أحمد موسى

أوروبا تحت الحصار

الإثنين، 27 أبريل 2026 01:58 م


في قلب أوروبا، حيث كانت الديمقراطيات الليبرالية رمزًا للاستقرار العالمي، تبرز اليوم صورة مختلفة تمامًا. حكومات فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ثلاث قوى أساسية في الناتو والاتحاد الأوروبي، تواجه تحديات داخلية هائلة تجعلها تبدو ضعيفة وممزقة. الشعبوية المتسارعة، مدفوعة بأزمات اقتصادية وهجرة وتضخم، تتآمر مع تراجع الدعم الأمريكي تحت إدارة دونالد ترامب الثانية، مما يهدد التحالفات الغربية الأساسية. هذا ليس مجرد أزمة سياسية محلية؛ إنه تحول جيوسياسي يعيد رسم خريطة القوى في عالم متعدد الأقطاب، حيث تتربص روسيا والصين بالفرص.

بدأت الأزمة في فرنسا مع انهيار الائتلاف الحاكم لإيمانويل ماكرون بعد انتخابات 2024، حيث فاز اليسار المتطرف واليمين الشعبوي بأغلبية برلمانية مشتركة، مما أدى إلى حكومة أقلية هشة. بحلول أبريل 2026، يعاني ماكرون من معدلات شعبية أقل من 20%، وفق استطلاعات "إيفوب"، بسبب احتجاجات المزارعين والغضب من ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن حرب أوكرانيا. استراتيجيًا، أصبحت فرنسا غير قادرة على قيادة المبادرات الأوروبية، مثل تعزيز الدفاع المشترك، حيث رفض البرلمان زيادة الإنفاق العسكري إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. جيوسياسيًا، يستغل فلاديمير بوتين هذا الضعف من خلال حملات تضليل روسية تروج لـ"البريكست الفرنسي"، مما يقوض دور باريس في الاتحاد الأوروبي.

في ألمانيا، يمثل صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف قمة الشعبوية. بعد فوز الائتلاف الجديد بقيادة فريدريك ميرتز في سبتمبر 2025، أصبحت برلين مشلولة بسبب الخلافات حول الهجرة والطاقة. AfD، الذي يحظى بدعم 25% من الناخبين في الشرق، يعيق سياسات الدعم لأوكرانيا، مطالبًا بوقف الإمدادات العسكرية للحفاظ على "السلام مع موسكو". جيواستراتيجيًا، يعني ذلك تراجعًا في دور ألمانيا كمحرك اقتصادي لأوروبا؛ انخفض الناتج المحلي بنسبة 1.2% في 2025 بسبب نقص الغاز الروسي وارتفاع الفوائد. الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي تطالب بحصة أكبر من الإنفاق العسكري، تضغط على برلين، لكن الحكومة الضعيفة تفشل في الاستجابة، مما يفتح الباب أمام نفوذ صيني في البنية التحتية الألمانية عبر "حزام واحد طريق واحد".
بريطانيا، خارج الاتحاد الأوروبي، تواجه أزمة مشابهة تحت حكم حزب العمال بقيادة كير ستارمر. بعد فوز 2024، انهار الدعم الشعبي إلى 28% بسبب التضخم (7% في 2026) وفشل اتفاقات التجارة مع الاتحاد الأوروبي. الشعبوية البريطانية، ممثلة في حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج، تروج لسياسات معادية للهجرة ومناهضة للناتو، متهمة واشنطن بـ"التخلي عن لندن". سياسيًا، أدى ذلك إلى تأجيل زيادة الإنفاق الدفاعي، حيث يعتمد الجيش البريطاني على معدات قديمة، مما يضعف دوره في المحيط الهادئ ضد الصين. جيوسياسيًا، يستفيد الاتحاد الروسي من هذا الضعف بتعزيز تحالفاته مع إيران في الشرق الأوسط، بينما تفقد بريطانيا نفوذها في القارة الأفريقية.

العامل المشترك الذي يفاقم هذه الأزمات هو تراجع الدعم الأمريكي. مع عودة ترامب في يناير 2025، أعلن "أمريكا أولًا 2.0"، مشككًا في التزامات الناتو ومطالبًا بدفعات فورية من الحلفاء. في قمة الناتو 2025 بولونيا، هدد ترامب بسحب 20% من القوات الأمريكية إلا إذا ارتفع الإنفاق الأوروبي إلى 3%. هذا التراجع ليس اقتصاديًا فقط؛ إنه جيواستراتيجي، حيث يركز واشنطن على آسيا ضد الصين، تاركًا أوروبا تواجه روسيا وحدها. استراتيجيًا، يعني ذلك إعادة تقييم للردع النووي؛ فرنسا وبريطانيا تمتلكان ترسانات نووية محدودة، بينما ألمانيا تعتمد على المظلة الأمريكية.

الشعبوية ليست ظاهرة عشوائية؛ إنها رد فعل على عقد من الفشل الليبرالي. في فرنسا، أدت سياسات ماكرون الاقتصادية إلى تفاقم التفاوت، حيث يصل معدل البطالة إلى 12% بين الشباب. في ألمانيا، أزمة الطاقة بعد إغلاق محطات نووية أدت إلى ارتفاع فواتير الكهرباء بنسبة 40%، مما غذى دعم AfD في المناطق الصناعية. بريطانيا تشهد "شتاء الفقر" الثاني، مع 14 مليون شخص تحت خط الفقر. هذه الشعبوية لها أبعاد جيوسياسية؛ تستلهم من نموذج أوربان في المجر وبوبوليست في إيطاليا، الذين يروجون لـ"السيادة الوطنية" ضد "النخب البروكسلية". روسيا والصين يدعمان هذه الحركات عبر الإعلام الرقمي، مثل تيك توك وإكس، حيث بلغت الحملات الروسية 500 مليون مشاهدة في 2025.

من الناحية الاستراتيجية، يهدد هذا الضعف التحالفات الأوروبية. الاتحاد الأوروبي، الذي سعى لـ"الاستقلال الاستراتيجي" عبر صندوق الدفاع الأوروبي (EDF) بـ100 مليار يورو، يعاني من شلل داخلي. فرنسا تدفع لقوة عسكرية مشتركة، لكن ألمانيا ترفض مشاركة بيانات استخباراتية، بينما بريطانيا تفاوض بشكل منفصل. جيواستراتيجيًا، يعزز ذلك موقف روسيا في أوكرانيا؛ بعد هدنة 2025 غير مستقرة، يسيطر بوتين على 20% من الأراضي الأوكرانية، مستفيدًا من تردد أوروبا في إرسال صواريخ بعيدة المدى. الصين، من جانبها، تزيد استثماراتها في موانئ هولندا واليونان، مما يقوض مبادرة "التنويع عن الصين" الأوروبية.
سياسيًا، تكشف هذه الأزمات عن انهيار النموذج الديمقراطي التقليدي. في فرنسا، أدى الشعبويون إلى إصلاحات دستورية تقلل من سلطات الرئيس، مما يشبه "البرلمانية الإيطالية". ألمانيا تشهد تحالفات غير تقليدية بين المحافظين والشعبويين، تهدد بتفكيك "التوافق البرليني". بريطانيا تواجه استفتاءً ثانيًا محتملًا حول الاتحاد الأوروبي بحلول 2027. هذه التغييرات ليست داخلية؛ إنها تؤثر على السياسة الخارجية، حيث يرفض الشعبويون الدعم لإسرائيل في غزة، مفضلين "الحياد" لجذب الناخبين المسلمين، مما يعزل أوروبا عن الولايات المتحدة.

جيوسياسيًا، يعيد هذا الوضع تشكيل التوازن العالمي. أوروبا، التي كانت عماد "النظام الليبرالي الدولي"، تفقد مصداقيتها في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث يرى الدول النامية في الشعبوية نموذجًا للتمرد على الغرب. روسيا توسع تحالف "بريكس+"، مضيفة السعودية والإمارات، بينما الصين تبيع أسلحة لشرق أوروبا عبر وسطاء. استراتيجيًا، يجب على أوروبا الاستجابة بـ"دفاع أوروبي مستقل"، لكن الضعف الحكومي يمنع ذلك؛ ميزانية الدفاع الأوروبية لا تتجاوز 1.8% من الناتج الإجمالي الجماعي.

مع ذلك، هناك بصيص أمل في الابتكار. بعض الدول مثل بولندا والدول البالتية تزيد إنفاقها العسكري، مما يعوض الفراغ الألماني. فرنسا تبني تحالفات "بولينية" مع الدول الشرقية، بينما بريطانيا تقترب من "أوكوس" الآسيوي. لكن بدون إصلاحات داخلية جذرية، مثل مكافحة الشعبوية عبر سياسات اجتماعية، سيظل التهديد قائمًا. في عالم 2026، أصبحت أوروبا تحت حصار داخلي وخارجي، ونجاتها تعتمد على إعادة بناء الثقة في قياداتها.

الخلاصة الجيوسياسية واضحة: إذا استمر التراجع الأمريكي والشعبوية، قد تنهار التحالفات الغربية، مفتحةً الباب أمام فوضى متعددة الأقطاب. أوروبا بحاجة إلى قادة أقوياء، ليس شعارات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة