لا تتقادم الذكرى، ولا يخفُت بريقُ أبطالها. وينصرف الذهن فيها بالضرورة إلى رجلٍ أخذها على عاتقه حربًا وسِلمًا، وافتداها بدمه، ولم يعشِ ليشهد توقيعها على الأرض، ويحتفل معنا أو نحتفل معه، بما أنجزه بالعزم والدهاء وطُول النَّفَس.
خضنا حربًا من أربع جولات. هُزمنا فى معركة، وانتصرنا فى ثلاث. وكان السادات شريكًا فيها جميعًا، من الصف الثانى زمن النكسة، قبل أن يصبح نائبًا لناصر ويخلفه فى الرئاسة، ومن الواجهة فى أول نصرين، ومن عُليا الجنان، بإذن الله، فى الرابع.
يوم مُرٌّ؛ عوّضنا عنه بثلاث مُناسبات حُلوة: غَسل بقعة الكرامة بالدم فى 6 أكتوبر، وتجفيف جُرحها بالسياسة والدبلوماسية فى 25 أبريل، والعافية وتثبيت السبق والتفوّق بالقانون فى 19 مارس 1988، لحظة عودة طابا التى لم يشهدها؛ لكنه فى طليعة صُنّاعها.
قضيت سنواتٍ فى المُراهقة وما بعدها، مُصطفًّا إلى جوار المُتحاملين عليه. بالخَلط بين التحرير والتحريك، أو الخفّة فى قراءة السياقات، بأثر الدعايات المُكثّفة من سخف البعثيّين والناصريين، ودناءة الإسلاميين بتنويعاتهم.
وأكاد أُشبّه الموقف من الرجل، بما يواجهه البعض مع أم كلثوم فى رحلة النضج واختمار الذائقة. فكما أنها ليست سهلة المنال للأغرار الخفاف؛ فشهيدُنا لا يستوعبه المُؤَدلجون وذوو الأهواء الرخيصة، وتُنصفه الحوادث والأيام تباعًا، من لحظة اغتياله، وحتى يرث الله البلاد والعباد.
فلّاح داهية، ينشب أظفاره فى الطين، لا يتزحزح عنه، ولا ينشغل بالشكل عن المضمون. وأهم مزاياه أنه ابن زمنه، غير منفصل عن الواقع، والعقلانية لديه ثابت يعلو على دغدغة عاطفة الجمهور. كان عسكريًّا هاويا ربمّا؛ لكنه كان سياسيًّا فى غاية الاحتراف والإتقان.
ما اقتُطعت سيناء بجهد الصهاينة وحدهم، ولا كانت معركة التحرير وقفًا عليهم. الصورة مُركّبة غاية التركيب، والتوازنات أكبر من الغريمين وجيوسياسيّة المنطقة كلها.
آحادٌ التقطوا الإشارة مُبكّرًا، وحشود هُمّل ضيّعوها على وقتها؛ فخسروا أضعافًا مُضاعفة، وما حقّقوا شيئا يُذكر، ويتعلّقون اليوم بالقليل مِمّا عرضه السادات، أو كان قادرًا على تأمينه وقتها بمنطق الحزمة الواحدة.
أكثر من عقدٍ بعد كامب ديفيد؛ ليذهب الفلسطينيون إلى أوسلو بشروطٍ أقسى وآمال أقل. ثم كان على العرب أن ينتظروا عشر سنوات، قبل أن يُطلقوا مبادرتهم للسلام بسقفٍ أخفض، وليَستَجدوا العابر والمُقيم من يومها؛ لأجل أن يضع الفكرة على طاولة الاحتلال، فوق الطاولة فحسب.
كتبتُ فى واحدة من مناسبات استذكار أوسلو، أن المنطقة كلها مَدينةٌ بالاعتذار للرئيس المغدور؛ خاصّةً المتطرفين والأُصولية الزاعقة وتجّار القضايا، من عيّنة الحركات والجماعات المُستَتبَعة كالإخوان وحماس، والميليشيات الإرهابية والعميلة، كالقاعدة وداعش وتحرير الشام.
حُكِىَ عن اللقاء الوحيد بين رئيس وزراء لبنان السابق نجيب ميقاتى، وحاكم الأمر الواقع فى سوريا، الجولانى/ المُعاد إنتاجه باسْم الشرع، أنَّ الأخير سأل ضيفه عن رأيه فيما أقدم عليه السادات، وعندما صمت المسؤول حرجًا، عقّب السائلُ سريعًا بأنه لو كان مكانه لفعل مثله تمامًا.
ابنُ تيّارٍ يُزايد على خيار السلام، وفى كَفِّه دم الرجل وآخرين سواه، أقصد النوع كاملاً لا الإرهابى مُدّعى التوبة وحده. ولا فارق مع الحماسيِّين الذين يفاوضون العدو وينتقدون مَن يُفاوِض، والإيرانيين الذين يجالسون الشيطان الأكبر، ويمنعون لبنان من البحث عن مَنجى.
كأنّ خلافَ الرجعيّة الدينية ومَن يُشبهها على المقعد، لا المبدأ. وإذا حازوا السلطة فلا غضاضة لديهم أن يتباسَطوا مع الصهاينة، ويُخاطبوهم بـ"عزيزى بيريز.. وصديقك الوفى"، كما فعل المعزول مرسى.
قُتِلَ السادات على ما يفعله قاتلوه اليوم. صاحب الانتصار الوحيد على إسرائيل، والتجربة التى لم تتكرّر فى دفعها للانكماش جغرافيًّا بدل التوسُّع المُطّرد.
كانت الجمهورية الإسلامية حاضرةً فى اغتياله؛ أقلّه بتمجيد القاتل، وإطلاق اسمه على أحد شوارعها. واليوم؛ تُصادر قرار بيروت، وتُوجّه رسائل ترهيب مُبطّنة، وتدفع طابورها الخامس، من قادة حزب الله، لتهديد الرئيس عون بمصير السادات.
وتهديد اللاحق، يجعل الشراكة فى دم السابق أكبر من الاحتفاء بالإسلامبولى، ويضع الحقائق فى رُكن عالٍ، وعارٍ، لا يحتاج شرحًا أو تأويلاً.. البلاد وأهلها تَكَأةٌ فحسب، والقضايا ذرائع، والشىء وضده مخبوءان تحت عمامة فقيهٍ واحد.
تحالفت طهران مع تل أبيب، وتلقَّت منها أسلحة فى الثمانينيات لمحاربة صدَّام. ثم وجهت طاقتها طوال أربعة عقود لاختراق البيئات العربية، لا إزعاج الاحتلال، أو السَّير فعلاً، وبصدقٍ وإخلاص، على طريق القدس.
بل إنها لمّا دُعِيَت للقتال عن نفسها فى الشام تلكّأت؛ حتى غزاها الغزاة فى عقر دارها، ونحروا مرشدها الأعلى بين عصابته من كبار الشيوخ والجنرالات!
كانت الحرب شرط وجود وتَدَاوٍ من الهزيمة، وفرضت الحصافة ألَّا تتأبَّد أو تُعَلَّق على حِبال الأوهام. عبرنا بآلاف الجُند، وكان العبور سياسيًّا أيضًا. الطبق الساخن يُغيّر شكل المائدة ورائحتها، ويجذب أنف الشبعان قبل معدة الجائع!
وعى السادات بموازين القُوَى، احترمها ولم يُصادمها، وما غامر بأكثر مِمّا تُتيحه الظروف. غادر إلى السماء شهيدًا، وترك لنا الأرض كاملة، والفخر يتجدّد من سنة لأُخرى.
ما أخرج مصر من الصراع على ما يقولون؛ إنما انتشلها من دوّامةٍ، عَرَف أنها ستستنزف الأعمار والإمكانات، وأن الباقين سيتصالحون فى كل الأحوال على الجمود والمُقايضات المشبوهة. أيقن أن المُعادلة مُختلّة، واجتماع الضعفاء لا يزيدهم إلّا ضعفًا.
يقتص الزمن للرجل من ظالميه جميعًا، فى الخارج إذ يسيرون على دربه مُتأخِّرين جدًّا، وفى الداخل عندما تتعثّر خطاهم فى التناقضات، بين قصص مُتطابقة وأحكام مُتضاربة، وتسجيلات صوتية تُؤكِّد أن عبد الناصر نفسه كان مُقبلاً على التعقُّل والسياسة؛ لو أنّ الحياة أَمهَلته للنزول عن الشجرة.
أربعٌ وأربعون سنة تكفى لاستخلاص العِبرة وإنهاء الجدل، وما من شَكٍّ فى مُعجزة التحرير بالسلاح والسياسة والقانون، ولا فى وطنيّة ورُشد صُنّاعها جميعًا.
وأوّلهم، رجلٌ أشرف وأنضج من قتلته والراقصين على دمه: خليط الأُصوليِّين واليسار والقوميين، الذين يختلفون غالبًا على كلِّ خير، ويتّفقون دومًا فى الشرور، ولا دليل أكبر من تهليلهم الجماعىِّ للشيعية المُسلّحة وجرائمها وقفزها على القِيَم والحدود والعواصم.