يقولون أن الإنسان لابد أن يتأثر بمهنته سلبًا أو إيجابًا، بحكم أنه يقضي أغلب ساعات يومه في العمل، فبالتبعية تكون أغلب تعاملاته مرتبطة بمكان وأشخاص العمل، وعندما يخرج إلى حياته الشخصية يجد نفسه لاإراديًا غير قادر على خلع ملابس عمله بسهولة، والمقصود بمرادف "ملابس العمل" هنا ليس الزي الرسمي، وإنما المسلك المهني الذي اكتسبه على مدار اليوم، فيجد نفسه يتحدث بذات الأسلوب، فمثلاً لو كان مديرًا نجده يميل إلى إصدار التعليمات حتى في منزله أو مع أصدقائه، ولو كان مُحققًا، نجده تستهويه فكرة إطلاق الأسئلة حتى يصل إلى الإجابة، ولو كان مُحاضرًا، سنجد لسانه يشرح كل كبيرة وصغيرة بشكل مستفيض، رغبة منه في توصيل المعلومة، ولو كان طبيبًا، سينجرف تلقائيًا إلى محاولة علاج أي مرض حتى لو كان أمرًا عارضًا.
فالمهنة مثل الطبع تغلب على صاحبها وتُسيطر عليه، وتفرض عليه العديد من السلوكيات، لأنها تصبح بمرور الوقت لصيقة به، فهي مثل الدور الذي يؤديه الفنان، فلابد أن يترك طابعه عليه لاإراديًا لفترة من الزمن حتى يعود إلى طبيعته، أو يدخل في شخصية جديدة بملامح وصفات جديدة، فيبدأ التأثر بها من جديد. وهكذا، فالإنسان في بداية السلم الوظيفي تبدأ شخصيته تتأثر بكل مرحلة مهنية يمر بها، فالموظف حديث التعيين، ليس كمدير القسم، والأخير ليس كمدير المؤسسة، فالشخصية تتأثر وتتبلور، وتتغير مفرداتها طبقًا للمرحلة التي يتعايشها. والغريب أن هناك بعض السلوكيات السلبية التي يأتي بها بعض أصحاب المهن والوظائف وتكون مرتبطة بشخوصهم، ورغم ذلك ترتبط بوظائفهم، بمعنى أن أي إنسان يتعامل مع هذا الشخص ذو الصفة السلبية ويعرف مهنته، يظل معتقدًا أن هذا السلوك، أو تلك إستمدها من وظيفته، أي أنها ليست لصيقة بشخصه، حتى لو كانت مهنته بريئة من هذا الاتهام تمامًا.
فلقد كان هناك شخص ما يركب منطادًا، وكان على ارتفاع بسيط من الأرض وكان واضحًا أنه تائه، وتتجاذبه الرياح يمينًا ويسارًا وعندما رأى شخصًا يسير على الأرض، ويبدو من مظهره أنه خبير بالمكان، فبادره بالسؤال: "لو سمحت أين أنا على وجه التحديد؟"، نظر الرجل للأعلى وأخرج من جيبه بوصلة قياس وجهازًا إلكترونيًا حديثًا، وأخذ يسجل عدة قياسات ويسجلها على ورقة، وفي النهاية قال للرجل في المنطاد: "أنت على ارتفاع 50 مترًا من الأرض، وفي خط طول 20 شرقًا، وخط عرض 35 شمالاً"، وهنا رد عليه مَنْ بالمنطاد: "أنت بالتأكيد مستشار"، قال الرجل: "بالفعل، هذه مهنتي، ولكن كيف عرفت؟"، قال الرجل: "لأني سألتك عن مكاني وفي أي منطقة أنا الآن، فقلت لي معلومات صحيحة ولكنها غير مفيدة"، وهنا قال له المستشار: "وأنت بالتأكيد مدير"، فتعجب مَنْ بالمنطاد وقال له: "وكيف عرفت؟"، قال: "لا تعرف أين أنت ولا أين تريد أن تذهب، وتلقي باللوم على الآخرين"؟.
وفي الحقيقة، أن هذه ليست صفات المستشارين ولا المديرين، ولكن بالقطع، هناك بعض الفئات من البشر التي شغلت هذه الوظائف، وكانت تتسم بهذه الطباع، فظن البعض أنها صفات لصيقة بالمهنة، وليس بصاحبها، لذا فعلينا أن نعترف أن صفاتنا الشخصية أحيانًا كثيرة ما تظلم السمات المهنية، لأن الإنسان كثيرًا ما يخلط بين الأمرين، لاسيما وأن هناك أشخاص تضع شكلاً معينًا لصاحب المهنة يكون من نسج خيالها، في حين أن هذه الصفات لا يكون لها أي صلة بتلك المهنة على الإطلاق.