فى 28 فبراير الماضى، بدأت الضربات الأمريكية الإسرائيلية الموسعة على إيران، أى مر حتى اليوم على هذه الضربة 51 يوما بالتمام والكمال، ورغم الهدنة الهشة بين الأطراف المتحاربة، فإن القوات الأمريكية تحاصر الموانئ الإيرانية، والحضور العسكرى متزايد، عدة وعددا، وهناك مناوشات تنذر بالتصعيد من جديد، سواء باستمرار الحصار الأمريكى للموانئ الإيرانية، أو قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، وأيضا عدم التزام إسرائيل بالهدنة فى الجنوب اللبنانى ومحاولاتها فرض واقع ميدانى باحتلال مناطق شاسعة من الأراضى اللبنانية، إلا أن هناك معركة قوية، يضغط فيها القانون على الزناد، بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، من ناحية، والكونجرس من ناحية ثانية.
المعركة بطلها قانون صلاحيات الحرب الأمريكى المدشن عام 1973، هذا القانون لم يكن مجرد إجراء إدارى، وإنما دُشن كرد فعل غاضب من الكونجرس بعد تجربة الحرب على فيتنام، التى صارت جرحا غائرا فى الجسد الأمريكى، عندما توسعت، حينذاك، الحرب وصارت دون رقابة حقيقية من السلطة التشريعية، حينها أراد المشرعون الأمريكيون أن يضعوا قيدا واضحا على الرئيس، يصرخ بأنه لا حروب مفتوحة دون إذن!
وفق هذا القانون، فإن الرئيس يمتلك سلطة محدودة لإدخال القوات الأمريكية فى عمليات عسكرية دون موافقة مسبقة من الكونجرس، لكن وفق شروط واضحة وصارمة، منها، إبلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من بدء العمليات العسكرية، وإنهاء هذه العمليات خلال 60 يوما، إذا لم يمنح الكونجرس تفويضا، ويمكن تمديد إضافى 30 يوما فقط فى ظروف خاصة تتعلق بسلامة القوات.
هذا ليس تحليلا سياسيا، وإنما نص قانونى واضح وقاطع، نصه: «يجب سحب القوات بعد مرور 60 يوما من المعركة، إذا لم يصدر تفويض رسمى»، أى أن الرئيس دونالد ترامب لا يملك شن حرب طويلة بمفرده، وأن فلسفة القانون، مفادها، الكونجرس يعلن الحرب، والرئيس يديرها.
وبموجب هذا القانون، فإن العد التنازلى للمدة المسموح بها للعملية العسكرية ضد إيران، وهى 60 يوما، بدأ، ولم يتبق سوى 9 أيام من تاريخ اليوم، حينها يكون ترامب مجبرا على وقف القتال، وسحب قواته، إن لم يحصل على تفويض جديد من الكونجرس لمدة شهر فقط، مقدما مبررات قوية تستوجب استمرار الحضور العسكرى أو الضربات.
إذن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بعد مرور 51 يوما على ضرب إيران، أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول: الإعلان رسميا عن إيقاف الحرب، وسحب قواته، الثانى: طلب تفويض رسمى من الكونجرس أو تمديد قانونى لمدة شهر، ومن ثم فإن أى استمرار فى القتال، عقب المدة القانونية ودون الحصول على التفويض والتمديد لمدة شهر، يضعه فى منطقة قانونية رمادية، وسيرتكب مخالفة صريحة، مع الوضع فى الاعتبار أن الكونجرس يمتلك أدوات قانونية، تلزم ترامب بسحب القوات، ورفض تمويل العمليات العسكرية، ورفض منح التفويض بالاستمرار فى الحرب!
وربما يسأل سائل، هل يمكن للرئيس دونالد ترامب تجاهل المهلة ومخالفة القانون؟ وللإجابة على السؤال، فهناك شقين، الأول، من الناحية القانونية والنظرية، لا يملك ترامب حق تجاهل المدة المحددة، ويجب عليه إنهاء العملية العسكرية بعد 9 أيام.
الشق الثانى، من الناحية العملية، يستطيع ترامب تجاهل القانون، ويستمر فى القتال، والتاريخ الأمريكى يشى بعدد كبير من حالات التجاوز ومخالفة القانون، بتفسيرات مطاطة لقانون صلاحيات الحرب، مثل أن الضربة لا تعد حربا بالمعنى القانونى، وأن العمليات كانت محدودة، ودفاعية، وضرورة يتطلبها الحفاظ على الأمن القومى مع العلم أن خبراء قانون يروا مثل هذه التفسيرات المطاطة، تلاعبا وتحايل لغوى على نص قانونى واضح!
السيناريوهات المقبلة، عقب انتهاء المهلة بعد 9 أيام بدءا من اليوم، إما الانسحاب الكامل، وهو خيار أكثر توافقا مع القانون، ولكنه يتصادم مع الطموح السياسى، ويُفسر كهزيمة، أو أن الرئيس الأمريكى يطلب تفويضا من الكونجرس لاستمرار العمليات العسكرية، وهو مطلب محفوف بالمخاطر السياسية بسبب الانقسام الحاد الحادث الآن، أو أن يتجاهل ترامب المهلة، ويستمر فى عناده، وهنا يدخل النظام الأمريكى برمته فى أزمة دستورية مفتوحة، حيث يطفو السؤال الثقيل على السطح بقوة، هل يمكن إجبار دونالد ترامب، ووزير حربه، بالالتزام بنص القانون؟
العالم ينتظر ويترقب «العداد».. هل يقترب من الصفر أم يستمر فى العد دون توقف؟