة بالتنظيم الدولي، حيث يتولى إدارة ملف الاستثمارات الإخوانية في الخارج، عبر قطاعات متعددة تشمل العقارات، والبورصات، وشركات الإنتاج الفني.
هذه الاستثمارات، لا تُدار بشكل عشوائي، بل تخضع لتخطيط دقيق يهدف إلى تحقيق عوائد مالية مستدامة تُستخدم في تمويل الأنشطة المختلفة للجماعة، وعلى رأسها الإعلام، الذي يُعد أحد أهم أدواتها في المرحلة الحالية.
شخصية غامضة وإدارة من الظل
ورغم هذا الدور المحوري، يظل عبد الرحمن أبو دية شخصية شديدة الغموض، حيث لا تظهر له صور متداولة، ولا يُسمح بتناول اسمه داخل المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية، في محاولة لإبقائه بعيدًا عن الأضواء وتجنب أي ملاحقات محتملة.
هذا النمط من الإدارة «من خلف الستار» يعكس طبيعة التنظيمات المغلقة، التي تعتمد على دوائر محدودة من القيادات لإدارة الملفات الحساسة، مع الحرص على تقليل الظهور الإعلامي لتلك القيادات.
إعادة هيكلة بعد 30 يونيو
وبحسب المعلومات، فقد أُسند إلى «أبو دية» عقب ثورة 30 يونيو 2013 ملف الإعلام بشكل كامل، إلى جانب الإشراف على نقل وإعادة توطين عناصر وقيادات التنظيم الفارين من مصر، وهو ما يعكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل دوائر صنع القرار في التنظيم الدولي.
هذه المرحلة شهدت إعادة هيكلة شاملة للإعلام الإخواني، سواء من حيث الأدوات أو الرسائل أو آليات التمويل، حيث تم التركيز بشكل أكبر على المنصات الرقمية، إلى جانب إطلاق قنوات فضائية موجهة، تعمل على مدار الساعة.
استهداف ممنهج للدولة المصرية
في المجمل، يكشف تتبع مسارات التمويل والإدارة داخل الإعلام الإخواني عن منظومة متكاملة، تقوم على استثمارات عابرة للحدود، وقيادات تعمل من الظل، وتمويل ضخم يضمن استمرار هذه المنصات، بما يجعلها أحد أبرز أدوات الجماعة في المرحلة الراهنة.