غادر إسلام آباد إلى مسقط، وسيعود إليها فى طريقه لموسكو. لا يحط عراقجى على أرض؛ إلا ليُقلع من جديد.
وزير خارجية مثالى: دؤوب، مُفوّه، كثير الأسفار، ولا يتوقف هاتفه عن الرنين. أما الفاعلية؛ فما المسؤول عنها بأعلم من السائل!
يكرهون نتنياهو ويُجرّبون وَصفتَه، وكان يُرسِل مُفاوضيه عن ملف غزّة بلا صلاحيات، أو يمنحهم القليل منها؛ ثم يُفاجئهم بسَحبها وهم على الطاولة.
لا أحد يعرف صاحب القرار فى طهران على وجه التحديد، ولا تفاصيل رحلته من خطّ الإنتاج حتى طرحه فى الأسواق.
مُجتبى الحاضر الغائب، أو الغائب الحاضر، لا فرق غالبا، ولا حسم أيضًا؛ باستثناء أنه عاجز أو ممنوع من ممارسة مهام المُرشد الأعلى.
كانت لدى الجمهورية الإسلامية ثلاثية خَطِرَة: النووى والباليستى والميليشيات الرديفة على امتداد المنطقة؛ وصار الشكّ رابعها.
حتى أن منسوبه يكاد يطغى على ما تبقّى من الصواريخ، وعلى الأسطوانات عالية التخصيب من «الغبار» بحسب تعبير دونالد ترامب، وأخيرا وقاحة الشيخ نعيم قاسم فى ضاحية بيروت الجنوبية.
تسلل الارتياب إلى الصدور المًحصّنة، وزبدة المؤمنين فى أرفع مستويات النظام. لا يحوز أعرافى لقب السيادة ولا يعتمر عمامة سوداء؛ غير أنه يطمح فى ارتقاء سدّة الحُكم.
وقد جرّب حلاوته جزئيًّا قبل وقت غير بعيد، بعضوية المجلس الانتقالى مع الرئيس بزشكيان ورأس السلطة القضائية محسنى إيجئى، كما أنه ضلع مُتمم لمثلث الرؤوس العالية فى مجلس خبراء القيادة.
قِيل إنه اعترض على خيارات المفاوضين، وما يُطرَح مُغلّفًا بإقرار الولى الفقيه نائبا عن الإمام الغائب، بينما لم يُسجّل حضورًا يُذكَر قبل اختياره الإجبارى أو بعده.
ووصل البعض بالأمر إلى أنه طلب تسجيلاً صوتيا، ما يعنى أنه لا يُخالجه شكّ فى أن «مُجتبى» تحوّل إلى ستار يتدثّر به آخرون.
انعقدت الولاية عمليا لجنرالات حرس الثورة؛ ولو أنكروا أو ادّعوا العكس. فضلاً على تشابك الخيوط وتعقُّدها داخل دائرة الصقور أنفسهم، وتضارب الرؤى والأهداف من جناح لآخر.
وليس أدلّ من تعنيف رئيس البرلمان ووفد التفاوض، محمد باقر قاليباف، وتحجيمه بعد جولة حوار أولى ووحيدة حتى الآن، بالرغم من كونه نتاج الميليشيا ومحسوب عليها فى السياسة كما كان بلباس العسكر.
طغت الذاتية على الموضوع فى بلاد فارس، وبدا أن فريقا ينزع لجهة الزج بالمصالح الفئوية جنبا إلى جنب مع الأيديولوجيا وشعارات العقيدة.
تتغير الجمهورية الإسلامية؛ وإن ببطء وعشوائية. وكأية حقبة انتقالية، تتبدّى المشكلة فى انقضاء القديم قبل ابتداع الجديد، أو اتضاح معالمه كافةً.
يتباهى ترامب بتغييره النظام؛ ليضيف نقطة إلى رصيده، على أمل أن تُعينه فى تلفيق سردية النصر لاحقًا.
والحقّ؛ أنه مُصيب فى جانب، ومُخطئ فى بقيّة الجوانب. إذ تفتقد طهران لكياسة خامنئى الأب وصبره الاستراتيجى، وتستبدل بالذئب العجوز قطعانًا شابة، فضلا على اللياقة وعُلوّ الصوت؛ فإنها محشوّة بالجرأة والغرور.
يُرعب الرئيس الأمريكى خصومه من الملالى وجنرالات الحرس، ويُطمئنهم فى الوقت ذاته.
مزاجيّته تُوجب القلق، وسردية «الرجل المجنون» تكون فعّالة إلى ما قبل ارتخاء قبضة التاجر العجوز، ولا أحد يفوق الإيرانيين شطارةً فى التجارة أو امتصاص حماوة المجانين.
والحديث عن قلب الصورة رأسًا على عقب؛ إنما يُطمئن الجُدد، ويشى بمنحهم ضمانةً ولو مؤقتة من الاستهداف. وإذا كانت المُماطلة لا تُثير ضيق الطرف الآخر؛ فلا مانع من التسلّح بها طويلاً، أو زيادة مقادير الطبخة قليلاً.
لا يُختَبَر الردع إلّا عند سقوطه، والتهديد مثل القنبلة النووية، أُعِدَّ كى لا يُستَخدم أصلاً.
أى أنه عند القذيفة الأولى، تساوت الاحتمالات لدى الطرف الأضعف، وانحصر أثمن ما لديهم فى الهالة والمعنويات، لا سيما مع الوقت والصمود وصعوبة الحسم، ومع الاستنزاف المتبادل بين قوىٍّ يئنُّ، وضعيفٍ اعتاد الألم لعقود.
اختير الابن بديلاً للأب؛ ليكون مخرجًا من النفق المُظلم، باعتباره ولىّ الدم، وله شرعية الإقدام والإحجام دون مُزايدة أو تخوين. لكن رخاوة البيت الأبيض كانت مُفاجئة، وانعدام كفاءة لاعبيه أيضًا، فتعاظَمت لدى المُتطرفين الجُدد حالة الاستمراء، ورغبوا فى تقديم أنفسهم بقبضة أقسى من سابقيهم.
أخطأت إيران من البداية للمُنتهى؛ خاصة فى تعاطيها مع الأذرع وصولا إلى انفراد مخبول حماس، يحيى السنوار، بقرار الطوفان. تباطأت وتغابت واستُدرجت؛ لكنها اليوم تُمسِك بزمام المشهد، أو على الأقل لها الزمان، ولغريمها المكان، وكُلفة الثانى أكبر، وخسائر العدوّ أضعاف خسارتها فى الاثنين.
حُيّدت ورقة الهيمنة الجوية، ولم يعُد القصف البعيد فعّالاً أو رادعًا. والهيمنة تتطلّب عملية بريّة، اختُبرت فى أصفهان، سواء كان الاستعراض لانتشال الطيار أو بحثا عن اليورانيوم. والغالب أن الميدان ماضٍ إلى الجمود، وقد لا يخلو المجال من مناوشات مُتقطّعة؛ إنما لا حرب كاسحة، ولا صفقة دائمة.
أُلغِيَت رحلة ويتكوف وجاريد كوشنر لباكستان فى اللحظة الأخيرة؛ إذ كان التعويل على أن وزير الخارجية الإيرانى يحمل أفكارًا صالحة للتداول.
قالت طهران إنها لن تتفاوض مباشرةً، ويبدو أنها أرسلت ورقة غير مُقنعة لواشنطن؛ فيما كان إبعاد الأخيرة لنائب الرئيس عن القائمة المُقترحة للقاء، دليلاً تراجع مستوى المُحادثات، والعودة إلى البدء فيها من نقطة الصفر.
نظريا؛ لن يقبل ترامب باتفاق أقل مِمّا أطاحه قبل ثمانى سنوات. وعمليًّا؛ فإنه مُضطر لتقديم تنازلات، وقد اختبر الطرف الآخر حدود القوّة فعلاً، وسدّدوا أثمانها، وما عادوا يخشون تكرار اللجوء إليها، فضلا على مُطالبتهم بالتعويض عن جولتها الأولى!
يُراهن الأمريكيون على نجاعة الأمثولة/ رأس الذئب الطائر، والإيرانيون لن يُفرّطوا لاعتبارات شتّى. يُراقبون الساعات انتظارًا لضغط الانتخابات النصفية.
الطرفان من عجينة واحدة؛ وتلك أعقد المُشكلات بينهما. الثقة مُفتقدة تمامًا، ولا هامش للوفاق بين الوجوه على الناحيتين؛ وفيما يتبقّى للإدارة الحالية ما يزيد على سنتين؛ فإمّا يُعطّلها الكونجرس الجديد، أو تذهب لجولة ثانية من حصاد الرقاب العالية.
الصدام أرجح من الوفاق، والجمود غالب على كليهما. ويظل الجنون سيد الموقف، أكان فى البيت الأبيض، أم تحت العمائم السوداء.