بيشوى رمزى

"إدارة نتائج الحرب".. والبحث عن "إنجاز قابل للبيع"

الإثنين، 20 أبريل 2026 08:47 ص


إذا كان الحسم النهائي والإجهاز على الخصم لم يعد الهدف النهائي للحروب الحديث، بينما تبقى هناك أهدافا أخرى من ورائها، تتجاوز أرض المعركة وأطرافها إلى رقعة جغرافية أوسع، فإن التساؤل ربما لا يدور حول الكيفية التي تنتهي بها الحرب، ولكن كيف يمكن التسويق للأهداف التي تحققت، حتى وإن اقتسم الأطراف النجاح في هذا الإطار، وهو ما يبدو في المشاهد التي تتراوح بين إضعاف الخصم والحد من قدراته، من جانب، والصمود في مواجهة القوى الكبرى، من جانب آخر.

ولعل المشهد المرتبط بمضيق هرمز، بين الفتح والإغلاق، نموذجا صريحا لما يمكن تسميته بـ"مرونة الأهداف"، أو بالأحرى الكيفية التي تعيد بها الأطراف تعريف أولوياتها مع اقتراب نهاية المواجهة، فالمضيق لم يكن في الأصل سببا مباشرا لاندلاع الحرب، بقدر ما تحول إلى ورقة ضغط يمكن توظيفها في لحظة معينة، حيث يمثل إغلاقه تهديدا بخلق شلل تجاري عالمي، وهو ما يمنح طهران مساحة للمناورة في مواجهة واشنطن، في إطار محاولاتها لحشد المجتمع الدولي للوقوف إلى جانبها في مواجهة ما تعرضت لها من اعتداءات، وبالتالي فإن دخوله كأحد النقاط التفاوضية بين الجانبين يعكس انتقالا من مرحلة المواجهة المباشرة نحو إدارة النتائج التي آلت إليها، حيث تعاد صياغة الأهداف على نحو يسمح بتقاسم مكاسب نسبية بين الخصوم، وهو ما يندرج في إطار التماهيات التي تحكم هذا النمط من الحروب.

فلو نظرنا إلى الحروب السابقة، نجد أنها كانت تنتهي بإعلان صريح لتحقيق الأهداف من قبل الأطراف المنتصرة، في ضوء الحسم الكامل، حتى وإن كانت التداعيات المترتبة عليه كارثية. وهو ما بدا بوضوح في النموذج العراقي، حيث مثل إسقاط النظام فرصة للإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن للترويج لانتصار حاسم على الخصم، بل وتحويله إلى رصيد سياسي داخلي أسهم في تأمين ولاية ثانية.

غير أن هذا "الانتصار الكاسح" لم يعكس في جوهره استقرارا مستداما، بقدر ما فتح المجال لظهور تحديات أكثر تعقيدا، تمثلت في بروز خصم أشد خطورة، استطاع توسيع نفوذه الإقليمي عبر أذرع غير تقليدية، مستفيدا من الفراغ الذي خلفه سقوط الدولة، وهو ما كشف أن الحسم الكامل، رغم وضوحه الظاهري، قد يكون مدخلا لخسائر استراتيجية أعمق، تتجاوز مكاسب النصر المباشر.

وهنا تبرز أهمية “إدارة نتائج الحرب” باعتبارها البعد الأكثر تأثيرا في الصراعات الحديثة، متجاوزة فكرة الانتصار الحاسم التي قد تتحقق ميدانيا، بينما تترتب عليها خسائر ممتدة زمنيا تتجاوز مكاسبها المباشرة. وفي هذا السياق، لا يعود الهدف مجرد تحقيق إنجاز، بقدر ما يصبح كيفية تقديمه وإعادة صياغته على نحو يجعله قابلا للتسويق، عبر ما يمكن تسميته بـ"الإنجاز القابل للبيع"، وهو ما يتجلى في الطرح المرتبط بمضيق هرمز، الذي لم يكن في الأصل هدفا مباشرا للحرب، لكنه تحول إلى محور تفاوضي رئيسي، بل إلى أحد المحددات الأساسية لتمديد وقف إطلاق النار، بما يعكس كيف يمكن إعادة ترتيب الأولويات في نهاية الصراع، على نحو يسمح لكل طرف بادعاء تحقيق هدف ذي قيمة، حتى وإن لم يكن ضمن أهدافه الأصلية.

والواقع أن “إدارة النتائج” التي تؤول إليها المواجهة المباشرة، بقدر ما تحمل من مرونة تسمح بإنهائها مع الحفاظ على قدر من التوازن الإقليمي، فإنها تنطوي في الوقت ذاته على مخاطر أكثر عمقا، تتوارى خلف النتائج اللحظية، فالتوقف عن القتال لا يعكس نهاية حقيقية للحرب، بقدر ما يمثل إعادة ضبط لإيقاعها عند مستوى أقل من التصعيد، يسمح باستمرارها في صورة كامنة، قابلة لإعادة الاشتعال عند الحاجة.

وفي هذا السياق، لا تصبح نهاية الحرب خروجا من منطقها، بل امتدادا له، حيث تتحول من مواجهة مفتوحة إلى حالة قابلة للإدارة، بما يكرس الوظيفة الجديدة التي باتت تؤديها الحروب الحديثة، القائمة على إطالة أمدها الزمني ومد تداعياتها جغرافيا، في إطار ما يمكن وصفه بـ"إدارة الاستقرار"، لا تحقيقه.

"إدارة النتائج" ليست مجرد مرحلة لاحقة لانتهاء المواجهة، بقدر ما تمثل جوهرها الحقيقي، حيث لا تقاس الحروب بما تحققه ميدانيا بقدر ما تقاس بقدرة أطرافها على إعادة صياغة ما تحقق في صورة قابلة للاستمرار والتوظيف، فالنهاية لم تعد لحظة حسم تفصل بين نصر وهزيمة، وإنما مساحة لإعادة ترتيب الوقائع، وتوزيع المكاسب على نحو يسمح لكل طرف بالاحتفاظ بقدر من الشرعية، داخليا وخارجيا، حتى وإن لم يحقق أهدافه الأصلية.

ومن ثم، تتحول مفاهيم مثل وقف إطلاق النار أو تثبيت خطوط التماس من أدوات لإنهاء الصراع إلى آليات لإدارته، بما يضمن احتواء تداعياته دون القضاء على أسبابه، وهو ما يبقيه قائما في صورة كامنة، قابلة لإعادة التفعيل عند الحاجة.

وهنا يمكننا القول بأن الحرب باتت تتجاوز حدودها التقليدية بوصفها مواجهة زمنية محددة، لتصبح حالة ممتدة، يعاد إنتاجها عبر التفاوض كما أُنتجت عبر القتال، وتدار نتائجها بنفس القدر الذي تدار به عملياتها، وبالتالي لا يكون الحديث عن "ما بعد الحرب" توصيفا دقيقا، بقدر ما يصبح جزءا من بنيتها، حيث تتداخل المراحل وتتلاشى الحدود بين البداية والنهاية، لتغدو الحرب عملية مستمرة لإعادة تشكيل التوازنات، لا لحسمها، وبذلك، فإن ما يبدو في ظاهره نهاية، لا يعكس إلا انتقالا إلى طور جديد من الصراع، أقل ضجيجا، لكنه أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه، بما يكرس في النهاية نمطا من الاستقرار القابل للاهتزاز، لا الاستقرار المستدام.

 

إقرأ أيضا

تطبيع الحرب

الفصل الجغرافي.. الأرض من مسرح عمليات إلى إعادة تشكيل الدولة

معركة الرواية.. من يكتب المشهد الأخير في سيناريو الحرب؟

إدارة التماهيات.. شعرة معاوية بين كلفة الحسم ووهم الانتصار




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة